ضَيَاْعُ اَلْسُّوْدَاْنِ بين اَلْغَدْرْ اَلْإِسْلَاْمَوِيْ وَاَلْتَوَهَاْنْ اَلْسِّيِاْسِيْ ..!

فيصل عوض حسن
2016 / 4 / 24


دَارَ جَدَلٌ واسع خلال الأيَّام الماضية بشأن تبعية مُثلَّث حلايب السوداني الذي تحتَّله مصر بالكامل منذ 1995، وذلك على إثر توقيع اتفاقية الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وتَصاعدت وتيرةُ الجَدَلْ وبلغت حدوداً غير مسبوقة، خاصَّة المصريين الساعين لالتهام السودان (كاملاً)، ضمن ما يُسمَّى (حَمَلَة مين بيحب مصر)، التي كَشَفَت عن التخطيط لإرسال وفد قانوني لمحكمة العدل الدولية مطلع (مايو) القادم، للمُطالبة بتبعية السودان لمصر والعودة لحدود 1882. والأدهى من ذلك، اعتزامهم إجراء (استفتاء) شعبي في البلدين بهذا الخصوص!
موقف البشير المُتخاذِلْ وعصابته المأفونة معلومٌ للقاصي والداني، رغم مُمارساتهم الإلهائية والتي رَكَّزت فقط على حلايب، دون إشارة لاحتلال مصر (الفعلي) لمساحات واسعة من وادي حلفا. ففي الوقت الذي يملأ إعلامُ البشير المأجور الدنيا ضجيجاً بشأن حلايب، ويُحاول إظهار العصابة الإسلاموية بموقف البطل، أكَّد غندور بالقاهرة خلال ديسمبر 2015، بأنَّ شكوى السودان حول حلايب (قديمة) وأنَّهم لم يشتكوا مصر بعدها، ثمَّ قام بتهنئة السعودية باسترجاعها لجُزُرها من المصريين (دون حياء)، وهو إقرارٌ (ضمنيٌ) بقبول اتفاقيتهم التي جعلت حلايب مصرية! والمُؤلم في الموضوع، أنَّ أهالى حلايب يرفضون التفاوُض على المنطقة، ويُؤيدون تبعية حلايب وقاطنيها لمصر، واستشهدوا بالمدارس والمُستشفيات ومظاهر التنمية المصرية بحلايب. وذهب شيخ مشايخ البشارية بأبي رماد لأبعد من ذلك، في حديثه لصحيفة المصري اليوم يوم 20 أبريل 2016، حينما هاجم البشير مُتسائلاً عن أين كانوا من الأوضاع المعيشية السيئة لسُكَّان حلايب، مُمتدحاً القوات المصرية التي (طردت) السودانية وأعلنت التنمية (وفق تعبيره)، وهو ما حَذَّرنا منه سابقاً.
فقد كتبتُ مقالاً بُعنوان (انبراشة المُشير.. حلايب أنموذجاً) قبل عامين عقب زيارة البشير لمصر ونتائجها، والـ(تعتيم) الإعلامي والتصريحات الضبابية، التي (تحاشَت) تماماً قضية حلايب والنزاع الحدودي بين البلدين، وكانت مصر آنذاك مُتوغلة داخل السودان بنحو 17 كيلومتر بجهة وادي حلفا. وتناولتُ في مقالتي تلك إجراءات مصر الداعمة لسيطرتها وتواجدها بحلايب، وإلهاء المُتأسلمين المُتعمَّد للسودانيين بتفاهاتهم ومسرحياتهم العبثية! وأشرتُ بصفةٍ خاصَّة، لتوجيهات وزير التنمية المحلية المصري بشأن الحلول الجذرية لمشاكل مُواطني حلايب والـ(تعجيل) بمُعدَّلات التنمية فيها، و(إظهار) اهتمام مصر باستقرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بمُشاركة شباب المنطقة تعزيزاً لروح الـ(إنتماء)! وتشديد الوزير على ضرورة (إشباع) احتياجات و(رغبات) أعضاء الإدارة المحلية، باعتبارهم (المرجعية) الرئيسية هناك! وانتهيتُ في مقالتي تلك، لاستنتاج أنَّ البشير اتَّفق مع السيسي على الـ(إسراع) بكسب (وُد) سُكَّان حلايب، عبر أنشطة وبرامج بسيطة وتضخيمها إعلامياً، والترويج لقادمٍ أكبر، مع (التزام) السودان بالتجاهل الـ(مُتعمَّد) نظير الاهتمام المصري، وإذا ما طَالَب السودانيون بحلايب، يقترحون الاستفتاء حلاً، رغم وجود الوثائق الداعمة لحق السودان فيها، ومن الطبيعي في ظل إهمال السودان مُقابل الاهتمام المصري، أن تأتي النتيجة بضم المُثلَّث لمصر، وبذلك يصمُت الجميع عقب إضفاء صيغة قانونية للوجود المصري وأحقيته بالمنطقة! ولعلَّ هذا ما يحدث الآن بالضبط أو في طريقه للحدوث، رغم تصريحات المُتأسلمين الداعية للتحيكم الدولي، والتي لا تتعدَّى مُجرَّد تصريحات لامتصاص ردود أفعال السودانيين، وسُرعان ما سيتراجع سقف مُطالباتهم ليقف عند الاستفتاء، كهدفٍ نهائي عملوا لتحقيقه باستراتيجيةٍ شيطانيةٍ (غادِرَة)، وإلا لماذا لا يتقدَّمون بشكوى رسمية للجهات العدلية الدولية كما فعلت الكويت مع العراق، لا سيما مع توفُّر الوثائق الدَّاعمة لملكية السودان للمنطقة؟ وبالنظر لتصريحات مُواطني حلايب وشيوخها المُشار إليها أعلاه، وقياسها بتضليل البشير وعصابته وإعلامه المأجور، والإعلانات المصرية الواثقة وأفعالها الاستفزازية (السابقة والحالية) في المنطقة، نتأكَّد تماماً من وجود تخطيط مُسبق مُتَّفقٌ عليه.
وما يزيد القناعة بأنَّ ما يجري بعلم ومُباركة البشير وعصابته، ليس فقط التدليس وتضارُب التصريحات، وإنَّما أيضاً تجاهُل المُتأسلمين الكامل لتوغُّلات المصريين بوادي وحلفا، واحتلالهم (الفعلي) لعُمُوديات الصحابة واشكيت ودبيرة وسره (شرق وغرب) وفرص (شرق وغرب) وثلاثة أرباع أرقين! ولم يكتفِ المُتأسلمون بذلك، وإنَّما منحوا المصريين مشروع الكنانة بمساحة مليون فدان، وسمحوا للجرَّافات المصرية بالصيد في مياهنا الإقليمية بالبحر الأحمر، وسيطرتهم الكاملة على بُحيرة النوبة (السودانية)، خصماً على الصيادين السودانيين الذين منعتهم مصر من الصيد، بخلاف صفقات الماشية السودانية لمصر التي بلغت 800 ألف رأس بأسعارٍ رمزية. وهي مُعطيات تتقاطع مع ما يُشيعه البشير وعصابته الغَدَّارة، بشأن مُناهضتهم لمصر وتعدياتها على السودان، التي بلغت عدم الاعتراف بالبشير نفسه كرئيس، ويسعون الآن لالتهام السودان بكامله!
واحتلالُ السودان لم يتوقَّف على المصريين، وإنَّما هناك الاحتلال الإثيوبي للفشقة وما حولها، وتعدياتهم اليومية (المُوثَّقة) على السودانيين في المناطق الحدودية، بما فيها القضارف، وقتلهم ونهب مُمتلكاتهم وطردهم وإقامة المُستوطنات الإثيوبية المُتكاملة، بخلاف مُوافقة البشير على إقامة سد النهضة، دون المُطالبة ببني شنقول المُقام عليها هذا السد، وهي أرضٌ سودانية آلت لإثيوبيا بمُوجب اتفاقية عام 1902، شريطة عدم إقامة إثيوبيا لأي مشروعات مائية على مجرى النيل الأزرق، وهو ما لم تلتزم به إثيوبيا وأعربت بوضوح عن رفضها لجميع الاتفاقيات السابقة بما فيها اتفاقية 1902، ومع هذا البشير لم يُطالب ببني شنقول التي آلت لإثيوبيا بشروطٍ مُعيَّنة كما أوضحنا أعلاه. وإمعاناً من إثيوبيا لفرض الأمر الواقع والتهام أراضينا بشكلٍ قانوني، قامت مجموعة من الكيانات الإثيوبية (سياسية، دينية، إعلامية، ومدنية) بتقديم (عريضة) للأمم المُتَّحدة، بشأن ما وصفوه اعتزام حكومتهم التنازُل عن أراضى إثيوبية للسودان، وقدَّموا عرضاً تاريخياً لاتفاقية 1902، ودعوا الأمم المُتَّحدة للمُساعدة في (تجنُّب) الـ(تنازُل) عن تلك الأراضى للسودان، وهو أمرٌ شرحته في مقالةٍ سابقةٍ بعُنوان (إثيوبيا والتهام السودان).
وفي الوقت الذي تتكامل فيه الجهود الرسمية والشعبية بمصر وإثيوبيا لابتلاع السودان، لم (نسمع) أو (نقرأ) تصريحاً أو بياناً واحداً، للرموز السياسية السودانية بشأن تجاوُزات مصر وإثيوبيا، وصَمْت البشير وعصابته على احتلال هاتين الدولتين لأراضي السودان، وشكَّلت سلبية الموصوفين بقادة الأحزاب والقوى السياسية صدمةً كبيرة، حيث أهملوا التوضيحات والمُناشدات العديدة بشأن تلك التعديات، وأثبتوا (عملياً) أنهم يسعون لمصالحهم الذاتية، وبناء أمجادهم على رُفات السودان وجماجم أهله! ومن بين أولئك القادة من طالب بعدم (إثارة) هذه القضايا، بحجج الأخوة والجِيرة وغيرها من الترهات، ولم يقتدوا بالمصريين والإثيوبيين، سواء على صعيد حكوماتهم أو مُنظَّمات المُجتمع المدني وكياناتهم السياسية!
إنَّ غَدْر البشير وعصابته بالسودان معلومٌ ولا يحتاجُ لعرضٍ وتأكيد، وكياناتنا وأحزابنا السياسية (مدنية/عسكرية) معنية بما يجري من احتلالٍ لأراضينا، ومُطالبة (أخلاقياً) بالانتباه ومُناهضة هذا الاحتلال، ولتحذوا حذو الإثيوبيين وما يعتزمه المصريون، مع الفارق بين موقف الدولتين المُعتديتين وبين السودان الضحية. وعلى كياناتنا السياسية والمدنية بصفةٍ خاصَّة، والقانونيين الشرفاء الشرفاء عموماً، الإسراع بتقديم عرائض وشكاوي للجهات المعنية الدولية والإقليمية، وتثبيت حقوق السودان المهضومة من قِبَل إثيوبيا ومصر (معاً)، ودعم تلك الشكاوي وبالوثائق اللازمة وما أكثرها. علماً بأنَّ الاتحاد الأفريقي قَرَّر بأن يكون عام 2016، هو آخر عام لحسم موضوع الحدود بين دول القارة، وفق تصريحات غندور في تصريحاتٍ المُوثَّقةٍ (أيضاً)، مما يعني ضيق الوقت وحتمية السرعة في الإنجاز، وإلا فإنَّ ثمن الانتظار والتلكُّؤ سيكون باهظاً وأليماً.
والجهد المطلوب لإعداد هذه العرائض، أقلَّ من جهد كياناتنا السياسية والمدنية المبذول في بياناتها المُتلاحقة، وأكثر فائدة لتثبيت حقوقنا التي أضاعها البشير وعصابته، ويُؤكد احترام هذه الكيانات للشعب السوداني، وهو التزامٌ أخلاقي وتاريخي يُترجم شعاراتها لواقعٍ ملموس، ويعكس حرصها على البلد وأهلها، ويُمكن إنجاز هذه الخطوة، بالتوازي مع السعي الحثيث والجاد اقتلاع المُتأسلمين، الذين أذلُّونا وجعلونا أُضحوكة بين الشعوب، واسترجاع كرامتنا وحقوقنا المسلوبة.. وللحديث بقية.