المنتدى الاجتماعي بين المدني والسياسي

محسن ابو رمضان
2016 / 4 / 21


بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك ما كان يعرف باسم المنظومة الاشتراكية ، وسيادة العالم احادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة ، التي تربعت على عرش المعمورة ، وتفردت بها ، وافلتت ادواتها المرتبطة بمنهجية العولمة باتجاه السيطرة على مقدرات الشعوب ونهب ثرواتها ، بدأت القوى الاجتماعية من نقابات ومنظمات أهلية وحركات اجتماعية ولجان ومبادرات طوعية بالتفكير ببلورة أدوات وآليات لمواجهة هذا التفرد والسيطرة، وقد كان واحداً من تلك الأدوات هو المنتدى الاجتماعي العالمي .
عقد اللقاء الأول للمنتدى في بورتو اليجري بالبرازيل عام 2000 ، والذي ضم مئات الممثلين لقوى المجتمع المدني من معظم بلدان العالم ، بهدف التلاقي وبلورة التصورات والرؤي والخطط المشتركة باتجاه رفض ومقاومة منهج السيطرة والاحتكار والاستحواذ التي تقوده القوى الراسمالية بالعالم على حساب قضايا الشعوب وحقوقها بالحرية والتنمية والمساواة والعدالة .
استند المنتدى الاجتماعي العالمي إلى مرجعيات واضحة اهمها معاداة نهج الليبرالية الحديدة والعولمة وسياسة الاحتكارات ونهب ثروات الشعوب وبالتالي فإن العضوية به تشترط ايمان وموافقة الحركات الاجتماعية المشاركة به على هذه الأسس ، علماً بأن السكرتارية الدولية له كانت قد أكدت ان العضوية محددة بقوى المجتمع المدني وليس بالأحزاب السياسية التي من الممكن إذا ما أيدت مرجعياته ان تشكل تأييد وسنداً دون ان تكون عضواً ومشاركاً بفاعلياته في مكوناته .
يشكل المنتدى فرصة للنقاش العالمي والاقليمي حول سبل مواجهة سياسة العولمة وأدواتها التي ادت إلى تعزيز عمليات الافقار والتهميش ، باتجاه متابعة المستجدات و ابتداع وسائل وادوات جديدة وبفكرة باتجاه مقاومة هذه السياسات والتفكير بمناهج وبدائل تنموية بديلة .
شهدت اجتماعات المنتدى بالسنوات الأخيرة وخاصة في تونس والبرازيل ، حالة من عدم التوافق بين القوى السياسية وخاصة المهنية على مكونات المنظمة من جهة مع منظمات المجتمع المدني من جهة اخرى ، في اطار الفاعليات والأنشطة التي يقوم بها الفلسطينيون بالمنتدى.
فبالوقت الذي بدا معروفاً ان هذا المنتدى يشكل منبراً للمجتمع المدني بكل تكويناته فإننا نشهد بالحالة الفلسطينية محاولات للسيطرة عليه عبر بعض القوى السياسية التي تعتبر جزءً من مكونات السلطة أو المنظمة ، بما لا يستقيم مع معايير المنتدى وفلسفته ومرجعياته الوثائقية .
قامت منظمات المجتمع المدني ذات التوجه الديمقراطي والمؤمنة بفلسفة العدالة الاجتماعية بصياغة وثيقة مرجعية ، حددت بها الرؤية والرسالة والاهداف وشروط العضوية ، مسترشده بالوثيقة الدولية ، ومؤكدة على ان المكون الرئيسي للمنتدى الاجتماعي الفلسطيني يجب ان يستند إلى عناصر ومرجعيات وهيئات المجتمع المدني ، إلى جانب شرط الاستقلالية عن مكونات السلطة ، خاصة إذا ادركنا ان واحدة من مهمات المنتدى تكمن بنقاش السياسات الاقتصادية والاجتماعية للسلطة إذا ما كانت تتوافق او تتعارض مع مضامين العدالة والحماية الاجتماعية وحقوق الفقراء والمهمشين أو بالمقابل تنحاز لسياسة الخصخصة وفلسفة الليبرالية الجديدة .
إن الوثيقة المرجعية للمنتدى الاجتماعي الفلسطيني تحت التاسيس تشكل قاعدة واضحة ، لانطلاق المنتدى ، الأمر الذي يفرض انخراط منظمات المجتمع المدني من نقابات وحركات اجتماعية ومبادرات شبابية ونسوية وطوعية في مكوناته على قاعدة الاستقلالية ، كما يفترض قيام الاحزاب السياسية التي تلتقي بهذه الرؤية العمل على اسناد دور المجتمع المدني ودعمه بدلاً من الاحلال مكانه، علماً بأن هذا الاسناد يجب ان يتم من خلال الاطر الجماهير والتابعة لتلك الاحزاب وليس من المستوى السياسي الذي يجب ان يعمل على تمكين المجتمع المدني ودعمه وتشجيعه ودفع مساره بالعمل إلى الأمام لصالح الحقوق الاجتماعية للفقراء والمهمشين .
صحيح ان المنتدى يشكل فرصة ايضاً لطرح واثارة الموضوعات الوطنية والسياسية في اطار كفاح الشعب الفلسطيني العادل من اجل الحرية وتقرير المصير والعودة ، ولكن الصحيح كذلك يقول بأن منظمات المجتمع المدني ذات الجذور الوطنية والتاريخية العميقة ، والمتجدرة عبر حركات وائتلافات ابداعية جديدة مثل حركة المقاطعة تعتبر خير من يمثل ويعبر عن الحالة الوطنية تمثيلاً حقيقياً على قاعدة النضال المبنى على الحقوق دون اضطرارها لاستخدام مصطلحات دبلوماسية تكون مفروضة احياناً كثيرة على السلطة واحزابها المشاركة بها، لأنها تستند إلى اتفاق اوسلو وتبيعاته والتزاماته وقيوده التي تعتبر منظمات المجتمع المدني متحررة منها ، بوصفها قوى اجتماعية وحقوقية وتنموية وديمقراطية مستقلة عن البنية الإدارية للسلطة .
إن محاولات سيطرة السياسي على المدني ، لن تفيد السياسي ، وستعثر المدني في نفس الوقت ، علماً بأن القوى السياسية ، لديها العديد من المنابر والمنتديات التي تستطيع المشاركة بها ، وذلك بهدف كسب التأييد لحقوق شعبنا بخطاب سياسي مباشر.
لقد بات واضحاً ان الاتحادات الشعبية التابعة للمنظمة قد تقادمت وتكلست ، حيث لم يجر بها انتخابات منذ فترة زمنية طويلة ، فهي بحاجة إلى إعادة بناء وتجديد على قاعدة المشاركة دون اقصاء وقد برز مدى التصاق تلك الاتحادات بالسلطة وليس بالقطاع الاجتماعي المتضرر عند وجود حالة من الاحتكاك الناتج عن مطالب مشروعة، كما حدث مع اضراب المعلمين ، حيث ساند اتحاد المعلمين التابع للمنظمة السلطة بدلاً من تمثيله للمعلمين .
وعليه فإن الموضوعية تفترض السير على قاعدة الوثيقة المرجعية للمنتدى الاجتماعي الفلسطيني تحت التأسيس ومطالبة القوى السياسية باسناده .
إن التكامل بين العمل السياسي والمدني يجب ان يفرض تحديد دوائر تؤكد التكامل ضمن التخصص بما يساهم في تحقيق انجازات وثماراً أفضل بدلاً من المنافسة التي لن تكون مفيدة لأحد .