لمصلحة من إضعاف م.ت.ف. وفصائلها؟

معتصم حمادة
2016 / 4 / 20

أجمعت القوى الوطنية والإسلامية في رام الله، في بيان لها، في 18/4/2016، أن حجب المخصصات المالية المقرة عن الجبهتين الديمقراطية والشعبية لا يخدم المصلحة والعلاقات الوطنية، ويعكر الأجواء ويسممها ويدفع بالأمور نحو التوتر، لذلك دعت رئيس اللجنة التنفيذية للتراجع عن قراره الجائر والمنفرد، وإعادة الأمور إلى نصابها، وعدم تجاوز الحدود، وعدم التلاعب بالقرارات المتخذة من أعلى هيئة في المؤسسة الفلسطينية، أي المجلس الوطني الفلسطيني.
ومما لا شك فيه، فإن قرار حجب المخصصات، من شأنه ليس فقط أن يلحق الأذى بالفصيلين المستهدفين، بل وكذلك بمنظمة التحرير الفلسطينية، كصيغة جبهوية، وكإطار قيادي لعموم الشعب الفلسطيني، وكممثل شرعي ووحيد له، وأن يخرج هذه المنظمة عن سياقها، وأن يزرع الإنشقاقات والتشققات في صفوفها، وأن يضعف موقعها في عيون أبناء الشعب الفلسطيني أولاً، وفي عيون الحالة العربية، والدولية ثانياً، وأن يحولها إلى مؤسسة تتعارك أطرافها فيما بينها، على حساب التفرغ وتحشيد القوى، لمواصلة الصراع ضد الإحتلال والإستيطان، وضد المشروع الصهيوني.
• منظمة التحرير، كممثل للشعب الفلسطيني، يفترض أن تكون إئتلافية، تجمع في مؤسساتها الطيف السياسي المتنوع الناشط في صفوف الشعب الفلسطيني من قوى وطنية وديمقراطية ويسارية. وكنا وسنبقى من الذين يطالبون بعودة باقي الأطراف الوطنية والقومية والإسلامية إلى م.ت.ف، بإعتبارها الإطار الجامع لعموم التيارات السياسية في صفوف الشعب الفلسطيني. ولا تستطيع المنظمة أن تكون ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني إلا إذا كانت إئتلافية، أما إذا تحولت إلى منظمة ذات لون سياسي واحد، فإنها ستفقد بالتالي موقعها التمثيلي، لأنها لن تعكس بعد ذلك ألوان الطيف السياسي الذي يتحرك في صفوف الشعب الفلسطيني. وإن أية محاولة لإضعاف الصيغة الإئتلافية في المنظمة، هي عملياً إضعاف للمنظمة نفسها، وإلحاق الضرر بالمنظمة نفسها. ترى ألا يشكل قرار حجب المال عن جبهتين، تشكلان مكوناً أساسياً ورئيساً في م.ت.ف خطوة لإضعاف إئتلاف المنظمة وبالتالي يضعف المنظمة وموقعها التمثيلي، وموقعها في الحالة الفلسطينية والعربية والدولية.
• منظمة التحرير، كممثل شرعي ووحيد، للشعب الفلسطيني، يجب أن تقوم على أساس من العلاقات الديمقراطية.
ولا يمكن للإئتلاف الصحيح، بمعناه السياسي الحقيقي، وأبعاده التنظيمية، أن يقوم إلا على أسس من الديمقراطية. فالديمقراطية هي السبيل إلى الحوار الوطني للوصول إلى مواقف الإجماع الوطني برنامجياً وتكتيكياً. والديمقراطية هي السبيل إلى معالجة الخلافات والتباينات في وجهات النظر، وإلا فإن البديل هو إما الإقتتال، وإما الإنقسام، وفي الحالتين، هذا ضرر فادح يلحق بالمنظمة وبمصالح الشعب الفلسطيني. ودروس الشعب الفلسطيني في هذا السياق غنية وغنية جداً، فحين غابت الديمقراطية، وتحولت المنظمة إلى غابة بنادق، دون ديمقراطية، إشتعلت الحروب الداخلية، وتولدت الإنقسامات الداخلية وسالت شلالات الدم الفلسطيني على أيدي الفلسطينيين أنفسهم. وبقدر ما تتعزز الديمقراطية في مؤسسات م.ت.ف، بقدر ما تتعزز روح الإئتلاف. والديمقراطية تعني هنا الشراكة الوطنية. الشراكة في صياغة البرنامج. والشراكة في صياغة القرار. والشراكة في صون القرار. وبالتالي إن أية محاولة للإستفراد بالقرار السياسي أو التنظيمي أو المالي، هو إنقلاب على المؤسسة، وإنقلاب على الديمقراطية، وبالتالي إنقلاب على العلاقات الوطنية وعلى مبدأ الإئتلاف الوطني.
هذا كله، لا يصب إلا في مصلحة العدو الإسرائيلي، وأعداء الشعب الفلسطيني.
• قوة م.ت.ف تتمثل في قوة مؤسساتها، وتتمثل في مصداقيتها في عيون أبناء الشعب الفلسطيني؛ كما تتمثل في قوة فصائلها. م.ت.ف. ليست جسماً جامداً، بل هي جسم حي، إنساني، سياسي يتحرك في الميدان. وبقدر ما يشكل حراكه خدمة للقضية الوطنية، بقدر ما يتعزز الموقع التمثيلي للمنظمة. بقدر ما تتماسك مؤسسات م.ت.ف، وتتقدم إلى الشعب الفلسطيني بدورها المبادر، وإلتزامها بقراراتها، وقدرتها على صون وحدة صفوفها، بقدر ما يلتف الشعب الفلسطيني حولها. قرارات حجب المخصصات عن الجبهتين، لا تخدم هذا كله، بل يقدم المنظمة في حالة تفكك. لا تحترم قيادتها قرارات المؤسسة، ولا تقوم العلاقات في صفوفها على قاعدة التماسك، بل على قاعدة التوتر، الأمر الذي يدفع الشارع للبحث عن البدائل، العربية أو غيرها بحثاً عن الخلاص الوطني.
إجراءات محمود عباس مست مبادئ المنظمة بالصميم.
• أظهرت هشاشة التماسك في صفوفها.
• أظهرت غياب مبادئ الديمقراطية في العلاقات الوطنية.
• أظهرت غياب المؤسسة، وأن الفرد هو الذي يدير الدفة السياسية في الحالة الفلسطينية وأنه لا يريد شركاء له في القرار السياسي.
• أظهرت أن عباس يضيق ذرعاً بالمعارضة السياسية التي تقوم على المبادئ الديمقراطية، والتي تتوسل العلاقات داخل المؤسسة، والحراك الشعبي في أساليبه الديمقراطية، وسيلة لحسم الخلافات والتوصل إلى القواسم السياسية وصيغ الإجماع الوطني.
لا يمكن أن نقرأ قرارات محمود عباس، بحجب مخصصات الجبهتين إلا أنها محاولة لإحراج هاتين الجبهتين لإخراجهما. [ألم تتحول قضية الجبهة الشعبية، في إعلام عباس من قضية حجب المخصصات إلى قضية إحراق صور عباس وقضية الشعارات التي تطالب برحيله]. وأنها محاولة لإضعاف هاتين الجبهتين، وبالتالي إضعاف م.ت.ف [الضعيفة أصلاً]، وزرع التوتر في المؤسسات [خاصة اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي] لتعطيلها، والذهاب بعيداً في التفرد بالقرار.
فهل يتراجع عباس عن قراراته، ويكتشف خطورة قراراته، قبل أن تدفع الحالة الوطنية الفلسطينية الثمن الغالي والباهظ جداً لهذه القرارات وتداعياتها الخطيرة؟■-;-