تراتيل سورية : الجولان . فلسطين . اسكندرون

بدر الدين شنن
2016 / 4 / 23

بما أنه لا يمكن بالمطلق ، حصر أسباب ومضمون ما يجري في سوريا ، بالصراع الداخلي وحسب ، وتجنب البعد الخارجي ، المهيمن ، إرهاباً ، وتمويلاً ، وسلاحاً ، وقيادة ، على البعد الداخلي ، بل ويجنده في خدمة مصالحه ، كان لا بد من السؤال الهام جداً : لماذا سوريا .. ولماذا هذا الإفراط بتدميرها .. وإغلاق آفاق وقف استنزاف جروحها .. هل المقصود هو الجغرافيا السياسية السورية .. أم المواقف السورية السياسية .. أم كلاهما معاً .. وما هي متطلبات التعاطي السياسي معها.. وطنياً ودولياً ؟ ..

من الطبيعي أن تتعرض سوريا ، كوحدة جغرافية للعدوان في مختلف ، العهود والأزمنة ، لاسيما في أزمنة الفتوحات الإمبراطورية ، والاجتياحات الهمجية الكبرى ، الطامحة للتوسع والنهب ، فعلى أرضها الجميلة الواسعة تتقاطع القارات ، ودروب حركة النقل الحربية والمدنية الدولية ، وتتوزع من محورها إلى البلدان الأخرى ، وفي أرضها تتوفر الموارد والثروات الغنية . وتكبر أهميتها ، حين يكون من يحكمها وطنياً يحافظ عليها ، وعلى مكانتها ، وثرواتها . ومثال دولة " بالميرا " تدمر .. بقيادة زنوبيا البطلة ، مازال يضيء هذه المثال على ذلك .

لكن هذه الوحدة الجغرافية ، نتيجة الصراعات الإمبراطورية ، والمؤامرات الاستعمارية ، تفككت إلى كيانات عدة أكثر من مرة ، وكان آخرها مؤامرة ( سايكس ـ بيكو 1916 ) التي سمت الكيانات المقتطعة تعسفاً دولاً ، رغم أنها لا تستطيع أن تنفك تماماً ، تاريخياً ، وثقافياً ، واقتصادياً ، عن جذرها السوري الراسخ منذ آلاف السنين . ، الذي يحمل أيضاً اسم بلاد الشام ، التي تتكون من : سوريا الحالية ، والأردن ، وفلسطين ، ولبنان ، فضلاً عن أجزاء واسعة من الأراضي السورية ، التي سلبتها تركيا في الشمال السوري ، بموجب اتفاقية ( لوزان1923) ، ثم سلبت لواء اسكندرون بالتواطؤ مع الاحتلال الفرنسي 1939 .

بيد أن سوريا الحالية ، ظلت لاعتبارات جغرافية سياسية بالدرجة الأولى ، في مركز جذب الاهتمامات والمطامع الدولية . وظلت حاملة المسؤولية الوطنية والقومية ، في حياتها اليومية ، وثقافتها ، وسياساتها بعامة . وحملت وجع الضربة الوطنية القومية الأولى ، المتمثلة باغتصاب تركيا لواء اسكندرون 1939 ، ووجع الضربة الوطنية القومية التالية ، المتمثلة باغتصاب الصهيونية فلسطين بالتواطؤ مع الاستعمار البريطاني 1947 .
وبالتزامن مع كل هذه الأوجاع .. المسؤوليات .. تتحمل سوريا مسؤولية التصدي للمشروع الصهيوني ، الطامع بالأرض العربية من النيل إلى الفرات . والتصدي للمطامع التركية الهادفة ، إلى إحياء الإمبراطورية العثمانية فوق كل الأرض العربية ، ومسؤولية التصدي الدائم أيضاً ، لتقسيم ما تبقى منها ، وتحويلها إلى دويلات فاشلة ، بواسطة الإرهاب الدولي .

* * *

وقد فرضت هذه الحالة السورية ، المشحونة داماً بمخاطر العدوان الخارجي ، أن يكون منسوب الوطنية في سوريا مرتفعاً بصورة دائمة ، وتطلبت أن تكون القضية الوطنية في مركز اهتمام القوى السياسية ، واعتبارها محور القضايا الأخرى ، بل أن كل السياسات على كل المسارات القضية الوطنية أولاً ، وأن تكون " العقيدة السياسية الوطنية " عماد كل السياسات ، وأس المبادئ ، والقيم العامة الثابتة ، التي تقضي في الظروف الوطنية الحرجة ، الالتزام قبل كل الالتزامات ، بقيم ومسؤوليات الوحدة الوطنية ، والعمل الوطني المشترك . وهنا يتكون .. ويكمن .. سر البقاء السوري .

وعلى الرغم من تعقد الظروف المحيطة بسوريا ، كانت السياسة .. وأنشطة القوى السياسية ، مواكبة .. ملتزمة ، ما عدا بعض الاستثناءات ، بالثوابت الوطنية . وقد تعزز ذلك ، بعد أن أحدث حضور الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي توازناً دولياً ، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وفكرياً ، ما ساعد على تحقيق نهوض وطني ، في مختلف المجالات في البلاد . استمر مع استمرار التوازن الدولي .

بعد انهيار التوازن الدولي ، انكفأت الأوضاع بعامة ، وتعددت أشكال الإحباط والانحطاط . وكان أبرزها ، انحراف النخب السياسية والثقافية ، ورهاناتها على مرحلة العولمة الأميركية ، ما أدى إلى أن يرتفع طرداً المنسوب الوطني ، وتزايد ارتفاعاً مع انهيار المفاهيم والقيم الوطنية ، وتبدل القناعات والولاءات السياسية والفكرية .

وقد تطلب تسويغ إلغاء الحدود الوطنية لحساب عالم بلا حدود ، إلغاء الثوابت الوطنية ، التي " تشكل العقيدة السياسية الوطنية " ، واستبدالها بأوهام الازدهار الحضاري تحت القيادة الأميركية ، وإعادة توجيه مسارات العقل والوعي ، وإلغاء مفاهيم الصراعات الطبقية ، والقومية ، والوطنية ، التي تتمحور ، ضد الظلم الاجتماعي ، وتتمسك بالحدود والهوية ، وإفشال النظريات التي تتصدى علمياً للإجابة على أسئلة اللحظة التاريخية . وتفعيل وتأجيج الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية ،لتكريس سلطة أحادية القطبية الدولية الأميركية .

وحسب معايير هذا الزمن الرديء الغبي ، بات مطلوباً من القوى السياسية السورية ، إعادة النظر في بنية مفاهيمها السياسية ، وإعادة تحديد محاور تقاطعاتها مع استحقاقات العالم الجديد . وكان لابد أن ينعكس ذلك على علاقاتها مع أسياد العالم ، الذين لم يعودوا ، لدى الكثير من السياسيين ، أجانب !! ؟ .. لاسيما القسم المرتبط بالخارج قبل المرحلة الحالية بسنوات . ثم انعكس ذلك على مسارات المعارضة بشكل عام .. وتحول ولاء معظمها علناً إلى القوى الإقليمية والدولية ، التي تخطط وتتآمر للإطاحة بالنظام القائم بأي ثمن ، ولو أدى ذلك إلى تدمير الدولة السورية ثم أظهرت أبشع صورها ، في تعاطيها وتحالفها مع دول عدوان الإرهاب الدولي على البلاد ، وخاصة المملكة السعودية ، وقطر ، وتركيا ، وإسرائيل ، وعصابات تيار المستقبل في لبنان .

* * *



لقد مزقت مؤامرة ( سايكس ـ بيكو 1916 ) سوريا ، وهي بين نارين ، نار احتلال عثماني يغادرها ، ونار احتلال فرنسي بريطاني يزحف إليها . وبعد أن سيطرت القوات الفرنسية والبريطانية على سوريا بالكامل ، جرى تقسيمها بموجب الاتفاق المؤامرة بينهما .
في تلك المرحلة تواطأ الاستعمار الفرنسي القادم ، مع الاستعمار العثماني الراحل ، على إعادة تقسيم سوريا ، وتنازل الفرنسي ، عن مساحات واسعة من الأراضي في شمال سوريا تعادل مساحة سوريا الحالية إلى تركيا ، وذلك ضمن إطار تسويات الحرب العالمية الأولى ، وتنازل الفرنسي أيضاً عن لواء اسكندرون لتركيا ، 1939 لضمان حيادها في الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي .
وفي تلك المرحلة أيضاً ، تواطأ الاستعمار البريطاني مع الصهيونية العالمية ـ لإقامة دولة لليهود في فلسطين . وكانت نتيجة ذلك اغتصاب فلسطين 1947 .
وفي عدوان حزيران الصهيوني الدولي ، خسرت سوريا القنيطرة . وفي حرب تشرين 1973 ، تم تحريرها .. وبقي الجولان تحت الاحتلال .

ما معناه ، أننا في زمن الاحتلال ، والتجزئة السورية والقومية ، وضعف الطبقة السياسية وتشتتها السياسي والأيديولوجي ، فقدنا اسكندرون .. ثم فلسطين .. ثم الجولان .
ونتعرض الآن لحروب إرهابية دولية تستهدف الوطن كله بأشكال مختلفة . ورغم أننا في المرحلة الحالية لدينا دولة .. وجيش .. لكن لولا دعم الأصدقاء ، ومعظمهم من خارج سوريا ، ربما كانت سوريا أمام هذا العدوان الإرهابي الدولي الكاسح ، عادت إلى زمن الاحتلال .. والتقسيم الأسوأ في تاريخها .. وإلى حالة من التخلف .. مغايرة لحاجاتها الآنية والمستقبلية .. ولمنطق العصر .

وإذا نظرنا بعمق إلى مجريا ت الأحداث ، التي عصفت بسوريا في المئة عام الماضية ، نجد أن قوى الخارج ليست دائماً هي الرابحة ، وإنما هناك مواقع كانت فيها متراجعة ومهزومة . إن اللغز في تلك المواقع هو ، ما احتجنا إليه في الماضي البعيد والقريب ، وهو ما نحتاجه اليوم ، في مواجهة العدوان على بلادنا . وهو " العقيدة السياسية الوطنية " . وهذه العقيدة إذ تترسخ في الوعي .. والضمائر .. والحراك السياسي الوطني ، توفر طاقات وقدرات جبارة . بدلالة حفاظ سوريا على استقلالها في هجمة الانقلابات العسكرية المشبوهة بعد الاستقلال ، وصمود سوريا بوجه حصار حلف بغداد الاستعماري 1957 ، وبناء القوات المسلحة والاقتصاد الوطني ، والتصدي للانهيار الوطني في حرب حزيران 1967 الصهيونية الدولية ، والمعارك البطولية التي خاضها الجندي السوري في حرب تشرين 1973 ، وصمود سوريا .. وجيش سورياً خمس سنوات متلاحقة ومازالا ، في الحرب ضد مئات الآلاف من قوى الإرهاب الدولي ، المدعومة من أكثر من مئة دولة عربية وأجنبية .

وبذلك يتضح أننا في غمرة التصدي للعدوان ، وللأطماع التوسعية الخارجية ، نحن بأمس الحاجة إلى " العقيدة السياسية الوطنية " إيماناً .. ووعياً .. وممارسة .. في الحرب والسياسة ، لترميم مواقع الضعف في جبهتنا السياسية ، التي تعوق وصول السوريين إلى اتفاق يوحد صفوفهم في مواجهة العدوان ، التي يتمثل بمواقف أطراف معارضة خاضعة لإرتها نات وإملاءات الخارج المعادية في الشأن السوري .. وإيثارها مصالحها الذاتية ومصالح داعميها على مصلحة البلاد .

ما يعني بكل وضوح ، أن غياب " العقيدة السياسية الوطنية " يؤدي إلى الضعف والانحطاط .. وأحياناً إلى الخيانة , وبسبب ذلك نرى كيف تتصاعد أعراض الأطماع التوسعية ،لدى الإقليمية والدولية .
لقد عبر القادة الأتراك مرات لا تحصى عن تمسكهم بمخطط التوسع في شمال سوريا ، باسم إقامة منطقة آمنة . وأعلن نتنياهو منذ أيام فقط " أن على السوريين أن ينسوا الجولان . ووزير خارجية آل سعود لا يمل من تكرار عداء المملكة لسوريا ، ومن متابعة تقديم كل أشكال الدعم للجماعات الإرهابية المسلحة في سوريا . ومن جهة أخرى ، تلعب أميركا لعبتها المزدوجة . فمن جهة تزعم أنها شركة روسيا في مساعيها من أجل حل سياسي ، ومن جهة أخرى ، تدرب وتسلح جماعات إرهابية موالية لها وترسلها وقوات أميركية خاصة إلى سوريا . وكل هذه الأطراف ، تعمل ، وتراهن ، على تفكيك سوريا ، من خلال قوى معارضة مسلحة ، وغير مسلة ، ومن خلال مئات الآلاف من الإرهابيين الدوليين .

الأمر الذي يرفع المنسوب الوطني .. أي منسوب " العقيدة السياسية الوطنية " إلى أعلى المستويات . ويتطلب التعامل مع " العقيدة السياسية الوطنية " سياسياً ، وإعلامياً ن وثقافياً .. لملء الفراغ الذي أحدثه بقاء البعض أسير أيديولوجيات متخلفة ، وعلاقات خارجية مريبة ، ونزعات لاعقلانية .. ووصل جزء منه إلى حد الخيانة . بدلالة ، أن هؤلاء السادة ، عند ممارساتهم السياسية المعارضة ، لا يذكرون اسكندرون بشيء ، لأن تركيا هي ملاذهم ، وسيدة منظومة حراكهم ودعمهم . ولا يذكرون الجولان بشيء يتعلق بتحريره ، بل ويتعاون بعضهم علناً مع إسرائيل كحليف . ولا يطرحون أي برنامج عسكري اكثر جدوى ويكونون جزءاً منه للتصدي لحرب الإرهاب الدولي ، وإنما يتحالفون مع معظم هذا الإرهاب ضد وطنهم .

إن تحرير الجولان .. وفلسطين .. واسكندرون .. هو مهمة تحرر وطني سورية وعربية ، واحدة ، ومترابطة ، تاريخياً .. وجغرافياً .. ومصيرياً .
إن الحرب العدوانية الدائرة الآن في سوريا .. تستهدف أن يلحق المصير السوري كله .. بمصير اسكندرون والجولان وفلسطين .
بالمقابل .. على القوى الوطنية السورية والقومية العربية .. المسلحة " بالعقيدة السية الوطنية والقومية " أن تدحر هذا العدوان .. وتحرر كل الأجزاء السورية والعربية المغتصبة .. وبشكل خاص .. الجولان .. وفلسطين .. واسكندرون .