جوهر الأسدية ومصيرها

ياسين الحاج صالح
2016 / 4 / 17

الأسدية ظاهرة سلطة، وجوهرها على نحو ما تجلى خلال 46 عاماً من تاريخها هو الاحتفاظ بالحكم إلى الأبد. مرت سورية خلال جيلين من الحكم الأسدي بحربين كبيرتين، تفجرت الأولى بعد نحو عشر سنوات من حكم حافظ وكلفت عشرات ألوف السوريين قتلى، وعشرات الألوف معتقلين ومعذبين، والجميع مهانين؛ وتفجرت الثانية بعد أزيد بقليل من عشر سنوات من حكم بشار و40 عاما من حكم السلالة، وكلفت مئات ألوف السوريين قتلى، ومئات ألوفهم معتقلين ومعذبين، واستباحة متطرفة للبلد، على يد الأسديين وحلفائهم الطائفيين الإقليميين، ومع مشاركين دوليين متنوعين.
ولهذا الجوهر تعبيرات معلومة تدل عليه، منها عبادة الأسدي الحاكم، وتماثيل المؤسس الصلبة المرفوعة فوق الرؤوس، وصوره وصور وريثه التي لا تحصى، والأغاني التي تُمجِّده، و"المسيرات الشعبية العفوية" التي تهتف باسمه وتستنفر لتنظيمها ودفع الناس إليها كل أجهزة الدولة، والهتاف الصباحي لتلاميذ المدارس وجنود الجيش ببقائه حاكما إلى الأبد. كل شيء مصمم كي يكون الرئيس فوق المساءلة وفوق السياسة، فوق الشعب وفوق الدولة، وفوق المرتبة البشرية والزمن أيضا. يحق له التصرف بالكل لأنه أعلى من الكل مرتبة، بل هو موجد الكل ومالكه في حقيقة الأمر.
ولعله يفيد تثبيت نقطة محددة هنا قبل استنئاف هذه المناقشة الوجيزة، وهي أنه حين نتكلم على الحاكم الأسدي في سورية نخرج من نطاق السياسة ومفاهميها الدنيوية، المتصلة بالانتخاب والتفويض والقيادة والمسؤولية، إلى عالم غير دنيوي جوهرياً، عالم العظمة والعبقرية والفرادة والاستثناء، والقداسة، والأبد، وهذا ليس عالم الدين المعلوم، لكنه ليس عالماً علمانياً أيضاً. إنه عالم ديني من صنف خاص.
وتترتب على التأبيد كجوهر الأسدية خصائصها الجوهرية الثلاثة.
أولها التوريث وبناء السلالة. إذ لما كان الموت حادثاً مؤسفاً لا يمكن اجتنابه يقطع سير الأبدية، كان التوريث حلا لمشكلة الموت. بناء السلالة، تالياً، ليس عرضاً تاريخياً أصاب الأسدية، وكان يمكن ألا يصيبها. إنه ينبثق من جوهرها المتمثل بحكم أبدي، لُقِّن وجوبه للسوريين وأُعِدّوا له منذ ما بعد مذبحة حماه الكبرى، وبارتباط مرجح مع إرجاء مؤبد للمحاسبة على الجريمة. ويستجيب بناء السلالة لما يؤسس التأبيد ذاته من تحول العلاقة بين المتصرف الأسدي وسورية من علاقة حكم إلى علاقة مِلك. الأبدية من نصاب علاقات الملك، وليس من نصاب علاقات الحكم، على نحو ما فصلتهما الحداثة التي تأسست سورية ككيان، وكجمهورية، على أرضيتها. ولم تظهر سورية كمملكة أسدية صراحة إلى وقت ظهر علناّ جوهر الأسدية ذاته في وقت التوريث. بالمناسبة، هذه واقعة لا يزال معظم النقاش السياسي في سورية يرفض أخذ العلم بها ويستخلص منها ما يلزم.
الخاصية الجوهرية الثانية هي قانون خاص بتطور الأسدية، يمكن تلخيصه بعبارة البقاء للسيء والصعود للأسوأ. والأصل في هذا القانون الخاص هو أن مشروع التأبيد وامتلاك البلد لا يستقر له الأمر دون النظر إلى المجتمع المحكوم الذي يقاوم محاولات امتلاكه كبيئة معادية ومنبع لمخاطر يجب استباقها وسحقها على الدوام. المستقلون خطرون ويجب منعهم من أن يكون لهم وزن عام، والمعارضون الذين يتعذر ترويضهم يُستأصلون، ويجري بالمقابل ترقية الأتباع والموالين، وهؤلاء يتشكلون حتماً من الأقل كفاءة، ومن يدينون بفرص ترقيهم لولاءهم وتزلفهم. وعبر السنين يصعد هؤلاء إلى مراتب عليا في الحكم بينما يجري تهميش من يجمعون بين الكفاءة والاستقلال، وكان شائعاً أن يهاجروا البلد. وبما أن مشروع الأبدية الأسدية مر بحرب أولى استمرت من جانب المنتصر الأسدي لمدة عشرين عاماً إلى أن جرى التغلّب على واقعة موت المؤسس، وتحقق التوريث، وبما أن الحرب تقتضي زرع الجواسيس في صفوف الأعداء وتشجيع الوشاة وكتبة التقارير، والعمل بدأب على تحطيم مجتمع العدو بكل السبل، فقد اقترن ذلك بالتحول من رعاية وترقية الموالين والانتهازيين إلى رعاية الفاسدين واللصوص والجواسيس والمافيات والمجرمين. وببينما كان توريث بشار بالذات مثالاً على المحاباة لعديم كفاءة من أهل الولاء، كانت الأسرة الأسدية بالذات مثالاً للفاسدين واللصوص والمهربين والقتلة والمغتصبين.
وخلال أربعين عاما تطورت سورية في اتجاه قضى على ما هو حي ومستقل وكريم وكفؤ فيها، لمصلحة ما هو تابع وفاسد وميت ومتدهور. هجرة الأدمغة السورية وثيقة الصلة بهذا الواقع. أي أن الأمر لا يقتصر في البيئة الأسدية على البقاء للأسوأ، بل وتهجير الأكفأ والأفضل. هكا يصنع التخلف، والدمار الوطني مكتوب في هذا القانون التطوري الخاص، المكرس طوال عقود قبل الانتقال إلى الشكل النشط من التدمير بعد تفجر الثورة، ومواجهتها بـ"الحرب الأسدية الثانية".
الخاصية الجوهرية الثالثة للأسدية مترتبة مباشرة على جوهرها، ملكية البلد عبر البقاء في الحكم إلى الأبد: محاربة المستقبل. فالبقاء حاكماً مالكاً إلى الأبد يعني تأبيد الحاضر ومنع التغيّر، أي عملياً إطلاق النار على المستقبل ومنعه من القدوم. غداً هو اليوم، وبعد غد مثله، وبعد عشر سنين مثلهما، وحين يأتي الموت يُلغى مفعوله التغييري عبر التوريث، فيكون ما بعد مثل ما قبل. لا مستقبل إذن.
هذا القانون لا يقل صلابة عن قانون البقاء للأسوأ، والتفجر العنيف لسورية متصل بالارتطام العنيف لطلب المستقبل بأسوار الحاضر المؤبد.
متصل به بالقدر نفسه أن اتجاه التطور الوحيد المتاح هو الماضي. الأسدية كانت طليعية في هذا الشأن، عبر استحضار مفاهيم "البيعة" و"تجديد البيعة" و"الإجماع" و"العطاء" و"المكرمة" من الماضي، أي أنها كانت قائدة النكوص الاجتماعي. وهذه بدورها واقعة لم تدخل النقاش السياسي السوري، بل هناك تزوير واسع في هذا الشأن من قبل عبيد "الدولة" وعُبّادها (وهذا اتجاه فكري غير معدوم الأهمية في سورية، حتى أنه له تيار سياسي خاص، "تيار بناء الدولة"، وله منظرون أبرزهم عزيز العظمة). ويريد دعاة حداثيون أيضاً التكتم على دور الأسدية القيادي في النكوص الاجتماعي والوطني، مُسجّلين بالمقابل وقائع "الردة" و"القدامة" و"الظلامية" باسم "عقل" أو "رأس" مضروب لعموم الناس، ليس مع إغفال مسؤولية مشروع الأبدية في إغلاق أبواب المستقبل، وترك الأبواب الاجتماعية والفكرية والسياسية مفتوحة باتجاه الماضي وحده، بل ومع الصمت المطبق بشأن مظاهر الرجعية المقاتلة التي كانت الأسدية قائدة فيها. لدى الإسلامية مشروعها الماضوي الخاص، لكنها مستفيدة جداً من التأبيد الأسدي بوصفه حرباً على المستقبل، بوصفها حربا على المستقبل لا يتزل للسوريين مستقبلا غير ماضيه. الإسلامية ذاتها متشكلة بهذا المشروع المستمر منذ جيلين. 46 عاما في زمننا ليست مثل 46 عاما قبل مائتي عام أو خمسمائة أو ألف.

مصير الأسدية
بحكم جوهرها ذاته، الأسدية لا تتغير ولا تنصلح ولا تتفاوض. إما تبقى "إلى الأبد"، وستقتل إن بقيت ملايين (بعد أن قتلت عشرات الألوف في جولة أولى، ومئات الألوف في هذه الجولة الثانية)، أو تُستأصل هي من جذورها.
لن يُقدِّم الأسديون اليوم ولا في أي يوم تنازلات سياسية حقيقية، ولن يرتضوا أبداً في أن يكونوا جزءا من سورية جديدة، لا أسدية.
مصير الأسدية مدون في الشعار الذي رفعه الأسديون في وجه الثورة من البداية: الأسد أو لا أحد! الأسد أو نحرق البلد! الأسد أو بلاها هالبلد! قبل ذلك، في أوقات السلم كان شعارهم: الأسد إلى الأبد! الثابت هو الأسد، فإن تهدد الجوهر الأبدي فلا مكان لأحد. الإبادة مدونة في هذا المبدأ. تجربة 46 عاما كافية للقول إن الأسد لا يبقى إلا إذا احتفظ بقدرة ثابتة على القتل والتعذيب والإذلال. الأبد ممتنع دون الإبادة كحق أسدي مصان في مواجهة أية مقاومة. تقول كتابة على جدار في موقع لقوات النظام: الله للعبادة، وبشار للقيادة، والجيش العربي السوري للإبادة! هذا يوفر نظرة نافذة إلى عمق العالم الذهني للقوات الأسدية.
وبقدر ما إن الإبادة تنبع من جوهر الأسدية، فإن هذا يحكم بأن يكون مصير الأسدية بالذات هو الإبادة، إن كان المراد تجنيب سورية هذا المصير. ينبغي أن يقال هذا مرة وكل مرة من أجل الوضوح السياسي والفكري.
هذا إن لم يفت الوقت، وبادت سورية فعلا برعاية نظام الدول العالمي القائم.