وداعاً أبو ذكرى

محمد الكحط
2016 / 4 / 22

وداعاً أبو ذكرى


قبل تسعة سنوات أجريت لقاءا مع قامة شامخة مناضلة من قامات العراق الباسقة كنخيل البصرة، عراقي نقي صافي الذهن، متوقد الفكر، أنه الرفيق الفقيد عبد العزيز وطبان ((أبو ذكرى))، أعيد نشر اللقاء ونحن نودعه بألم وحسرة، له المجد كل المجد، له الذكر اعطر دوما ولرفيقة دربة الفقيدة أم ذكرى التي كانت معه في كل محطات نضاله.
محمـد الكحط


مناضلان من الرعيل الأول


على شرف الذكرى الـ 73 لتأسيس حزبهم المجيد
أجرى الحوار محمـد الكحط - ستوكهولم –

أبو ذكرى الذي سيبلغ الثمانين عاماً، ورفيقة دربه أم ذكرى، من الرفاق الأوائل ومن ذلك الجيل الذي قدم دون انتظار مقابل، نعم قدموا الكثير، الغالي والنفيس وها هم يكتفون بتخليد تأريخهم المجيد بعيداً عن الأضواء في هدوئهم المعروف الذي اعتادوا عليه، قليلةُ هي الكلمات التي تستطيع أن تعبر عن عطائهم ومشوارهم الكبير، ومهما كثرت فهي عاجزة عن التعبير عما كابدوه وقدموه من نضالٍ وتضحيات لشعبهم ولوطنهم.

الرفيق الدكتور عبد العزيز وطبان: تقول بطاقته الشخصية وهي غير دقيقة في تحديد يوم الميلاد كحال معظم العراقيين، أنه من مواليد البصرة في الأول من تموز 1927، وفي وثيقة أخرى 1929، حاصل على شهادة الماجستير والدكتوراه بالاقتصاد من جامعة موسكو. أما الرفيقة الدكتورة جليلة ناجي الهاشمي فهي كذلك من مواليد الأول من تموز 1936 وحاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو بالتاريخ، وهي رفيقة الدرب المشترك و في كل الظروف.


إن توثيق ذكريات تعود لذلك الزمان هو شيء أشبه بالتحدي نظرا لكبر المسؤولية ولقدم الأحداث وتشابكها بل وتعقدها أيضاً. وهنا نستذكر شذرات مما تحدث عنه، وما تناولناه كثير وبحاجة إلى جهد لإصداره وتوثيقه، وسيكون ذلك في المستقبل القريب كما نأمل.

يقول أبو ذكرى لم يرشحني أحد للحزب بل أنني اهتديت إلية، حيث كنت طالباً في دار المعلمين الابتدائية في البصرة سنة 1944-1945وكان هنالك أحد الطلاب المنزوين بشكل ملفت للنظر في القسم الداخلي وهو من أهالي أبو الخصيب أسمه ((عبد الله))*، شاهدته يقرأ في أوراق وألححت عليه أن أعرف ما هيّ إلا أنه رفض، وأمام إصراري طلب مني أن أقسم بأن لا أبوح لأحد عنها، وإذا بها جريدة القاعدة، وبعد قراءتها أحسست بصدق كلماتها وقربها من معاناة الناس والفقراء منهم بالذات، فكانت تتناول هموم العمال وبالذات عمال السكك، والبطالة ومواضيع ثقافية والتي كان يكتب فيها الرفيق فهد بأسماءٍ متعددة، فأصبحت مدمنا على قراءتها مقابل 4 فلوس للعدد الواحد، وكنت أعيدها له بعد أن أقرأها، وتأثرت بأفكارها.

بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط النازية تصاعدت موجة الديمقراطية في كل أنحاء العالم وتوفرت ظروف إيجابية للأحزاب السياسية وللحركة النقابية في العراق بتأسيس كياناتها بشكل رسمي، وكان الرفيق فهد يفكر منذ البداية بحزب رديف علني، وقد طرحت الفكرة في جريدة القاعدة سنة 1943 وأعد الرفيق فهد برنامجا لهذا الحزب وسمي حزب الاتحاد الوطني، ولكن ألقي القبض على جميع أعضائه، وظلت الفكرة لحين توفر الظروف الجديدة بعد الحرب، فتم تقديم طلب بأسم حزب الشعب، وكان على رأس الهيئة المؤسسة عزيز شريف، أما جريدة الحزب فكان أسمها "الشعب" والمسؤول عنها هو يحيى قاسم، ولكن يحيى أراد الاستفراد بالجريدة فقدم عزيز شريف طلب ترخيص جريدة جديدة بأسم الوطن، والعمل بشكل مستقل عن الحزب، فبدأ صراع جديد أنتهى بتكليف الرفيق حسين محمد الشبيبي بتأسيس حزب التحرر الوطني وجريدة له، وبعد تقديم الطلب بدأ العمل لحين إصدار الموافقات. كان نشاط الحزب واضحا فانضممت أليه وكان تنظيمه محلي وليس على أساس العراق كله وفترة الترشيح له ستة أسابيع فقط، ولكن عمل هذا الحزب العلني لم يدم طويلاً، فتحول إلى العمل السري، ومن ثم أصدر الحزب قراراً بحله سنة 1948 خصوصاً بعد اضطراب الأوضاع السياسية واعتقال الرفاق في قيادة الحزب وألقاء القبض على الرفيق حسين الشبيبي، وعند حل حزب التحرر الوطني خير أعضاؤه بين الانضمام للحزب الشيوعي أو الاستقالة فأنضم معظم أعضائه للحزب الشيوعي، وكنت واحدا منهم، واعتبرت فترة الانضمام لحزب التحرر الوطني بمثابة فترة الترشيح للحزب، وهكذا كنت عضوا فاعلاً في صفوف الحزب الشيوعي العراقي منذ ذلك اليوم.

ويحدثنا الرفيق أبو ذكرى عن دوره في إصدار البيانات والمواد الحزبية والجريدة من البصرة وعن دور الرفيق ساسون دلال المهم في هذه النشاطات، وتوفر مطبعة لمحلية البصرة ،لأن عيون السلطات كانت مركزة على بغداد وعلى القطار الصاعد من بغداد للألوية الذي يفتش باستمرار، عكس القطار العائد إلى بغداد، ونجحت الفكرة لولا أخطاء وقعت من قبل بعض الرفاق. وهذه القضية لم يتطرق أليها أحد، وحتى كتاب الرفيق عزيز سباهي لم يذكر ذلك في كتابه عن تاريخ الحزب، كما قامت هذه المطبعة بإصدار بعض الكراريس المهمة حول أركان الماركسية وحول الأمميات الثلاث والعديد من بيانات التضامن. كان البريد الحزبي يتواصل بين قيادة الحزب وبقية الرفاق دون تلكوء. وكانت المحاضر تصل ويتم يرد عليها وتجري الترشيحات والتدقيق وغير ذلك بشكل طبيعي، باختصار كان الحزب يدار بفعالية، وهذا حسب اعتقاده هو أحد الأسباب التي جعلت الرفيق فهد لا يفكر بالهرب رغم توفر الإمكانيات ولسهولة ذلك، فلم يكن في سجن الكوت سوى حائط بسيط يفصله عن مدرسة تقع جنبه تكون خالية بعد الساعة السادسة مساءاً، كذلك كان هنالك مخزن للمواد الغذائية كان بالإمكان فتحه والهروب من خلاله. ثم حصلت أحداث كبيرة آنذاك منها الاعتقالات والاعترافات والأخطاء التي وقع فيها الرفاق الذين كانوا يتولون قيادة الحزب خارج السجن مما كشف للسلطات أن الرفيق فهد ورفاقه الآخرين هم من كان يقود ويوجه نشاط الحزب، وكبست المطبعة والأسرار التي كانت بالموقع والذي لم يقم المسؤول عنه آنذاك (عزيز الحاج) بتغيير مكانه وهو أمر طبيعي بعد اعتقال أي شخص له علاقة بالأمر بحجة أن الرفيق فهد طلب عدم تغيير المكان قبل اعتقاله، وهذا ما جعل السلطات تعيد محاكمة الرفاق وتقرر اعدامهم.


في حديثه الشيق ما يستدعي التوقف الجدي فيذكر، أن أحد الرفاق وأسمه ((علي تايه))* صرح أمامه بأنه كان جندياً مكلفاً آنذاك ضمن الطوق العسكري الذي نصبوه حول منصة إعدام الرفيق فهد في منطقة العلاوي -ساحة المتحف- وهو يؤكد أن المنصة كانت بنفس المكان الذي وضع فيه تمثال أسد بابل أمام المتحف لاحقاً، ويتساءل هل هي مصادفة أم شيئاً متعمداً من قبل البعض لتخليد هذا المكان الذي شهد موقفاً بطولياً ومأثرة وطنية سيمجدها شعبنا.

أحاديث كثيرة وصفحات مجيدة ومواقف نضالية مشهودة قدماها ورفاقهم الأوائل في صفوف الحزب الذي قدم التضحيات والقرابين في سبيل قضية الوطن والشعب ولا زال يقدم ويناضل دون كلل، ونحن إذ نستذكر هذه المواقف على عجالة فأنها سفر غني وكنز ثمين من التجارب والخبرات....


للرفيقة الفقيدة أم ذكرى ولرفيق دربها الفقيد أبو ذكرى المجد كل المجد باقات الورد الحمراء، فعطاؤهم ونضالهم هو منار للأجيال القادمة، و ذكراهم باقية عطرة. وان مشعل التحرر الذي أوقدوه لن ينطفئ أبداً.


*الرفيق عبد الله: وهو معلم من أهالي الخصيب، كان يعتبر نفسه هو من كسب الرفيق أبو ذكرى للحزب، وعندما أعتقل أبو ذكرى هرب هو من مدرسته خوفاً من أن يأتي ذكر أسمه في التحقيقات، وعندما تأكد من صلابة الرفاق عاد إلى مزاولة دوامه معتذرا للمدرسة التي كان يعمل فيها معللاً غيابه كونه كان مريضاً.