بيان سعودي باسم القمة الإسلامية

عبدالخالق حسين
2016 / 4 / 17

المتابع لسياسات المملكة العربية السعودية منذ تولي ملكها الخرِف سلمان بن عبد العزيز، وابنه الطائش الجاهل المتهور الأمير محمد، مقاليد حكم المملكة، وخاصة بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى بقيادة أمريكا، والتقارب بين إيران والغرب، يلاحظ المتابع أن هذه المملكة جن جنونها فراحت تتصرف كالوحش الجريح الهائج، تعمل على تدمير دول المنطقة.

فالعائلة الحاكمة تعرف جيداً أنها خارج الزمن، وضد منطق الأشياء، وضد الحضارة في القرن الحادي والعشرين، وتسير عكس مسار التاريخ. فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تحكمها عائلة واحدة وتسميها باسمها (المملكة السعودية)، وتضطهد المرأة التي تشكل نصف سكانها، وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية باعتراف حليفها، الرئيس الأمريكي أوبما، إضافة إلى اضطهاد شعبها وخاصة الشيعة الذين يشكلون نحو 20%، وتعتبرهم دون مستوى البشر. هذه المملكة تعرف جيداً أن الزمن ليس في صالحها، وليس لديها ما يحافظ على بقائها سوى شراء الذمم بالمال الذي تملكه بوفرة.

لذلك وجدت هذه العائلة حبل النجاة، وتمديد بقائها في السلطة، بإثارة الصراع الطائفي (السني- الشيعي) ضد الشيعة العرب في بلادها وفي البلاد العربية والإسلامية الأخرى، وبالأخص ضد إيران، وتخويف السنة في العالم الإسلامي من البعبع الشيعيي - الإيراني. فراحت تشتري حكومات، ومؤسسات إعلامية، وإسكات الحكومات الغربية عن جرائمها وتدفع لهم بسخاء. فالكل يعلم أن السعودية هي وراء الإرهاب الإسلامي الوهابي التكفيري في العالم، وهي التي أسست القاعدة، وفروعها فيما بعد مثل (داعش وجبهة النصرة وطالبان وغيرها من المنظمات اإرهابية)، فبن لادن هو سعودي، وكذلك 15 من 19 من الإرهابيين الذين قاموا بجريمة 11 سبتمبر 2001 سعوديون، وأغلب الإنتحاريين في العراق وسوريا من السعودية، وهذا لم يكن من باب الصدفة، بل نتيجة عشرات السنين من التأليب ونشر ثقافة التكفير والكراهية، إذ صرفت السعودية نحو مائة مليار دولار خلال الثلاثين عاماً الماضية لنشر التطرف الديني الوهابي التكفيري. كل هذه الحقائق باتت معروفة لدى القاصي والداني، وحتى لدى الإدارة الأمريكية.

كما وأقدمت السعودية على جريمة إعدام رجل الدين الشيعيي السعودي الشيخ نمر النمر من أجل استفزاز الشيعة في العالم، واتخاذ ردود أفعالهم ذريعة لتصعيد حملتها العدوانية ضد إيران والشيعة. فاتخذت من سلوك بعض المتطرفين في إيران الذين قاموا بالاعتداء على السفارة السعودية في طهران ذريعة للتحرك الدبلوماسي ضد الحكومة الإيرانية، رغم أن الأخيرة أدانت الاعتداء وحاسبت المسؤولين عنه.
ولتصعيد حملتها الطائفية، بدأت السعودية بقطع علاقاتها مع إيران، وتحريك مجلس التعاون الخليجي، والجامعة العربية بإصدار بيانات إدانة ضد إيران وضد حزب الله، واتهامهما بالإرهاب والتدخل في شؤون الدول العربية!! وأخيراً لجأت إلى عقد مؤتمر القمة لدول منظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول/تركيا، لهذا الغرض. فالمفترض بهذه المنظمة العمل على وحدة المسلمين بمختلف انتماءاتهم المذهبية والتقارب بين المذاهب، ولكن الذي حصل في هذا المؤتمر هو العكس تماماً، أي الإمعان والتمادي في شق وحدة العالم الإسلامي إلى جبهتين متعاديتين (سنة وشيعة).

إذ كما أوردت الأنباء أن (الصراع السعودي الايراني طغى على قمة اسطنبول الإسلامية.. وانسحاب روحاني [الرئيس الإيراني] بسبب ادانة بلاده وإلصاق تهمة “الإرهاب” بـ”حزب الله” كرس الانقسام الطائفي.. والزعامة السعودية للمعسكر “السني")(1).

فتقرير قناة (CNN) الأمريكية عن البيان الختامي يكشف بوضوح أنه بيان سعودي بإمتياز، كتبته الخارجية السعودية، ولكنه صدر باسم مؤتمر القمة الإسلامية، إذ جاء في التقرير: (اختتم قادة دول منظمة التعاون الإسلامي الدورة الثالثة عشرة لمؤتمر القمة الإسلامي، الجمعة [15/4/2016]، في تركيا، بإصدار بيان من أكثر من 200 بند، بينها إدانة "الأعمال الإرهابية" لحزب الله و"استمرار دعم إيران للإرهاب" والتدخل في شؤون دول المنظمة.)(2).

ونحن هنا لا نريد الدفاع عن إيران ولا عن حزب الله اللبناني، ولكننا فقط نريد أن نذكر بعض الحقائق، ونطرح بعض الأسئلة. فالأدهى والأمر أن جميع الجرائم والتجاوزات التي تقوم بها السعودية ومنظماتها الإرهابية وتدخلاتها الفضة في الدول العربية والإسلامية، تُلقيها على إيران وحزب الله. يعني كما يقول المثل: (رمتني بدائها وانسلت)، إذ جاء في التقرير: (كما أدان المؤتمر تدخلات إيران في الشؤون الداخلية لدول المنطقة ودول أخرى أعضاء، منها البحرين واليمن وسوريا والصومال، و "استمرار دعمها للإرهاب"، وفق ما جاء في البيان، مؤكدا على ضرورة نبذ الأجندة الطائفية والمذهبية لما لها من آثار مدمرة وتداعيات خطيرة على أمن واستقرار الدول الأعضاء وعلى السلم والأمن الدوليين.)

فالذي يقرأ هذه الفقرة من البيان يعتقد أن السعودية هي حمامة السلام، وتحارب الطائفية بمنتهى الإخلاص، وليست هي الدولة الوهابية التكفيرية التي تستمد بقاءها على إثارة الشحن الطائفي، وهي التي أسست ودعمت كل التنظيمات الإرهابية، وتكفر الشيعة وتبيح قتلهم. فالتوصية بـ"ضرورة نبذ الأجندة الطائفية والمذهبية" يجب أن توجه للسعودية وليس لغيرها. فالسعودية في هذه الحالة أشبه بالعاهرة بثياب العفة.
كما ونسأل: هل دعم إيران للعراق وسوريا في محاربتهما للإرهاب الداعشي هو تدخل في البلاد العربية؟ فإذا كان تدخلاً فهو بالتأكيد تدخل إيجابي لأنه بموافقة حكومتيهما، على العكس من التدخل السعودي بدعم وإرسال الإرهابيين إلى هذين البلدين على الضد من إرادة حكومتيهما وشعبيهما. أما تدخل إيران في اليمن فهو مبالغ به حسب تقارير وكلالات الأنباء الغربية ومنها بي بي سي، بأن السعودية أثارت هذه الضجة لتبرير شن حربها على اليمن.
وهل قيام حزب الله اللبناني بمحاربة داعش وجبهة النصرة وغيرهما من التنظيمات الإرهابية في سوريا هو عمل إرهابي، أم يصب في مصلحة الشعب السوري وكل البشرية المهددة بهذا الإرهاب السعودي التكفيري؟
الحقيقة الناصعة التي تنكرها السعودية وحلفاؤها، أن دور حزب الله في محاربة الإرهاب في سوريا هو كدور المليشيات الكردية البطلة في محاربة داعش في كوباني/سوريا، ودعم إيران لسوريا كدعم روسيا لسوريا، فلماذا لم يشمل البيان الختامي إدانة هاتين الجهتين؟ الجواب واضح، وهو لأن الغرض من هذا البيان هو تعميق الانقسام المذهبي الذي هو محور أجندة السعودية للشحن الطائفي ضد إيران والشيعة. فحزب الله حرر لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وهو دور وطني شريف باركته كل الشعوب العربية والإسلامية. كما ويساهم الحزب اليوم في تحرير سوريا من الاحتلال الداعشي المدعوم من تركيا والسعودية، لذلك فحزب الله هو إرهابي في نظر السعودية وإسرائيل فقط.
أما إشارة البيان إلى القضية الفلسطينية في توصياته التي ابرزها (ضرورة عقد مؤتمر دولي للسلام في وقت مبكر لوضع آليات لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية....الخ)، فهي لذر الرمان في العيون، إذ سمعنا المئات من هذه البيانات والقرارات "القممية" التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

خلاصة القول، أن السعودية، وليست إيران، التي تتدخل دائماً بشؤون الدول العربية، فالسعودية هي التي أرسلت قواتها (درع الخليح) لإجهاض انتفاضة الشعب البحريني، والسعودية هي التي شنت الحرب الجنونية المدمرة على الشعب اليمني الفقير، ودمرت كل مؤسساته وركائزه الاقتصادية، وقتلت أكثر من ستة آلاف من المدنيين العزل، وأضعاف هذا العدد من الجرحى حسب تقرير بي بي سي. كما أن السعودية وليست إيران، أسست داعش وجبهة النصرة وغيرهما من التنظيمات الإرهابية. لذلك فمطالبة البيان لإيران بالكف عن دعم الإرهاب، والتدخل في شؤون الدول العربية والإسلامية يجب أن يوجه إلى السعودية وحلفائها تركيا والدول الخليجية الأخرى وليست إلى إيران.

طبعاً هذا الكلام سيثير علينا نقمة عملاء السعودية، وأنصار البعث الداعشي والطائفيين، بأن كاتب هذه السطور هو منحاز إلى إيران وحزب الله، وبدوافع طائفية مقابل ثمن، وغيره من الكلام السخيف. لا يا سادة، الغرض من هذا المقال هو قول الحقيقة، وحماية عقولنا، وعقول الناس من التضليل في زمن الخديعة. إذا كما قال الإمام علي بن أبي طالب: (إذا سكت أهل الحق عن الباطل اعتقد أهل الباطل أنهم على حق). فالساكت عن الحق شيطان أخرس.

وختاماً نقول أن حكام السعودية وحلفائهم بإثارتهم وتأجيجهم للشحن الطائفي، وتجييشهم لأهل السنة ضد الشيعة وإيران لا بد وأن ترتد سهامهم إلى نحورهم، فالنيران التي يشعلونها في العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر لا بد وأن تصل إلى بلدانهم وتحرقهم، كما انقلب السحر على الساحر من قبل على أمريكا، وعلى أردوغان الآن. فحبل الكذب قصير.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــ
روابط ذات صلة
1- القمة الإسلامية تدين "الأعمال الإرهابية" لحزب الله وإيران.. وروحاني يقاطع جلسة البيان الختامي
http://www.akhbaar.org/home/2016/4/210383.html

2- الصراع السعودي الايراني يطغى على قمة اسطنبول الاسلامية.. وانسحاب روحاني بسبب ادانة بلاده والصاق تهمة “الارهاب” بـ”حزب الله” كرس الانقسام الطائفي.. والزعامة السعودية للمعسكر “السني”
http://www.raialyoum.com/?p=423905

3- الخارجية: العراق تحفظ وبشدة على ادانة حزب الله بدعم الارهاب بقمة التعاون الاسلامي
http://www.akhbaar.org/home/2016/4/210390.html
4- عرضت القناة الثالثة في بريطانيا (ITV) برنامجاً خاصاً عن وحشية النظام السعودي
السعودية في العد التنازلي: http://youtu.be/Sfpq0hek7e8