هذا النظام السياسي الفلسطيني المعاق

معتصم حمادة
2016 / 4 / 20

بعد ربع قرن من الإستنقاع في وحول أوسلو، بتنا أمام نظام سياسي فلسطيني معاق، من أخطر أمراضه إفتقاره إلى المناعة الوطنية
■-;- بعد حوالي ربع قرن من الغرق في مستنقع أوسلو وإلتزاماته المشينة، بات النظام السياسي الفلسطيني معاقاً، يعاني سلسلة أمراض مستعصية، لعل أبرزها وأكثرها خطورة أنه بات فاقداً للمناعة الوطنية، بحيث بات عاجزاً عن التحرك في الإتجاه الصحيح، وباتت معظم خطواته تقوده أكثر فأكثر نحو هاوية يتهدد فيها مصير القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، وتكشف يوماً بعد يوم حالة العجز المدقع التي يعانيها، وفشله في مواجهة إجراءات الإحتلال والإستيطان، وإنجراره بزخم مثير للإستغراب نحو إفتعال المعارك الداخلية في الصف الوطني، ما يقود إلى المزيد من الإنقسامات، والمزيد من التشرذم، وتشتيت القوى، وبعثرة الجهود، وتضييع البوصلة، في ظل جوقة من المبخرين لا تتوقف عن الإشادة بهذا النظام، وبسياساته المريضة، معتقدة أنها بذلك تطيل في عمره وتوفر له غطاء بدأ ينحسر من فوقه يوماً بعد يوم.
النظام السياسي الفلسطيني المعاق غارق حتى أذنيه في حالة العجز، والفشل وعدم إمتلاك القدرة على التجديد والتطوير بما يتلاءم وتطور الحالتين الفلسطينية والإقليمية، والإستجابة لمتطلبات العملية الكفاحية، وصون الحقوق الوطنية المشروعة، وتعزيز إرادة الصمود.
• فهو عاجز عن عقد المجلس الوطني الفلسطيني لتجديد هيئات م.ت.ف، ما أرخى بظلاله على الدور المغيب للمنظمة ولجنتها التنفيذية، التي تجتمع ولا تملك سلطة القرار، وإتحاداتها الشعبية، التي فقدت علاقتها بالقاعدة الشعبية، بل وتتخذ قياداتها موقفاً موالياً للقيادة المتنفذة في مواجهة القاعدة الشعبية [مثال إضراب المعلمين وقضية تعديل قانون الضمان الإجتماعي]. وهكذا باتت هياكل م.ت.ف، متكلسة ومغيبة بقوة القرار الفردي. وصار الفرد بديلاً للمؤسسة، وهو ما يخدم سياسة الإستنقاع في العفن السياسي لإتفاقات أوسلو وبروتوكولاته.
• وهو عاجز عن تجديد مؤسسات السلطة الفلسطينية وبناها. فالمجلس التشريعي، تجاوز ولايته القانونية، ومازال منشقاً على نفسه، في مجلسين، واحد في غزة والآخر في الضفة، وكل يغني على ليلاه. ورئيس السلطة هو الآخر تجاوز الفترة الزمنية لولايته، وبات رئيساً بقوة الضرورة، الأمر الذي بإمكانه أن يطرح العديد من علامات الإستفهام والشك، من الزاوية القانونية عما يتخذه من قرارات، ويصدره من مراسيم، ويرسمه من توجهات وتوجيهات للمؤسسة. أما الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، على الأقل منذ الإنقسام الدموي في غزة، باتت بلا غطاء برلماني، تتشكل، وينفرط عقدها بقرار منفرد من رئيس السلطة. ترسم خططها وبرامجها، وترصد ميزانياتها، وتصدر قراراتها ومراسيمها دون رقابة من السلطة التشريعية، ما يطرح العديد من ظلال الشك على قانونية هذه الحكومات وقانونية قراراتها ومراسيمها وإجراءاتها، وشرعية وجودها من الزاوية القانونية.
ورغم هذا كله، تجد من يكيل المديح لهذا النظام، ولمؤسساته، ويؤكد مصراً، أنه الخطوة الإنتقالية نحو قيام الدولة الفلسطينية المستقلة؛ في سياسة نشر التعمية وتزوير الواقع، والتدليس، والعمل على تضليل الرأي العام، معتقداً بسذاجة هذا الرأي العام، وببساطته.
***
هذا النظام المعاق، إنقسم على نفسه، في معارك دموية، ومازالت تداعيات إنقسامه تعكس نفسها ضعفاَ، وتراجعاً وإنغماساً أكثر فأكثر في الفساد، على الضفتين. فحين يقوم النظام على أساس من الولاء، للفرد وليس للمؤسسة، وحين يقوم النظام على أساس من رد الفعل، وليس إستناداً إلى إستراتيجيات إنبثقت على أساس من الإجماع الوطني، وعلى أساس من التوحد، وتكتيل القوى، وحين يقوم النظام على أساس من تغليب المجابهات الداخلية على حساب المجابهات الوطنية، يصبح الفساد السياسي، والإداري والمالي هو العنوان السائد والمسيطر. ويصبح الفساد ظاهرة عامة، وليس إستثناء. ولعل قرارات حجب مخصصات الجبهتين الديمقراطية والشعبية، من نتاج هذا الفساد.
الفساد الذي ينخر في صفوف المؤسسة، حتى أنها تخرج عن الأهداف التي من أجلها أقيمت فيصبح الإنحراف ظاهرة عادية ووضعاً «طبيعياً». الفساد الذي أرهق الحالة الفلسطينية، بحيث باتت السلطة ومؤسساتها عاجزة عن القيام بالحد الأدنى من ردود الفعل على إجراءات الإحتلال، وعاجزة عن تحمل مسؤولياتها الوطنية بما في ذلك تطبيق قرارات المجلس المركزي وقرارات اللجنة التنفيذية. فتلجأ إلى طي هذه القرارات جانباً [من موقع الإستهتار بدور المؤسسة، ومن موقع قرار الفرد بديلاً لقرار المؤسسة] وتبحث عن «بدائل»، تخدم سياستها، وتديم وجودها، وتضمن مصالحها، وإن كانت تتعارض مع السياسات الوطنية كما تصوغها الهيئات المعنية، وإن كانت لا تخدم المصلحة الوطنية. ولعل في محاولة التحايل على قرارات وقف التعاون الأمني، نموذجاً ساطعاً لطبيعة أداء سلطة غارقة في الفساد السياسي والإداري والمالي. ولعل الصمت على الصفقات التجارية مع الجانب الإسرائيلي، في تعارض تام مع قرارات مقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي، دليل إضافي على صحة هذا التقدير. وبالتالي من شأن هذا الفساد السياسي والإداري، أن يعمق الإنقسام، وأن يعمق التشرذم، وأن يعمق التشتت، وأن يضعف روح الوحدة الوطنية لصالح روح الإستئثار، والإستقطاب، والتفرد، والإستفراد بالقرار.
***
في ظل هذا الجو السياسي الموبوء، كما أفرزه النظام المعاق والمكبل بإتفاقات أوسلو، ولدت إنتفاضة الشباب، وكان واضحاً تمام الوضوح، أنها رد فعل وطني على الإحتلال والإستيطان، ورد فعل آخر على حالة العجز التي إتسم بها النظام السياسي، فأهدر الكرامة الوطنية للشعب الفلسطيني، وفتح الباب للتفريط بحقوقه المشروعة، ورسم بالسواد مستقبله السياسي والإجتماعي. وما سياسيات السلطة، في إنتهاك واضح لقرارات المجلس المركزي، في محاصرة هذه الإنتفاضة، وفرض سياسة القمع في مواجهة الحركة الشعبية، في إحتضانها للإنتفاضة، إلا تعبيراً عن إنحياز فاقع ضد الحركة الشعبية وضد تعبيراتها المنظمة. وبالتالي لا فصل في الرؤية بين التصدي للتظاهرات الشعبية ومنعها من الصدام مع الإحتلال والإستيطان، وبين محاصرة المدارس والجامعات وتطويق حراكات الطلبة؛ وبين محاصرة لقمة عيش المعلمين؛ وبين التطاول على حقوق العمال وأصحاب الدخل المحدود في تعديلات قانون الضمان الإجتماعي؛ وبين التحريض ضد الإنتفاضة وملاحقة نشاطها، بل وحتى أصحاب الحسابات على الفيسبوك. لا فصل بين هذه كله، وبين الإستماتة المكشوفة للعودة إلى طاولة المفاوضات، وبين إطلاق التصريحات والدعوات عبر الوفود والفضائيات الإسرائيلية لمد جسور التعاون مع سلطات الإحتلال، و«إحداث إختراق» في العملية السياسية، وتأكيد «حسن النوايا» نحو الإسرائيليين.
إذن لا فصل، في ظل نظام سياسي معاق، بين الفساد السياسي والإداري، وبين الإنحراف في السياسات الإجتماعية، وبين إنتهاك قرارات الإجماع الوطني، وتحويل «الشركاء» في م.ت.ف، إلى خصوم سياسيين، تستبيح سياسات الإنتقام السطو على حقوقهم المالية.
سياسات فاشلة. يدرك ذلك أصحابها جيداً■-;-