ما الهدف وراء مناورات النخب السياسية الحاكمة بالعراق؟

كاظم حبيب
2016 / 4 / 20

تساؤلات كثيرة تدور في أذهان الكثير من الناس داخل العراق وخارجه والكثير من الأجانب المحبين لشعب العراق إذ هم يتساءلــون: ما الهـــدف وراء مثل هذه المناورات ولصالح من؟ الجواب عند الكثير من بنات وأبنـاء الشعب، وليـس عنـد الجميع، وهو الأمر الذي يستوجب تغييره.
المناورات الجارية بالعراق داخلية وإقليمية ودولية، إنها مناورات يشارك فيها كل أطراف العملية السياسية المنتهية فصولها، ابتداءً من رئاسة الجمهورية ومروراً برئاسة الوزراء ورئاسة مجلس النواب، ومجلس القضاء الأعلى، رؤساء الأحزاب الإسلامية السياسية، وقادة التحالف الوطني، وقادة المليشيات الطائفية المسلحة، وانتهاءً بقادة وقوى التحالف الكردستاني دون استثناء. المناورات جارية على قدم وساق، تشارك فيها الولايات المتحدة وبريطانيا وإيران وتركيا والسعودية ودول الخليج، رغم التباين في التفاصيل والأهداف التفصيلية، المناورات تهدف إلى إبقاء النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية على حالهما، فالحكام هم المستفيدون من هذه الأوضاع، وبالنسبة لهم "ليس بالإمكان أبدع مما كان!". في حين إن المآسي والكوارث التي تعصف بالبلاد من نصيب الشعب، وخاصة الفقراء والمعوزين والكادحين منه, فالنظام القائم يضمن للمشاركين في الحكم جميعاً استمرار السلطة والفساد بكل أبعاده، حتى في ظل تراجع أسعار النفط، فالذي يتحمل كارثة أسعاره هم العام وليس الخاصة، ليس النخب السياسية الحاكمة، فهم بخير وبحبوحة لا تختلف عن بحبوحة صدام حسين ورهطه في فترة الحصار الاقتصادي الظالم على العراق. فالحكام كلهم دون استثناء يستفيدون من هذا الواقع المرير، في ما عدا الشعب العراقي بغالبية قومياته وفئاته الاجتماعية كالبرجوازية الصغيرة والمتوسطة وفئة المثقفات والمثقفين الديمقراطيين والتقدميين، لا ذوي الثقافة الصفراء الطائفية والشوفينية، الذين يعيشون تحت مظلة الحكم الطائفي الأثني القائم.
هكذا تجمع كل هؤلاء ليشكلوا فريقاً واحداً يلعبون أدواراً مختلفة، رغم صراعاتهم الداخلية لتحقيق أفضل الامتيازات لكل منهم، إنه الصراع على الموقع الأفضل في السلطة والنفوذ والجاه. مع الإصلاح دون التفريط الكلي بالنظام المحاصصي القائم، فهم مصرون على امتصاص الغضب والنقمة والرغبة في الخلاص بأساليب شريرة ومكشوفة، ولكن هذه المناورات لا تمر على الجميع، هدفها تجاوز هذه الفترة، وتجاوز الهبة الشعبية. منهم من ركب الموجة ليلعب على حبال غير متينة سرعان ما تتقطع، وسرعان ما ينكشف وتظهر عورته للجميع، وكما يؤكد المثل فأن "حبل الكذب قصير، كما إن أرجله قصيرة"!! ما يحصل في مجلس النواب عبارة عن مسرحية سرعان ما تنتهي إلى لا شيء، إنها امتصاص للنقمة، إنه لعب على الذقون، وليس كلهم بالضرورة, وهذا هو أحد الأهداف في تضييع التباين بين الراغبين حقاً في التغيير والرافضين له. إنه موقف مأساوي إن استمر الوضع على هذه الحالة لأنه سيتحول إلى مهزلة كبيرة ومأساة أكبر.
رغم العمر السياسي الطويل للكثير من العراقيات والعراقيين، ورغم الخبرة المتراكمة عبر العقود المنصرمة، ورغم المعرفة الجيدة بطبيعة النخب الحاكمة الجديدة ورثاثتها الفكرية والسياسية والاجتماعية، ورغم الحديث القائل "العاقل لا يلدغ من جحر مرتين"، فأن الكثير من العراقيين، ولا أقول العراقيات، من ذوي الذاكرة الضعيفة أو القصيرة، قد لدغوا عشرات المرات، وهم ما زالوا يلدغون من قبل شذاذ الآفاق والجماعات السياسية الرثة فكراً وممارسة.
بكلمة واحدة بدأ الاعتصام وزحف المعوزون والحالمون بالتغيير والمغتصبة إرادتهم لتدينهم، وبكلمة واحدة أيضاً انتهى الاعتصام!، وكأن لم تكن هناك مطالب شعبية حقيقية يراد ملاحقتها وتحقيقها. وحزن كثيرون. ثم بدأ اعتصام جديد وسينتهي، وما من جديد. مثل هذه التقلبات اليومية لا يمكنها أن تقود إلى تغيير الوضع بالعراق. إلا إنه سيمهد لعودة نوري المالكي، أبو "ما ننطيها" و"المعركة مستمرة بين أنصار الحسين ويزيد..!"، إن لم يحزم الناس أمرهم ويمنعوا وقوع البلية، ويأن لم يسعون للتغيير بالطرق السلمية التي يمكن أن تتعاظم قوة وشعبية وسعة يوماً بعد آخر بعد أن يزداد الوجه الملطخ بالعار لطغاة العراق أمام أنظار الشعب!
نحن أمام ظاهرة قديمة متجددة تعبر عن وعي غير متنور، عن وعي ضعيف، لا يعي تماماً الأسباب الكامنة وراء المأساة التي يعيشها يومياً ومنذ عقود، نحن أمام وعي زيف دينياً واجتماعياً وسياسياً، بحيث يبدو الفرد الراكض وراء فرد آخر، وكأنه جزء من قطيع لا يعي ما يعاني منه، ولا يرى ما يراد له ومنه، ولا يدرك حقيقة المستنقع الذي حط فيه المجتمع، ويأتمر بأوامر غيره! وأخيراً قدم محمد تقي المدرسي حلاً " إعجازياُ وتاريخيا ًلمعضلة مجلس النواب الخائب بكل شيء، حتى في "فورته!" المدبرة من أغلبية نيابية فاسدة، أن يذهب إلى المرجعية بالنجف لحل المشكلة!!
الحراك المدني الشعبي يفترض ألا يصاب بالعطل نتيجة تراجع أحد أطرافه، بسبب عجزه عن الصمود ومواجهة الضغوط الكثيرة التي يتعرض لها، لأنه يشكل جزءاً من النخب الحاكمة، ومن المجمع الديني في البيت الشيعي، فالانسحاب السريع من الاعتصام يمكن أن يتسبب في إحباط المتظاهرين. وتتحمل قوى الحراك المدني الشعبي التصدي لهذا الإحباط وتجميع الصفوف ومواصلة النضال السلمي. فالجماهير الواسعة التي شاركت في الاعتصام تقف من حيث المبدأ في المواقع الخاطئة التي يمكن أن يغير مسؤولوها وجهة مسيرتها بسرعة فائقة. وتلك الجماهير هي التي تحتاج إلى وعي وضعها وأسبابه، ومن يمكن له مساعدتها في تجاوزه. ومثل هذه العملية ذات صيرورة وسيرورة طويلة ومعقدة ولكنها ممكنة، وكما قال الصديق والكاتب رضا الظاهر، "نحت في الصخر"، وعلينا مواصلة هذا النقر بدأب ودون كلل..
قوى الحراك المدني الشعبي طلاب حق وعدل وتغيير، وحركة التطور معهم، رغم صعوبة التغيير وتعقيداته وجراحاته وضحاياه رغم سلميته، والقوى الطائفية السياسية ونظامها السياسي ومحاصصاته طلاب تمييز وتهميش وإقصاء، طلاب نهب وسلب وفساد، طلاب اغتناء فاحش والعيش على السحت الحرام، طلاب حسابات في بنوك أجنبية وقصور وعمارات وشركات تجارية على حساب عيش الشعب وحياته وكرامته. وهم ضد حركة التطور الاجتماعي وقوانينه، وضد الإنسان وإرادته وحقوقه ومصالحه. والسباق بينهما كثير الحركة والتعرج، إنها زگزگة طبيعية في حركة التاريخ، ولكنها تنتهي في المحصلة النهائية لصالح الشعوب، وليس عبثاً حين صدَّح بصدق وصواب الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي:
إذا الشعــب يومــا أراد الحيــاة فلا بـــد أن يستجيب القــدر
ولا بد لليل أن ينجــــــــــلي ولا بد للقيـــــــــــــــــد أن ينكســـــر
ولار يمكن لهذا الشعب أن يكسر القيد ما لم يتحرر من الأوهام التي زرعتها الأحزاب الإسلامية السياسية والقومية الشوفينية وشيوخ الدين غير المتنورين وغير الواعين، وشيوخ العشائر غير المدركة للتحولات الجارية في العالم، رغم الفورة العشائرية الراهنة التي لن تصل بنا إلى شاطئ الحرية والديمقراطية والعدل والسلام! يجب ألاّ ينتظر الإنسان من شفاثة عافية، كما يقول المثل الشعبي العراقي القديم.