تراتيل سورية : .. عظماء الاستقلال والجلاء والحرية ..

بدر الدين شنن
2016 / 4 / 17

كلما جاءت ذكرى معركة ميسلون الخالدة ، يحضر أمامنا مشهد أول معركة ، خاضها الجيش السوري الفتي ، دفاعاً عن الاستقلال الوطني .. ويحضر قائدها الشهيد البطل " يرسف العظمة " . الذي ضرب المثل الأعلى في الوطنية والشجاعة .
لقد ذهب إلى ميسلون لملاقاة الجيش الفرنسي الزاحف نحو دمشق .. وهو يعرف .. أن موازين القوى العسكرية ، بين القوات السورية والفرنسية غير متكافئ . إذ أن على بضعة آلاف مقاتل سوري بأسلحة قديمة ، أن يواجه عشرين ألفاً من قوات فرنسا العظمى المنتصرة لتوها في الحرب العالمية الأولى ، والمزودة بأحدث الأسلحة ، وخاصة الدبابات والطائرات .

لكنه كان يعرف أنه يحمل إلى جانب البندقية القديمة ، والمدفع المتخلف ، قوة حب ودعم الشعب له ، قوة قيم الحرية والكرامة الوطنية ، التي يؤمن بها ، وأقدم بكامل القناعة والرضى على فدائها بحياته ، يحمل قوة وكبرياء الشرف العسكري ، الذي حمل لواء زعامته باسم الجيش السوري والشعب السوري . فيما عدوه الفرنسي يحمل عار جريمة العدوان على الشعوب ، وفي هذا الميزان .. كان جيش سوريا هو الأقوى .

وكان يعرف أنه وجنوده ذاهبون إلى الشهادة .. ذاهبون لفداء حرية الشعب وشرفه ، وتاريخه ، وعظمته ، وحضاراته .. وليزرعوا بأجسادهم ، التي ستمزقها نيران العدوان الاستعماري ، وبدمائهم التي ستضرج أرض ميسلون ، ليزرعوا قيماً وبطولات ، ستتحول بعدهم .. إلى ثورات شعبية ستحرق الاحتلال .. وتطهر أرض الوطن .

وكان يوسف العظمة وأركانه وجنوده .. أذكياء في تشخيصهم لمعركة ميسلون ونتائجها . وما حصل لاحقاً من ثورات شعبية ، حطمت ببسالة ، وتضحيات بلغت ( 50 ) ألف شهيد خلال ( 26 ) سنة من الاحتلال كان مطابقاً لحدسهم وتشخيصهم .. حطمت قدرات قوات الاحتلال .. وأجبرتها على الجلاء عن أرض الوطن " 17 نيسان 1946 " . وذهبت عنجهية الجنرال " غورو " قائد قوات الاحتلال 1920 ، الذي وقف أمام ضريح " صلاح الدين الأيوبي " بدمشق قائلاً "" لقد عدنا يا صلاح الدين " . وكان يقصد أنه باحتلاله سوريا ، إنما يجدد زمن الغزو الصليبي لسوريا قبل قرون .. ذهبت وصمة عار على جبين قائد عملية الانسحاب الفرنسي من سوريا . الذي لابد أنه قال لقيادته في باريس " لقد عدنا من سوريا " .

إن بطولات وتضحيات الجيش السوري الفتي في معركة ميسلون .. ومن ثم في دفاعه عن حرية واستقلال سوريا ، منذ الاستقلال حتى الآن ، وخاصة في معاركه التي يخوضها الآن ضد عدوان الإرهاب الدولي .. وتلاحم القوى الوطنية معه ، في معارك المصير السوري :
هي رد على عنجهية " نتنياهو " التي رددها منذ أيام ، وقال فيها " لن يعود الجولان إلى سوريا .. وعلى السوريين أن ينسوا الجولان " . تماماً كما قال " الجنرال الفرنسي غورو " أمام ضريح " صلاح الدين الأيوبي . وسيكون مصيره ومصير احتلاله للجولان هو نفس مصير الاحتلال الفرنسي .
وهي رد على الفورة " الإمبراطورية البدوية السعودية " والغرور القطري الفاقع .. للسيطرة على سوريا .. والوطن العربي .. وللانتساب إلى نادي الدول العظمى .
وهي أيضاً رد على جنون العظمة عند أردو غان ، الذي اختار القتل والتدمير ، وتسخير حثا لا ت التخلف الديني والفكري والأخلاقي .. وسيلة لإعادة بناء الإمبراطورية العثمانية المنقرضة منذ قرن .. بدءاً من سوريا .
وهي خير رد على العقول والمخططات الاحتكارية الإمبريالية لاستعباد الشعوب
وهي بشكل خاص رد على أولئك السوريين الذين تغابوا ولجأوا إلى كل الأطراف المعادية لسوريا وللحرية والتقدم ، من أجل إيصالهم إلى السلطة .

إن عيد الجلاء .. كل عام .. هو ليس طقساً يحتفى به ، ثم يرحل إلى العام الذي يليه . إن عيد الجلاء يستحق الاحتفاء به وتكريم شهدائه .. طقساً .. وإجلالاً جاداً .. لمعانيه النبيلة السامية . لكنه في ظروف حرب وطنية ، يستحق الاحتفاء به ، بأسلوب مختلف ، يعطي الشهادة والتضحيات من أجله أبعادها الطاهرة المتجددة .. في معارك اللحظة في سوريا .. ليعززها .. ويكرمها .. بقيم الشهادة والتضحيات .. التي تجري الآن ضد عدوان الإرهاب الدولي .

إن إكرام .. عظماء الحرية والاستقلال والجلاء .. مرتبط بدعم وإكرام عظماء القتال الذي يخوضه الجيش السوري الآن ضد الغزاة ، ومرتبط بتراص ووحدة القوى الوطنية ، التي عليها تجاوز مرحلة الصراع والتنافس حول تقاسم البلاد .. أو تقاسم السلطة . وأن تتحول إلى طاقة شعبية هادرة بدعم القوى المقاتلة ضد لإرهاب .. للرد على " نتنياهو " ، وآل سعود ، وآل ثاني ، وآل أردو غان .. الرد الذي تلقاه في النهاية " غورو " وأمثاله الذين استهانوا بسوريا .. وجربوا .. وغامروا.. بغزوها .. وهربوا .

وحسب منطق التاريخ .. إن العالم سينسى ذات يوم ، أنه كان في الشرق الأدنى كيان إسرائيلي مصطنع .. وسيؤول آل سعود وآل ثاني إلى مرابع القبائل العاثرة في نجد والحجاز .. وسيذهب أردوغان إلى حيث أجداده العثمانيين المنقرضين .. والجماعات الإرهابية الدولية ، ستهرب من سوريا إلى حيث يوجهها أولي أمرها لتقتل وتقتل .. والاحتكارات الإمبريالية ستفككها صراعاتها وأزماتها ..

إن سوريا البطلة الشامخة .. ستطرد الغزاة .. وسيكون لعيد الجلاء والاستقلال والحرية .. قافلة جديدة من الشهداء .. والعظماء . وسيكون للوطن طبقة سياسية عقلانية جديدة من أبنائها .