ديمقراطية الأغلبية السياسية في العراق

جعفر المظفر
2016 / 4 / 23

ديمقراطية الأغلبية السياسية في العراق
جعفر المظفر
مع هؤلاء الذين سرقوا البلد والناس, ومع مجموعة القوى والوسائل التي يمتلكونها, ومع النسيج الرخو للمجتمع العراقي, ومع غياب المرتكزات الحقيقية للمسألة الديمقراطية, ومع الإيمان بحقيقة أن في مجتمعنا من الجهل لو توزع على المعمورة أحالها خرابا, ومن الفقه الطائفي ما تغرق به الدنيا, وأن الجيران ليسوا بمأمن عن تغذية التربة العراقية بكل ما يجعلها خصبة لإنتاج السموم, ومع وجود مؤسسات دينية مرتزقة ومستعدة لأن ترتدي لباس الشيطان, فإن المراهنة على وجود ديمقراطية الأغلبية السياسية الوطنية بمعزل عن تحريم الأحزاب والتجمعات الطائفية هي حيلة لإستبدال نظام المحاصة الطائفية السيء بنظام الأغلبية الطائفية الأسوء, أو أنها متأسسة على نوايا طيبة غير محروسة ولا يمكن تبويبها إلا في خانة السذاجة التي ترفض التعلم.
لقد عشنا التجربة بكاملها, ولنا قبلها من الوعي ما يجعلنا نثق بأن هذه الأحزاب الدينية ليست غير تربة لزراعة كل ما يشق البلد ويلغي إمكانية بناء دولته الوطنية, فلا توآخذونا حينما نحذر من هؤلاء وندعو إلى توفير المقومات الرصينة للديمقراطية, لأن هذه الأخيرة, أي الديمقراطية, لا تحمل قيما روحية وأخلاقية فقط, كالحرية مثلا, وإنما هي أيضا وسيلة أساسية لبناء دولة متحضرة..
يدعي البعض, في معرض تبريره لنظام الأغلبية السياسية, والذي ترجمته الحقيقية حاليا نظام الأغلبية الطائفية, أنه سيتيح القدرة على تحمل فئة أو فصيل تبعات النظام السياسي, وبخاصة أخطاءه, بعد أن جعلها نظام المحاصصة موزعة على الجميع, مما غيب فرص تشخيص المخطئين الحقيقين. وقد سمعنا هذا الإدعاء من جماعة المالكي أولا, ثم ردده البعض من أصحاب النوايا الساذجة, أو الذين لم يحسموا بجدية موقفهم المعادي للطائفية, على رغم البيارق التقدمية التي يحملونها. وها نحن أمام إدعاء لا يشيع غير السخرية, فتأسيس نظام بديل لا ياتي هنا بدعوى أنه سيكون نظام حسنات وإنما لأنه سيجعل تحديد جهة الأخطاء مهمة سهلة ويخلصنا من الدوخة التي يسببها تبادل التهم بين قوى النظام المحاصاتي !.
ترى من الذي يحاول هؤلاء خداعه؟ حتى كأن مشكلتنا كانت الجهل بمن سرق المال العام طيلة الفترة السابقة, أوالجهل بمن يقف وراء سقوط نينوى وغيرها من مناطق العراق الغربية, أو الجهل بدرجات المسؤولية التي تقف خلف فضيحة وأخرى. إن شعبنا يعرف هؤلاء بالأسماء وبالتفاصيل الدقيقة. فإذا كان نظام المحاصة قد عجز قانونيا وأخلاقيا وسياسيا عن متابعة المجرمين, رغم كل وثائق الإدانة, فكيف يريدون منا أن نصدق أن نظام الأغلبية الطائفية بوسعه أن يفعل ذلك, وهو نظام سيضع بيد القوة أو القوتين اللتان تقفا خلفه كل وسائل وإمكانات تغييب الحقائق وتشويهها.
صاحب مشروع ديمقراطية الأغلبية السياسية هو المالكي لا غيره. والمالكي ليس بحاجة إلى تعريف. بقينا نحذركم من فقهه السياسي ومن سلوكه وسياساته وأنتم تشبهونه بعبدالكريم قاسم, وهو مع كل شروط المحاصة في أثناء حكمه فإنه لم يترك وسيلة لشق الصف الوطني إلا وإتبعها, فكيف تريدون أن نصدق انه لو إستولى على الحكم لوحده فسيكون أقل شرا وأذى.
النوايا الطيبة الساذجة أن نظن بأن الديمقراطية هي ذاتية الحركة والتعجيل والتوجيه وأن بإمكانها أن تخلق جنة الله على الأرض بدون قيم إجتماعية وأخلاقية ومادية تحرسها.
النوايا الطيبة الساذجة أن نظن أن العراق وطن موحد ولا تتتجذر فيه آفة الطائفية بحيث يجوز أن تعمل فيه الديمقراطية بدون رعاية وحراسة مشددة.
النوايا الطيبة الساذجة أن نعتقد أن العراق هو في قارة أوروبا وليس في منطقة يعيش فيها جيرانه على الطائفية والعمى الديني وإلى جواره دول يهمها بالدرجة الأساس أن لا يكون غير وطن ممزق وجاهل وتابع.
لسنا مع حكومة المحاصة الطائفية لأنها نظام لتوزيع الغنائم, ولسنا مع نظام الأغلبية الطائفية لأنها نظام لإحتكار الغنائم, أما عملية إصلاح النظام الحالي فهي بمثابة مكيجة خنزير بري ثم المراهنة على إمكانية فوزه في مسابقة لملكات الجمال