أفكار للمناقشة: مفهوم الأصولية والإصوليات الإسلامية

كاظم حبيب
2016 / 4 / 15

كاظم حبيب
أفكار للمناقشة: مفهوم الأصولية والأصوليات الإسلامية

الأصولية مصطلح استخدم حديثا للتعبير عن مضامين حركات دينية - سياسية يتطلع أتباعها إلى العودة إلى أصول ومبادئ الدين أو المذهب الذي ينتمون إليه. ومثل هذه العودة إلى تلك الجذور الفكرية والمبادئ الأساسية، التي تبدو مستحيلة حقا بسبب المسافة الزمنية التي تفصل بين ظهور تلك الأديان والمبادئ والأسس والقواعد التي سطرت في تلك الأزمان، وبين الزمن الذي تعيشه الحركات الدينية السياسية الحديثة من جهة، والتغيرات الكبيرة التي طرأت على المكان والناس والأحوال خلال هذه الحقب الزمنية من جهة أخرى. ومثل هذه الحركات تبدو عموما سلفية، ولكنها انتقائية بالنسبة للسلف، إذ تحاول أن تختار السلف الصالح على وفق رؤيتها لذلك السلف، ولكنها عاجزة عن رؤية المتغيرات الحاصلة التي ما كان في مقدور السلف ألا يأخذها بنظر الاعتبار، خاصة وأن الدلائل تدل على أن السلف الصالح، رغم قربه الزمني والمكاني من الأصول، قد أخذ بتلك المتغيرات ولم يبق جامدا عليها. وبهذا المعنى فأن الأصولية تعتبر من الحركات التي تريد أن تبقى خارج الزمان والمكان، خارج المجتمع في واقعه المعاش وطموحاته، رغم إنها تختار المبادئ والأصول القديمة، لاعتقادها بأنها الخلاص من الواقع المزري الذي تعيش فيه والمستقبل المظلم الذي تعتقد إنها تساق إليه إن استمرت الأوضاع على حالتها الراهنة المتفاقمة. كما أن الأصولية محاولة للتعبير عن "الأصالة والتفرد!" و"الأنا" المتضخمة إزاء "الآخر" المرفوض أو العدو المُتصَور. وقد عبر الكاتب عزيز العظمة بهذا الصدد عن العلاقة المتعددة الجوانب بشكل مناسب حين كتب يقول: "تندر الدراسات التحليلية المعمّقة للأسس الأرخيولوجية للفكر العربي الحديث والثوابت العميقة التي تحكم أشكاله الظاهرة وعلاقة المفاهيم القائمة فيها. ولكننا لو اعتبرنا هذه الأسس لوجدنا أولاُ أن تصور قضية التاريخ فيها يقوم على فهم نرجسي لذات مستمرة، ذات كانت قوية وضعفت - ليس لأسباب بنيوية أو تاريخية فعلية، بل لطوارئ كالغفلة والفرقة والركون إلى الراحة والدعة - وستستعيد قوتها وتستأنف في داخل ذاتها. نجد ثانيا أن هذا الفهم للذات لا ينفصم عن فهم لآخر هو نقيض وعدو، ولو كانت فيه بعض عناصر المنعة مما نحن قادرين على الاستفادة منه، عناصر تتمثل منذ فكر العثمانيين الشباب والأفغاني حتى اليوم بالحداثة والتكنولوجية. نجد هذا الفصل بين ذات متجانسة مستمرة متعالية على التاريخ ومتغلبة على ضعفها الحاضر باستئناف بدئها أو باستعادة أصالتها، منذ بداية الفكر النهضوي مع الأفغاني الذي ركزها في إطار الجامعة الإسلامية أو الشرقية، ثم في الأدوار القومية العربية والأصولية الإسلامية للنهضوية، وفي المزيج الغريب بين هذين الدورين الأخيرين الذي نراه اليوم لدى عدد من المثقفين العرب، …"1. ولكن هذا لم يقتصر على المثقفين كما كان عليه الوضع في الفترات السابقة، بل اتسع ليشمل الكثير من الجماعات التي توجهت صوب استخدام العنف والقوة والإرهاب فرض رؤيتها لمجتمعات هذا الزمان برؤية الماضي الذي لن يعود.
إن هذا يعني بأن الماضي الذي يجري الحديث عنه حاليا موجود في الماضي لا غير، ولكن تصوره لدى الأصولي موجود في الحاضر، في ذهنه وفي رغباته وفي إحباطاته التي يريد الخلاص منها باستنجاده بالماضي الذي لا ينجده وغير قادر على ذلك أيضا. إنه الإحساس المحبط بالقيم التي يفتقدها الحاضر كما يعتقد به الأصولي من الناس، وهي بالتالي لصيقة بـ"الأنا" الماضي والحاضر في مواجهة "الآخر" في الحاضر. وتكون المواجهة غير فعالة وغير مثمرة للأصولي الهارب من الواقع نحو الماضي الذي لا يعود، وتهيمن عليه نرجسية مستمدة من انتصارات الماضي البعيد التي ما تزال تعيش في مخيلته حاضرا.
والأصولية التي تستند إلى دين سماوي، على سبيل المثال لا الحصر، تنطلق من كون الكتاب الذي تؤمن به يمتلك الحق المطلق والصدق التام ويجسد الحقيقة الكاملة، وبالتالي فليس هناك من مجال للتغيير أو التبديل في تلك الأصول والأسس والجذور، بل المهم في تطبيقها كما وردت نصا ودون تحريف أو تحوير. إنها بهذا المعنى رؤية نقلية وليست عقلية، رؤية نصية جامدة وليست رؤية عقلية حركية واعية للمتغيرات وحركة الزمن. ورغم أن الأصولية تسير في هذا الاتجاه عموما، فأنها تختلف في ما بينها في مدى تشددها أو اعتدالها في تلك الرؤية للجذور أو الأصول، في مدى استيعابها للماضي ووعيها للحاضر، وفي مدى قدرتها على الربط الجدلي بين الماضي والحاضر.
ومصطلح الأصولية "الحديث" استخدم من قبل أتباع الديانة المسيحية قبل أن يطلق على بعض القوى السياسية الدينية في المجتمعات الإسلامية. فالمعلومات الموثقة تشير إلى أن الحركة الأصولية قد برزت أولا في الولايات المتحدة الأمريكية وارتبطت بشكل ملموس بالقوى البروتستانتية التي كانت تطالب بالعودة إلى "عناصر العقيدة التقليدية، أي النص كوحي وسلطة، وألوهية المسيح ومعجزة إنجاب مريم العذراء وغيرها من "الثوابت" كما يراها الأصوليون في المسيحية حتى اليوم"2، أي العودة إلى النص الوارد في الكتاب المقدس. وقد تبلورت هذه الحركة في سلسلة كتيبات ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الواقعة بين 1910-1915م تحت عنوان يعبر عن وجهة تلك الحركة: الأصول The Fundamentals. وقد ارتبطت هذه الحركة بالأزمة الاقتصادية والفكرية والثقافية التي كانت تعاني منها الولايات المتحدة حينذاك، إضافة إلى الأزمة الدينية في المجتمع3، وكذلك الخشية التي كانت تنتاب الكنيسة البروتستانتية وأتباعها من المستقبل المجهول. لقد كانت الحركة الأصولية في الولايات المتحدة الأمريكية حينذاك حركة رجعية سلفية تخشى الحرية وتحرر الإنسان وتطور الرأسمالية، وكانت موجهة ضد الدارونية واتجاهاتها العلمية في تفسير علاقة الإنسان بالطبيعة ومراحل تطور الإنسان. واقترنت الأصولية في الخمسينيات بحركة سياسية مكارثية مناهضة للفكر الاشتراكي والشيوعي واليسار عموما حيث شنت حملة واسعة ضد المثقفين التقدميين واليساريين. وكان من بين ضحاياها البارزين الممثل الأمريكي والعالمي المعروف شارلي شابلن والكاتب والمسرحي الألماني الشهير برتولد بريخت، على سبيل المثال لا الحصر. وتمتد الحركة الأصولية الدينية في الوقت الحاضر إلى أوساط الحزب الجمهوري على نحو خاص وتتخذ مظاهر مختلفة بما فيها الموقف من المرأة ومن موضوع الإسقاط عند النساء الحوامل، حيث تمتزج دعاوى الدفاع عن الأخلاقية المسيحية بالأفكار السياسية الرجعية والمناهضة للفئات الكادحة والتي تدافع في الوقت نفسه عن مصالح الاحتكارات الرأسمالية الدولية العملاقة.
والاتجاهات الأصولية برزت أيضا منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والتي مزجت بين الأصولية اليهودية والقومية وظهرت في الحركة الصهيونية العالمية، التي حصلت من بريطانيا على وعد بلفور في عام 1917، إذ بموجبه وافقت بريطانيا على منح اليهود وطنا قوميا وإقامة دولة يهودية على الأرض الفلسطينية، دون أن ترتدي حينذاك هذه التسمية الحديثة. وقد نفذت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية هذا الوعد بقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في عام 1947. وتحاول الدولة اليهودية، رغم طابعها الديني الواضح، أن تحقق نوعا من الدمج بين السياسة الدينية والسياسة العلمانية في آن. ومن هنا كانت وما تزال تبرز صعوبة غير قليلة لدى بعض الكتاب في محاولة تصنيف موقعها بين الدول. فهي ما تزال متشبثة بإقامة إسرائيل الكبرى، التي تدلل عن ذهنية أصولية سلفية متخلفة وأطماع توسعية، ولكن الواقع العملي يفرض عليها الكف عن الحديث عن، أو الدعاية لهذا الشعار من خلال عملية السلام الغائبة عملياً مع الشعب الفلسطيني ومع الدول العربية المجاورة لإسرائيل، ولكنها من جانب آخر متشبثة بما ورد في التوراة أو العهد القديم عن إسرائيل الكبرى. والحركة الأصولية اليهودية تبرز اليوم في إسرائيل في حزب جوش امونيم، الذي تشكل في عام 1974، أي في أعقاب حرب اكتوبر/تشرين الأول عام 1973. ويدمج هذا الحزب في برنامجه وسياساته العملية ومواقفه بين الموقف الديني الأصولي اليهودي المتعصب وبين الموقف القومي الشوفيني أو الصهيوني العنصري. ويتبنى هذا الحزب الراديكالية الفكرية والسياسية ويمارس التطرف السياسي في الواقع العملي. والأصولية اليهودية المتطرفة لا توجد في إسرائيل فحسب، بل في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وكذلك في المناطق التي توجد فيها جاليات يهودية في بلدان الاتحاد الأوروبي. وهي لا تختلف في الجوهر في أصوليتها عن بقية الأصوليات الدينية. حيث تنعكس في طريقة تعاملهم مع الدولة الإسرائيلية والجماعات والأحزاب الإسرائيلية ونهجها الذي لم يتغير حول إسرائيل الكبرى. ولكن لا يمكن القول بأن اليهود جميعا أصوليون أو أنهم سقطوا تحت تأثير وفعل الأصوليين.
ولكن ما هو مفهوم ومضامين الأصولية أو الأصوليات الإسلامية؟
لا يختلف مفهوم الأصولية الإسلامية أو الأصوليات الإسلامية عن الأصوليات الدينية الأخرى. فإذا كان الأصوليون المسيحيون يدعون إلى التمسك الحرفي أو النصي بالكتاب المقدس، فأن الأصوليين الإسلاميين يدعون إلى التمسك المطلق بالقرآن والسنة المحمدية بغض النظر عن المسافة الزمنية والمتغيرات الأخرى بينهما. ويجد القارئ في الفقرة التالية محاولة للإجابة عن السؤال الوارد في أعلاه.
يبدو للمتتبع بأن القسم الأعظم من أجهزة ووسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية تتحدث عن الإسلام والمسلمين بطريقة الشمولية، وتنظر إليهم باعتبارهم جميعا من الأصوليين. وترى في الأصولية مفهوما بثلاثة أبعاد هي: السلفية، ورفض الحداثة، ثم التطرف، الذي يعني بدوره التعصب والعنف والإرهاب. وإذا ابتعدنا عن التعميم، فأن هذا التقدير يتطابق مع طبيعة القوى الأصولية بالعالم العربي والدول ذات الأكثرية المسلمة، ومنها بلدان الشرق الأوسط، عدا إسرائيل حيث الأكثرية يهودية. كما إن بعض الأطراف في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تحاول ربط هذا المفهوم بالإسلام وحده، وكأن مثل هذه الظاهرة لم تكن موجودة أو غير موجودة في الديانات الأخرى كالمسيحية واليهودية أو حتى في الفلسفات والديانات الإبراهيمية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام)، وكذلك في العقائد والإيديولوجيات المختلفة وفي السياسات والمواقف السياسية لمختلف القوى والأحزاب. كما أنها في الممارسة العملية تصور المسلمين بطريقة تثير لدى القارئ الأمريكي أو الأوروبي وكأن الأصولية، التي تساوي عندهم التعصب والعنف والإرهاب، تشكل جزءا من أخلاقيات المسلم وسلوكه العام، وأن لا فرق بين مسلم وآخر في هذا الصدد، أي أنهم جميعا بالمحصلة النهائية أصوليون بالمعنى الضيق الذي حدده ذلك البحث واستنتاجات الباحثين. ويخرج مصطلح الأصولية أحيانا غير قليلة عن مساره الواقعي حين يراد تعميمه على كل القوى الإسلامية دون غيرها، ودون بذل الجهد للتمييز بين مختلف القوى الأصولية التي يمكن أصلا إطلاق صفة الأصولية عليها. كما أن هناك أحزاباً يمينية ومتطرفة أخرى بإسرائيل منها مثلاً: حزب شاس حراس الثورة الشرقيون Shas، منفدال Manfdal، يسرائيل بعاليه Yisrael Ba" aliyah، إسرائيل بيتنو (إسرائيل بيتنا) yisrael Beitenu.
في دراسة أُنجزت لحساب مؤسسة جون وكاثرين مكارثي، تحت عنوان "المشروع الأصولي" دامت خمس سنوات وبحثت في الأصولية الإسلامية والمسيحية واليهودية والبوذية في مناطق مختلفة من العالم، بما فيها مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا، توصلت إلى رأي مفاده أن "الأصولية ترى ضرورة تشكيل العالم استنادا إلى مقولات ثلاث: العنف والإرهاب والثورة"4، وهي النظرة السائدة عن الأصولية بمجموعها في الوقت الحاضر في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. ويبذل بعض المستشرقين الأوروبيين بعض الجهد للتمييز بين الأصوليين المتشددين والأصوليين المعتدلين في محاولة منهم لتخفيف الكراهية أو العداء الآخذ بالتفاقم بين أوساط الشعوب الأوروبية إزاء الإسلام والمسلمين. إذ أن مثل هذه الحالة تجعل من الصعب العيش الآمن والمستقر للمسلمين في أوروبا، كما تزيد من احتمال الاحتكاك والصراع بين الجاليات الأجنبية المسلمة والسكان الأصليين من المسيحيين.
من يتابع الحركات الدينية والمذهبية والفكرية والسياسية في العالم يعرف بأن مصطلح الأصولية بمضامينه الراهنة حديث الاستعمال في اللغة العربية، رغم إن كلمة الأصول، ومنها أصول الدين أو أصول الفقه الإسلامي، موجودة أصلا في التراث اللغوي العربي الإسلامي. ولكن المضمون الجوهري للأصولية في الوقت الحاضر لا يختلف كثيرا عن استخدام مصطلحات عربية أخرى تعبر عن ظاهرة مماثلة تقريبا في الفكر والسياسية في البلاد العربية وفي الإسلام، ونعني بها الاتجاهات النقلية واختلافها عن الاتجاهات العقلية والتي برزت بشكل واضح منذ تولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة في الشام. وإذ كانت مدرسة الحجاز وسوريا نقليتين، فأن مدرستي البصرة والكوفة كانتا عقليتان حينذاك. والأصولية وأن اختلفت بعض الشيء عن السلفية والحركة السلفية في الإسلام، لكنها تتضمن جزءا جوهريا من مضمونها وأهدافها أيضا. والاستخدام الراهن لمصطلح الأصولية ناشئ عن وجود قوى وجماعات ذات اتجاهات فكرية وسياسية تطرح نفسها في الساحة الفكرية والسياسية العربية على إنها تسعى لاستعادة الأصول والالتزام الثابت والقاطع بالقران والسنة، وبالتالي تكون ترجمة هذا المصطلح عن الإنجليزية The Fundamentals مناسب لها إلى حدود بعيدة.
ومع إن هذا المصطلح يستخدم للتعبير عن اتجاهات فكرية وسياسية دينية ومذهبية، سواء كانت مسلمة أم مسيحية أم يهودية، فأن استخداماته يمكن أن تتسع لتشمل ديانات وفلسفات وعقائد مختلفة، بما فيها الاتجاهات الفلسفية والأخلاقية البوذية، ثم العقائد الدينية "غير السماوية" كالهندوسية أو التاوية في الصين أو حتى القواعد الأخلاقية الكونفشيوسية، وكذلك الاتجاهات العلمانية بما فيها بعض الاتجاهات الإيديولوجية أو الفكرية والسياسية العلمانية، سواء أكانت في إطار الفكر الرأسمالي، بما فيه الفكر القومي، أم الفكر الشيوعي والاشتراكي. فالمصطلح بقدر ما هو محدد بوجهة عامة في الحركة، بقدر ما هو عام ومتنوع في شموله لاتجاهات كثيرة أيضاً، ولكنه لا يخرج عن إطار الحنين للماضي والالتصاق به والعجز عن الخروج عنه وعن رؤية المتغير والجديد.
والأصولية في الإسلام ليست واحدة، رغم إن منطلقها واحد. فالأصولية السنية غير الأصولية الشيعية، رغم أن اتجاها ملموسا يلاحظ على اتجاهات الأصولية السنية لدى الجماعات الجديدة المسلحة والإرهابية، في أنها في جملة من الأمور تميل في بعض جوانب سلوكها وفي دور الأمير فيها إلى الأصولية الشيعية التي تعتمد على ولاية الفقيه. فإذا كانت الأصولية السنية تعتمد على القرآن والسنة فقط، فأن الأصولية الشيعية تعتمد على القرآن والسنة والمأثور من أقوال علي بن أبي طالب، إضافة إلى بقية الأئمة الاثني عشر، الذين يعتبرون معصومين عن الخطأ كما في حالة النبي محمد. فالإمام عند الشيعة لا يقف على مستوى واحد مع النبي محمد، أو الأنبياء عموما، من حيث المكانة ولكنه، كما في حالة النبي، أو الأنبياء، معصوم عن الخطأ، وبالتالي، فأن أفعاله وأقواله أو فتاويه تعتبر بحكم المبادئ والقواعد واجبة الإتباع من بقية المسلمين. وهذه النظرة إلى الإمام تنتقل بشكل أوتوماتيكي، رغم اختلاف وجهات النظر بهذا الشأن، إلى المرشد العام أو إلى ولاية الفقيه تقريبا، عندما تصبح الفتاوى التي ينطق بها لا تقبل الخطأ وواجبة التنفيذ ولا يمكن العودة عنها، إلا منه شخصيا، رغم أن الإمام الفقيه لا يعتبر من المعصومين عن الخطأ، ولكنه يعامل كذلك من جانب الشيعة الإمامية عمليا الذين يأخذون بقاعدة ولاية الفقيه.، إذ ليس كل الشيعة يأخذون بهذه الولاية، كما في حالة أغلب أهل العراق الشيعة. وفي الأصولية عموما اتجاهان فكريان أساسيان، اتجاه فكري متشدد وأخر معتدل. والاتجاه المتشدد هو الذي يلتزم كل أساليب الكفاح، بما فيها العنف والإرهاب ويمارسهما فعلا، كما في حالة الجزائر أو مصر والعراق وسوريا وليبيا.. الخ، أو في حالة جماعات أخرى متطرفة في المجتمعات العربية والإسلامية. وفي الظروف الراهنة فأنها ترى بأن العنف والإرهاب هما السبيل الوحيد لتحقيق الأهداف التي تلتزم بها. ومن القوى البارزة في هذا المجال نشير إلى قوى القاعدة وداعش وجبهة النصرة وأنصار الإسلام السنة وبوكو حرام...الخ. وهي التي تنطلق بالأساس من المذهب الحنبلي، ولكنها تزيد عليه تشدداً وعنفاً وتكفيراً للآخرين، كما في المدرسة الوهابية والذي يعتمد بدوره على مدرسة ابن تيمية الفكرية والسياسية.
ويفترض أن نتبين اختلافا أخر في إطار المجموعات الأصولية، ونعني به وجود جماعة في إطار الأصولية المعتدلة تميل إلى العقلنة في التعامل مع التراث والأصول الدينية، فهم عندما يأخذون بالقرآن والسنة لا يحاولون ممارستهما بصورة حرفية مطلقة، بل يبذل بعضهم جهدا ملموسا لقراءتهما في ضوء الحاضر الراهن بعد أن مر عليها ما يزيد على أربعة عشر قرنا، أي أنهم يفسحون في المجال مكانا للاجتهاد في تفسير القرآن والسنة، وكأنهم يدركون بعمق مناسب حديث النبي محمد حين قال " أنتم أعلم بشؤون دنياكم". والبعض لا يسمي هذه المجموعة بالأصولية، بل يرى فيها مجموعة عقلانية علمانية، خاصة وأنها تسعى في الواقع العملي إلى فصل الممارسة السياسية عن التأويل الديني، وهو رأي صائب5.
والحركة الأصولية الحديثة في الإسلام تعود إلى مجموعة من أئمة الإسلام برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, أي الفترة أطلق عليها "فترة النهضة الإسلامية". فإلى جانب جمال الدين الأفغاني، برز في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الشيخ محمد عبده (1849-19905) وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم، الذين شخصوا التدهور الفكري والسياسي والحضاري الجاري في المجتمعات الإسلامية، وطالبوا بالعمل من أجل تخليص العالم الإسلامي من تلك الأمراض، من الجمود السائد والعودة بالمسلمين إلى الأصول السليمة والجذور الطاهرة والسلف الصالح، كما اقترنت دعوات محمد عبدة والكواكبي بمزيج تتشابك فيه أفكار الدعوة الإسلامية بأفكار الدعوة القومية الحديثة والمناهضة للهيمنة الاستعمارية الإنجليزية على مصر. ولم يكتب لتلك الحركة النجاح، إذ إنها، وأن كانت قد شخصت الواقع القائم، فأنها عجزت بحكم أصوليتها عن تعبئة الناس حولها أو التصدي للتغيرات التي كانت تجري في مصر حينذاك. وظهرت حركة أصولية جديدة مقاربة لها تبلورت في نشاط تلميذ محمد عبدة، رضا رشيد، على نحو خاص، ولكنها لم تستطع تحقيق شيء يذكر، رغم إنها كانت جزءا من عملية نهضوية أصولية ومحاولة لتنظيم المجتمع على الأسس القديمة مع الأخذ بالتقنيات الحديثة. ويشير المفكر العربي عزيز العظمة إلى هذه الاتجاهات النهضوية فيقول: "… ونحن نرى في جميع هذه الأدوار والأحوال جملة من المفاهيم المحورية التي شغلت الكتابة السياسية والأيديولوجية العربية في فترة تزيد على القرن: أصول زاهرة، انحطاط طارئ لا تتعدى حقيقته الظرف الآني ومظاهره إلى مكامن الأصول الزاهرة الباهية القائمة في قرار الذات، ونهضة تمسك بمفاعل هذه الأصول وتعيدها إلى مكانها الطبيعي- أي الحقيقي أنطولوجيا، ميتافيزيائيا-على واجهة الوجود التاريخي. ما الأصالة في الخطاب السائد إلا المستمر المستعاد. وما هي إلا المستقبل الذي سبق وأن كان. فما الإصلاح بحسب دعوة "العروة الوثقى" إلا الرجوع إلى الأصول ونبذ البدع، كما أن كل إحياء عربي، بحسب قول مفكر عربي معاصر، رجوع إلى التراث وتحرّي لمعنى الأصالة"6. لقد أصاب عزيز بهذا التحليل كبد الحقيقة في سلوك وممارسات الأصوليين.
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية برزت بشكل واضح جماعة الإخوان المسلمين واتسع نشاطها الديني السياسي تحت قيادة حسن البنا وسيد قطب. وقد اختلفا فيما بعد في بعض وجهات نظرهما وافترقا بسبب ذلك7. وكانت دعوات الإخوان المسلمين لا تختلف كثيرا عن دعوات الأصوليين المتشددين حاليا، خاصة تلك التعاليم السرية التي كانت توجه إلى أعضاء الجهاز الخاص بالإخوان المسلمين في النصف الثاني من العقد الخامس والنصف الأول من العقد السادس لتثقيفهم بها وتأمين طاعتهم وممارستهم لها. وكان الجهاز يقوم بتدريب الأعضاء على استخدام السلاح. لقد تبنت جماعة الإخوان المسلمين نهجا دينيا سياسيا متطرفا، نهجا يضع العنف والإرهاب وسيلة أساسية في الكفاح من أجل تحقيق دولة الدين والدنيا، انتزاع السلطة من أيدي الفاسقين الذين يسيطرون على دفة الحكم. إنهم كانوا وما زالوا يعملون على اساس "الإسلام هو الحل!" و"الحاكمية لله!"، وكلاهما بعيد عن الواقع.
عند مطالعة كتابات من بحث في الأصولية الإسلامية نجد وجود تقارب عام في الكشف عن المضمون الأساسي والوجهة العامة لفكرة الأصولية أساسا. فالمفكر والكاتب المصري محمود أمين العالم يقول عن مفهوم الأصولية الإسلامية ما يلي: "المقصود بالأصولية التمسك الحرفي بهذه الأصول (ويقصد القرآن والسنة. ك.ح.) في نصوصها والسعي إلى تطبيقها على الواقع الراهن بشكل شامل دون مراعاة للمستجدات والضرورات في هذا الواقع، وبخاصة إذا أصبح هذا هو الرؤية المستقرة الشاملة والنهج المتبع الدائم في كل ما يتعلق بأمورنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولهذا فالأصولية نسق في الرؤية والمنهج في كل ما يُتَّخذ من آراء ومواقف سعيا إلى إخضاع الحاضر وتطويعه لمرجعية نصيّة بحسب القراءة الخاصة التي يغلب عليها طابع الحرفية والإطلاقية. أو بتعبير آخر، إنها السعي إلى فرض النصوص الدينية المقدسة أو ما ينتسب إليها على كل شئون الحياة والمجتمع، وتفسير كل شيء، والحكم على كل ظاهرة بمقتضاها، بحيث تصبح هذه النصوص هي المعيار الأساسي والوحيد للسلوك والحكم والتقييم دون مراعاة لما يُسْتجدّ من أوضاع وأحوال"8. أما روجيه جارودي، الفيلسوف الفرنسي المعروف، فيشير إلى الأصولية على إنها "الجمودية ورفض التكيف وعدم التسامح، والانغلاق، والتحجر المذهبي، تصلَّب وعناد، المحافظة، الانتساب إلى التراث، العودة إلى الماضي، جمود معارض لكل نمو أو تطور"9.
ومع صواب التحديد العام للأصولية، فأن هناك، كما أشير سابقا، أصوليات عديدة حتى في الجانب الديني الإسلامي، إذ أنهم يختلفون في ما بينهم بشأن العديد من القضايا وكذلك بالوسائل والأدوات التي يمارسونها للوصول إلى الأهداف المنشودة. والأصولية لا تمس المواطن الاعتيادي بقدر ما تمس الحركات الفكرية الدينية السياسية على نحو خاص. فما هي الاتجاهات الأساسية في الأصولية الإسلامية؟
حسب المعلومات المتوفرة على أرض الواقع فأن الأصوليين يختلفون في ما بينهم ويتباينون في تفسير الكثير من الأمور بما فيها "الحاكمية لله" والعلاقة بين الدين والدولة وموضوع السلطة السياسية. وهذا يعني بأن التحليل الموضوعي للقوى الأصولية يفترض فيها أن تميز بين الأصوليين المتشددين وبين الأصوليين المعتدلين الذين يرفضون تولي رجل الدين السلطة، كما يفترض التمييز بين الأصوليين المتشددين الذين يرفضون رغم تشددهم ممارسة العنف والإرهاب، وبين الأصوليين المتطرفين الذين يبدون استعدادا كبيرا لممارسة العنف والإرهاب بأقصى صوره من أجل الوصول إلى السلطة، والذي تعيشه اليوم شعوب الكثير من الدول ذات الأكثرية المسلمة. فهم ينطلقون، كما حدد ذلك حسن البنا، إلى إقامة نظام إسلامي شامل وكامل، إذ أن الإسلام، كما يقول البنا: "نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً: فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة"10. وفي رسالة للمؤتمر الخامس يشرح فيها الطريق للوصول إلى إقامة مثل هذا النظام الإسلامي الشامل فيقول: "الإخوان المسلمون يعلمون أن أول مراتب القوة هي قوة العقيدة والإيمان، ثم يليها قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح"11. ثم يستكمل هذا الرأي بقوله في مكان آخر:" أقول للمتسائلين أن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والرحمة"12. ويمكن أن نلاحظ تطبيقات هذا الرأي وتفسيره في سلوك وممارسات الإخوان المسلمين بمصر منذ تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية ومن ثم الإطاحة به في انتفاضة الشعب المصري في 3 تموز/يوليو 2013 وبواسطة القوات المسلحة التي فرضت الآن حكما عسكرياً بلباس مدني ودستوري مهلهل.
فالمسلم الأصولي هو الذي يلتزم بأصول الدين وأركانه الخمسة ويسعى إلى عبادة الله ويجد في كتاب الله والحديث النبوي قضايا لا تقبل الخطأ ويعتبرها صحيحة بشكل مطلق، دائما وأبدا، وهي صالحة لكل الأوقات. ولكن إلى جانب هؤلاء يجد الإنسان أصوليون يلتزمون بأصول الدين وأركانه ولكنهم يؤمنون أيضا بضرورة إبعاد الدين عن الدولة، إنهم علمانيون في نظرتهم إلى ضرورة الفصل بين الدين والسياسة، أو الدين والدولة. ومثل هذا الاتجاه مرفوض لدى الإسلاميين الأصوليين السياسيين المتشددين عموما، سواء أكانوا من المتطرفين أم من غير المتطرفين، ويتهمون العلمانيين من المسلمين الذين يؤكدون على هذا الفصل بالارتداد عن الإسلام. السؤال الذي يفترض الإجابة عنه الآن هو: ما هي الأهداف التي يسعى إليها الأصوليون المتطرفون في الوقت الحاضر؟
تؤكد البيانات الرسمية للأحزاب والجماعات الأصولية السياسية الإسلامية المتطرفة، سواء أكانت هذه القوى تعمل بالعراق، أم سوريا، أم ليبيا، أم الجزائر، أم في المغرب، أم تونس أم مصر أم في غيرها من البلدان، التي أكثرية سكانها من المسلمين، إلى إنها، وهي خارج السلطة، تعمل من أجل إقامة دولة الإسلام، وهي لهذا الغرض مستعدة للقتال في سبيل تحقيق هذا الهدف، كما تفعل اليوم. ومن أجل تحقيق هذا الهدف تطرح مجموعة من الشعارات باعتبارها ضمن أدوات التعبئة وممارسة الضغط والكفاح. فهي تطرح بجلاء الشعارات التالية13:
• الحاكمية لله: وهذا يعني بوضوح لا يقبل الشك أو الالتباس بأن هذه الجماعات ترى في النظم القائمة في الدول ذات الأكثرية المسلمة، ومنها دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا، نظما غير شرعية لأنها تحكم من قبل البشر وعلى أساس قوانين وضعية وليست من أحكام القرآن والسنة، إنها قوى وسلطة وقوانين دنيوية أو وضعية، وهي لهذا السبب ليست دولاً إسلامية تعتمد حاكمية الله. وهذا يعني ضرورة تقويض هذه النظم بكل السبل المتاحة بما فيها القوة والعنف من أجل إقامة تلك الحاكمية الإلهية في الدول الإسلامية، الدول التي يحكمها ولي الله في الأرض أو وكيله والذي يفترض أن ينتخب عن طريق الشورى، إنه أمير المؤمنين أو خليفة الله على المسلمين. وهذا ما يمارسونه اليوم، وما حصل بالنسبة لإعلان أبو بكر البغدادي نفسه خليفة للمسلمين في دولة العراق والشام! ويمارس أبشع صور الإرهاب والقمع والقتل والسبي والاغتصاب للنساء وبيعهن في سوق النخاسة لأنهن لسن مسلمات.
• تطبيق الشريعة الإسلامية: وهذا يعني إنها ضد الدساتير والقوانين والنظم المدنية القائمة باعتبارها من صنع البشر أولاً ومخالفة للشريعة ثانيا، أو أنها ليست قائمة على أساس القرآن والسنة، حتى إذا تضمنت ما يشار إلى إنها وضعت بالتناغم مع الشريعة الإسلامية. وهي بذلك تطالب أيضا بتغيير المحاكم واعتماد العقوبات الواردة في القرآن، بما فيها قطع الرؤوس والرجم بالحجارة وقطع الأكف وما إلى ذلك. وتعتقد بأن عدم تطبيق الشريعة في هذا الصدد، إضافة إلى وجود النظم غير الإسلامية، هي من بين الأسباب التي قادت وما تزال تقود إلى تنامي الجريمة والفساد والفسق في المجتمع. وباختصار فأن النظم القائمة في الأقطار ذات الأكثرية السكانية المسلمة ليست سوى نظم جاهلية. فالنظم الجاهلية، حسب تقدير هذه الجماعات، وجدت في مرحلة ما قبل الإسلام، ثم وجدت ما بعد الإسلام حتى الوقت الحاضر. وبالتالي، لا بد من الكفاح ضد الجاهلية كما كافحها محمد بن عبد الله وصحبه حينذاك. والقضاء على هذه النظم القائمة هو خلاص للمسلمين من شرِّها وشرورها،
• الإسلام هو الحل: هذا هو الشعار الذي تحمله الجماعات الإسلامية المتطرفة، كما تحمله الجماعات الأصولية غير المتطرفة ايضا، باعتباره الشعار البديل للنظم القائمة، أيا كانت طبيعتها ووجهتها. فبالنسبة لهذه القوى سقطت كل النظم التي شهدتها دول المجتمعات الإسلامية وفشلت في تقديم الحلول العملية للمشكلات القائمة، وبالتالي فلا بد من العودة إلى الإسلام باعتباره النظام الوحيد القادر على تقديم الحلول للمشكلات القائمة في هذه المجتمعات. وهي تهاجم الدول الرأسمالية الغربية التي تمتهن كرامة شعوب هذه البلدان وتستغلها وتسّير سياساتها، كما إنها كانت وما تزال تنتقد وتهاجم الفكر الاشتراكي والشيوعي وتعتبرهما مذاهب وأفكار إلحادية يفترض محاربتها وتصفية مروجيها والداعين إليها. ولكن هذه الجماعات لا تقدم للمجتمع برنامجها العملي الإصلاحي الذي تريده لتغيير الواقع. فالإسلام هو الحل ليس إلا شعارا، ولكنه ليس برنامجا عمليا لتغيير الواقع القائم، وهم لا يملكون غير هذا الشعار باعتبار الشريعة هي البرنامج وهي الحل، في حين أنهم لا يمارسون أي تجديد للشريعة ومنذ عقود أو قرون؛
• إن البيانات والنشرات التي تصدرها هذه الجماعات تؤكد بما لا يقبل الشك بأنها ترفض الديمقراطية جملة وتفصلا ولا تعترف بلائحة حقوق الإنسان، باعتبارها نتاج الثقافة والمجتمع الغربيين وبعيدة كل البعد عن مبادئ الإسلام، فالإسلام له قرآنه وسنته، وبالتالي شريعته، وليس بحاجة إلى لوائح من هذا النوع. كما أنها ترفض ومن هذا المنطلق أيضا، مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة وتريد احتكار السلطة بها لا غير، فهي لا تعترف حتى لبقية المسلمين بحقها في المنافسة على السلطة أو أن يكون لها الحق في إبداء الرأي، فرأي الجماعة الأصولية المتطرفة ذاتها هو الحق والصواب والعدل. والأساليب التي تمارسها وتتعامل بها في سبيل الوصول إلى السلطة في المرحلة الراهنة، ليست محصورة في نضالها ضد النظم الحاكمة فحسب، بل وتمارسها ضد الجماهير الشعبية المسلمة أيضا، وهي بذلك تعبر، في الوقت نفسه، عن أساليبها في الحكم عندما تقفز إلى السلطة وتحتكرها لنفسها، وهي بهذا المعنى ستمارس أساليب وأدوات الاستبداد والقمع للرأي الآخر. إن الإشكالية الكبيرة في هذه الجماعات تكمن في الصورة التي رسمتها لنفسها وللهدف الذي تسعى إليه، فصورة "الأنا" هنا تختلف كلية عن صورة "الآخر" الذي تريد التخلص منه. ولكن صورة الآخر واسعة سعة الشعب كله في هذا البلد أو ذاك، فصورة "الأنا لا تشمل إلا الجماعة ذاتها، إلا الحلقة الضيقة التي أخذت على عاتقها القيام بالكفاح في سبيل إقامة النظام الإسلامي الأصولي، باعتباره الحل الأوحد. إن صورة "الأنا" هنا ذات طبيعة نرجسية تماما تقترن هنا، ووفق الأساليب التي تمارسها، بسادية قاتلة وهجومية شرسة وخطيرة، خاصة وأنها تقترن بمفهوم الشهادة والجنة. وصورة "الأنا" الأصولية المتطرفة للمسلم تنتج معها في الوقت نفسه تعصبا وتمييزا لها عن "الآخر" ورفضا له، وهو المسيحي واليهودي والإيزيدي والصابئي والزرادشتي وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى ، وهي بالتالي تمارس العنصرية والتمييز الديني الطائفي بأبشع معانيها وأكثرها إجرامية.
• تعتبر هذه القوى الدينية المتطرفة أن الحداثة اختراق للإسلام والمسلمين وخطر يتهددهم مباشرة، وعلى المسلمين التصدي لمفهوم ومضامين الحداثة. " فالحداثة ما طرأ دون أن ينبع من داخلنا الزماني وذاتيتنا في بعدها الماضي - أي في المكامن الأنطولوجية لنا. والحداثة ما عكّر تجانس الذات وجلب البلبلة والاختلاط ونقض الوحدة الأصلية التي تشكل طينة الأصالة. والحداثة في هذا المنظار هي الانفصال والتقاطع والمغايرة بصورة عامة، ذلك أنه يندر أن يقوم تعريف وحدّ فعليا لمفهوم الحداثة يستصلح تاريخية مفهومها وواقعها، بل جل ما نراه في استخدام لها يقوم على اعتبارها علامة على المغايرة والوفادة والانشطار الداخلي"14. وهذه النظرة إلى الحداثة هي التي تشد المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة إلى الرؤية التقليدية البالية التي تعيق حركة الدولة نحو الأمام والمستقبل وتحبط مسعى المجتمع للتغيير والتقدم. ويقدم الكاتب الإيراني داريوش شايغان رؤية واقعية حين يقول: "كل عودة إلى الماضي وهم، لأن الحداثة، أي البيئة العقلية اللازمة، تحدد الشروط، بصورة إجمالية، لخلفية وجودنا الأولي، والمناخ المحيط الذي نعيش فيه، والحيّز الذي يظللنا وفيه ننمو، والبنى الابستمولوجية التي تمنح الأشكال لقوالبنا المعرفية"15.
وإذا كانت هذه هي أهداف القوى الأصولية المتطرفة، فما هي الوسائل والسبل التي تمارسها لتحقيق هذه الغاية؟
لم تخف القوى الأصولية المتطرفة استعدادها الكامل لاستخدام العنف والإرهاب والتصفيات الجسدية لكل من يقف في طريق تحقيق هذه الأهداف. وهي ترى بأن من واجب المسلم المشاركة في هذا الجهاد لإقامة حاكمية الله. ومن لا يشارك في هذا الجهاد، يساهم عمليا في تثبيت هذا النظام أو ذاك المرفوض منهم، وبالتالي فهو يستحق عقابها. في فترة سابقة اعتبر حسن البنا أن المسلم من يرفض استمرار هذا الواقع ومن يسعى إلى تغييره. فقد كتب يقول: "أستطيع أن أجهر بصراحة بأن المسلم لا يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا بعيد النظر في شؤون أمته مهتماً بها غيورا عليها"16. وكان حسن البنا قد طرح تساؤلا قبل ذاك في مقال آخر له كما يلي: "أتحسب أن المسلم الذي يرضى بحياتنا اليوم ويتفرغ للعبادة ويترك الدنيا والسياسة للعجزة الآثمين … يسمى مسلماً؟" ثم يجيب بقوله: "كلا إنه ليس بمسلم. فحقيقة الإسلام جهاد وعمل ودين ودولة"17.
تمارس جماعات الإسلام السياسي المتطرفة الأساليب التالية لتحقيق المهمة الرئيسية التي تسعى إليها، مهمة إقامة النظام الإسلامي:
• تنظيم حملات دعاية فكرية ودينية وسياسية ضد نظم الحكم التي تعارضها وتسعى للإطاحة بها، بغض النظر عن طبيعة وسياسات تلك النظم؛
• شن حملات فكرية نشيطة ضد كل القوى السياسية التي لا تقف إلى جانبها، أو لا تؤمن بالطريقة التي تعمل بها في سبيل الوصول إلى السلطة؛
• عدم التورع عن اتهام من يخالفها ويعارضها بالكفر والإلحاد ووضع الحد عليهم، أي حق كل مسلم في سفك دمهم والتشجيع على قتلهم18؛
• وعندما تجد هذه الجماعات في نفسها القوة والقدرة، فلا تتورع عن تنظم قوى عسكرية لتقوم بعمليات عسكرية ضد قوات السلطة وضد كل الذين يختلفون معها، ولا تتورع عن ممارسة القتل الفردي والجمعي، وهي تمارس التفجيراتن والتفجيرات الانتحارية، وتفجير العربات المفخخة، وإشعال الحرائق، وزرع الألغام، وشن الهجمات العسكرية على المدن والقرى. وإذ أنها تتهم جميع الناس الذين لا يقاومون النظام، بأنهم بهذا الشكل أو ذاك، يساندون النظام الذي تقاومه هذه الجماعات، وبالتالي، فأن هؤلاء الناس يضعون أنفسهم إلى جانب النظام ولا بد من التخلص منهم بكل السبل الممكنة، بما فيها القتل؛
• وعلى هذا الطريق لا تتورع عن تدمير المصانع أو إشعال الحرائق في بيوت الناس ومزارعهم وفي المدارس ورياض الأطفال أو سفارات الدول الأجنبية أو الكنائس ودور العبادة الأخرى. وتزيد من نشاطها في المناسبات الدينية، ومنها شهر رمضان، شهر الصيام والعبادة، الذي له حرمته الخاصة عند جميع المسلمين. وتشير الوقائع إلى إنها لا تتورع عن ممارسة التمثيل في جثث قتلاها الذي حرمه الإسلام تحريما قاطعاً؛
• وبما إن هذه القوى تكفر أتباع الديانات الأخرى، فإنها قامت عملياً، بعد اجتياح الجماعات الإسلامية الإرهابية المتطرفة (داعش) لمدينة الموصل وبلدات وقرى أخرى بمحافظة نينوى بوضع المسلحين أمام ثلاثة خيارات: إما التحول عن دينهم والدخول بالإسلام، وإما دفع الجزية والخراج بتهجير المسيحيين بالجملة، وإما الهجرة من المنطقة كلها، أو القتل. كما اتبعت سياسة القتل والتهجير والأسر والاغتصاب لجمهرة كبيرة من نساء أتباع الديانة الإيزيدية وسبي الأطفال، كما تم بيع النساء بسوق النخاسة. وحصل مع الشبك والتركمان الشيعة ما ي قارب ذلك وكلها تدخل ضمن ما تطلق عليه الهيئات الدولية بالإبادة الجماعية. وه ما حصل فعلا بالعراق، إضافة على تدمير الكنائس ودورة عبادة المسلمين والتراث الحضاري الآشوري بالعراق.
• إنها وعبر هذه الأساليب والأعمال الشريرة، التي وافقت عليها جمهرة من شيوخ الدين في المملكة العربية السعودية وشيوخ دين آخرين في بلدان أخرى يؤمنون بالفكر الوهابي المتشدد، أشاعت وتشيع جوا من الإرهاب والرعب في المجتمع، كما تشيع الفوضى وعدم الاطمئنان والقلق من المستقبل، وتؤثر سلبا على عملية التنمية والسياحة، خاصة وأنها لا تتورع عن قتل السياح الأجانب ومهاجمة الحافلات التي تنقلهم واغتيال رجال الدين من أتباع الديانات الأخرى، إنها وباختصار إعلان الحرب على الدولة والمجتمع، إلا أن المتضرر الأساسي يبقى الشعب أو المجتمع بأسره؛
• وعندما تكون هذه القوى خارج السلطة تطالب باستمرار بإطلاق حريتها في العمل السياسي والإعلامي على أوسع نطاق ممكن، وهي في ذلك على حق، ما دام عملها يبتعد عن أساليب العنف والإرهاب، ولكنها لا تريد أن يمارس الآخرون تلك الحقوق، وهي ما تزال خارج السلطة، من خلال توجيه نيرانها ضد القوى الأخرى التي ترى فيها منافسا خطيرا لها بسبب حملها لآراء أخرى، وهي بذلك تبشر بسلوكها وممارساتها السياسية، عند وصولها إلى السلطة، أي أنها ستمنع جميع القوى السياسية، باستثناء نفسها، من التنظيم والعمل السياسي. وهذا الواقع يجده الإنسان بالسعودية وإيران والسودان والعراق على سبيل المثال لا الحصر. ولا بد من الإشارة على أن السعودية دولة أصولية متطرفة لم تتورع عن ممارسة العنف إزاء الآخر الذي يعارض مذهبها وسياستها أو نظام الحكم فيها، بل مستعدة لأبادته جسديا، وهذا ما حصل فعلا في مناسبات غير قليلة، إضافة إلى إسنادها الإرهاب في بلدان أخرى للقضاء على القوى السياسية والاتجاهات الفكرية الأخرى. وهي من ساهم في تشكيل القاعدة، ومن دعم قوى داعش الإرهابية وجبهة النُصرة بسوريا وقوى القاعدة ومن ثم داعش بالعراق وليبيا...الخ.
ولكن تبقى الإجابة عن السؤال التالي ضرورية: ما هي العوامل الكامنة وراء هذا التحرك الواسع حالياً للحركات الإسلامية الأصولية المتطرفة؟
لا يمكن إحالة بروز ونشاط هذه الجماعات الأصولية المتطرفة إلى عامل واحد بذاته، سواء كان داخليا أم خارجيا، بل إنها تعود إلى حزمة من العوامل المتشابكة في الفعل والتأثير والنتائج أحيانا غير قليلة، إنها مجموعة العوامل الفكرية أو الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية، وهي في الوقت نفسه عوامل دولية وداخلية وإقليمية. والفعل المتبادل في ما بينها لا يؤثر على بلد واحد بل يمس بفعله وتأثيره البلدان المجاورة وأحيانا جميع البلدان ذات الأكثرية المسلمة. وهي عوامل لا تنفصل عن الفترات السابقة، عن تاريخ هذه البلدان وتراثها في ظل الدولة العثمانية وفي ظل الاحتلال الفرنسي والبريطاني والإيطالي والإسباني للدول العربية، أي إلى فترة الهيمنة الاستعمارية المباشرة، كما إنها تعود إلى فترة ما بعد الاستقلال وقيام نظم حكم سياسية مختلفة وبواجهات متنوعة، ولكنها لم تكن في الغالب الأعم وفي كل الأحوال قد تخلصت من النفوذ والتأثير الاستعماري عليها وعلى سياساتها المختلفة، رغم أن بعضها بدا وكأنه كان يتعامل مع معسكر مناهض للاستعمار والرأسمالية الدولية، وأنه يقف على نقيض الرأسمالية، في حين كان الواقع يشير إلى غير ذلك.
إن المعايشة الواقعية لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمنح الإنسان إدراكا واقعيا بوجود إشكاليات كبيرة ترتبط بالحضارة والفكر، وبالبنية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المجتمعات وبوعي الفرد وحريته. فهذه البلدان ما تزال تعيش، إلى حدود غير قليلة، في الماضي، رغم وجودها في الحاضر، وهي متخلفة وتابعة اقتصادياً وسياسياً، رغم الادعاء بإحرازها الاستقلال والسيادة الوطنية. وما تزال العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والعلاقات العشائرية المقترنة بها قائمة في تلك البلدان، حيث نشأت بجوارها وتطورت تدريجا العلاقات الإنتاجية الرأسمالية التي ما تزال ضعيفة التطور وبطيئة النمو وتابعة في آن واحد. فجميع هذه الأقطار ما تزال تشكل جزءاً من المحيطات المتخلفة والضعيفة التطور التي تدور حول المراكز الصناعية والعلمية المتقدمة. وهي بهذا ما تزال تضع قدما منها في ماضٍ لا يعود، وأخرى في بقايا العلاقات شبه الإقطاعية والرأسمالية المشوهة أو التابعة التي ما تزال تحبو وتتطلع إليها. وينجم عن هذا الواقع تعرض شعوبها للهيمنة غير المباشرة والاستغلال عبر المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية المكشوفة عليها في عالم العولمة الجارية الذي لا يعرف الرحمة والعدالة، وحيث تفرض تلك المؤسسات الدولية المالية والنقدية والتجارية سياساتها الاقتصادية عليها، وما ينشأ عن ذلك من بطالة وفقر وفجوة متسعة في مستويات الدخول السنوية للطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة. ويتسبب مثل هذا الواقع في تقليص التراكمات الوطنية والقدرة على تحقيق أو تسريع عملية التنمية، وبالتالي أضعاف سرعة نمو العلاقات الرأسمالية التي ترتبط بدورها بالمجتمع المدني الرأسمالي مثلا، والذي ترتبط به أيضا إمكانيات معينة لعمليات التنوير الديني التي تحققت في أوروبا. ويقترن بهذا الواقع بروز التناقضات والصراعات الاجتماعية التي تدفع الناس إلى خيارات فكرية وسياسية عديدة. وفي الوقت الذي تعرضت الجماعات والأحزاب السياسية اليسارية عموما إلى المحاربة والتفتيت، تمتعت الجماعات الدينية وعلى مدى عقود باحتضان ودعم ومساعدة لتشارك في صراعها ضد اتجاهات الفكر اليساري والقوى اليسارية وسائر القوى الديمقراطية والتقدمية. ولم يكن الدعم الذي حصلت عليه من الداخل فحسب، بل ومن الدول ذات الأكثرية المسلمة الأخرى ومنها الدول النفطية، إضافة إلى الدعم الخارجي الأجنبي الواسع النطاق والمتنوع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واستراليا وكندا، على سبيل المثال لا الحصر. وجاء حصولها على هذا الدعم بسبب وجود الاتحاد السوفييتي وبقية البلدان الاشتراكية والحرب الباردة التي كانت تسود العالم، وانقسام الدول العربية إلى مجموعتين في إطار ذلك، ووجود أحزاب شيوعية ويسارية قوية نسبيا في البعض من هذه البلدان، إذ كانت تلك الدول تريد استخدام بعض القوى الإسلامية السياسية لصالحها، وقد تحقق هذا فعلا في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وفي ضوء ذلك فأن الحركات الإسلامية الأصولية، سواء المتطرفة منها أو المعتدلة، توفرت لها إمكانيات أفضل في العقود المنصرمة لتنظيم صفوفها وتعزيز إمكانياتها المادية والمالية والاستفادة من أخطاء وشرور النظم القائمة ومن محاولات تلك النظم ارتداء لبوس الإسلام أيضا، من أجل تأمين مواقع مهمة لها في الأوساط الشعبية الأكثر فقرا، أو في الأوساط التي تعرضت مصالحها إلى الخطر، مثل الفئات المتوسطة وبعض الأوساط المتعلمة والمثقفة التي لم تجد مكانا مناسبا لها في تلك النظم السياسية. وتدلل الكثير من المعلومات إلى أن هذه الحركات، رغم المصاعب التي واجهت العمال والغالبية العظمى من المثقفين من الناحيتين السياسية والاقتصادية أو المعاشية، لم تجد مكانا رحبا لها في تلك الأوساط عموما.
إن فشل عملية التنمية أو عدم تحقيقها نجاحات ملموسة في دول المغرب العربي أو مشرقه لا يعود للرأسمالية أو الاشتراكية كنظم اقتصادية واجتماعية وسياسية التي يشير إليها بعض الكتاب العرب، ومنهم الدكتور برهان غليون19، بل ترتبط بواقع إنها لم تكن يوما على الطريق الاشتراكي، كما إنها لم تلج الطريق الرأسمالي بعقلانية أو بدون تدخل خارجي منعها عمليا من السير في طريق الرأسمالية. وهي التي تواجه اليوم مصاعب جمة على طريق الرأسمالية بسبب السياسات التي تمارس من جانبها ومن جانب المؤسسات المالية الدولية بهذا الصدد، فليست الرأسمالية هي التي فشلت في تحقيق التنمية في هذه البلدان، كما إنها ليست الاشتراكية، بل كانت أولا وقبل كل شيء بسبب النماذج التي اختارتها وتلك السياسات التي مارستها حكومات تلك البلدان وتبعيتها الاقتصادية ونهجها السياسي اللاديمقراطي والاستبدادي، إضافة إلى غياب الديمقراطية ودولة القانون الديمقراطي وحقوق الإنسان، وسعي الدول الرأسمالية المتقدمة منعها من تنمية صناعاتها الوطنية المتقدمة وزراعتها الحديثة وتغيير بنية اقتصادها الوطني وتكوين دخلها القومي.
ويبدو مناسبا وضروريا الإشارة إلى أن الريف الذي لم يحظ بعناية الدولة ورعايتها وتطوير الزراعة فيه، وكذلك البعيد عن المدينة وعن الإصلاحات الاجتماعية والخدمات الحكومية الضرورية وانتشار البطالة بين سكانه، بشكليها المكشوفة والمقنعة، وخاصة في صفوف شبابه، وكذلك القوى التي غادرت الريف وأصبحت فئات هامشية تعيش على هامش الحياة الاقتصادية في المدينة وفي مناطق حزام الفقر المحيط بالمدن، حقلا مفتوحا وأرضا خصبة تحرثه وتنشط فيه هذه القوى الدينية السياسية وكسب مجموعات منهم لممارساتها ومواقع آمنة نسبيا لحمايتها من أجهزة الأمن والشرطة.
وتلعب أوضاع هذه البلدان، وخاصة انتشار الفساد الوظيفي وسرقة أموال الدولة والرشوة والمحسوبية والمنسوبية وانتشار الرذيلة واستخدام المخدرات في صفوف الشباب ونمو عصابات الجريمة المنظمة وغياب العدالة الاجتماعية كلية وغيرها من الظواهر، دورا مهما في دفع جماعات غير قليلة من الناس صوب هذه الجماعات الأصولية، والإرهابية المتطرفة منها على وجه الخصوص، للعمل في صفوفها والمشاركة في نشاطاتها الإرهابية بذريعة مقاومة الأوضاع المتردية التي تعيش فيها.
إن الإشكالية التي تعيشها هذه البلدان تكمن أيضا في غياب الديمقراطية والتجاوز الفظ ولعقود طويلة على حقوق الإنسان وإرادة الشعب. ومثل هذه الأوضاع ما تزال قائمة عمليا في تلك البلدان، وأن تباينت حدتها فيها. والسياسات الاستبدادية واللاديمقراطية ما تزال السبب في انتعاش مثل هذه الأجواء وتشكل أرضية صالحة لنشاط هذه الجماعات ونمو التطرف السياسي عموما.
ويحيل بعض الباحثين أسباب انحياز مجموعات من الناس صوب الحركات السياسية الأصولية المتطرفة إلى فشل التجارب القومية العربية تحت قيادة الناصريين والبعثتين بأجنحتهم المختلفة، بإقامة الديمقراطية وتحقيق التنمية والتقدم الاجتماعي أو في تأمين مواجهة مظفرة للتخلف والتبعية والهيمنة الأجنبية غير المباشرة. كما إنها تحيل فشل تلك النظم إلى فشل للعلمانية في المجتمعات الإسلامية. وإذا كان القول بفشل تلك النظم صحيحا، لأنها عجزت حقا عن فهم العلاقة بين التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان وغاب عنها أو عن فلسفتها القومية مفهوم العدالة الاجتماعية في ظل الديمقراطية واحترام إرادة الشعب وبعيدا عن الاستبداد ودور الدولة الأمنية، فأن هذا لا يعني بأي حال فشل المشروع العلماني وفشل العقلانية في فهم أهمية وضرورة الفصل بين الدين والدولة والاعتراف بحقوق الفرد واحترام حريته وكرامته. فكل النظم القومية أو غيرها التي أقيمت في الدول العربية لم تحقق مثل هذا الفصل، بل اعتمدت دربا بينهما، بين الفصل الشكلي والممارسة المشوهة لبعض قضايا الشريعة. ففي الوقت الذي ادعت اعتمادها المجتمع المدني وسنت القوانين لذلك، ابتعدت عن ممارستها وشوهت مضامينها ومارست التزوير في تنفيذها. ويمكن إيراد مئات بل آلاف الشواهد الموثقة للتدليل على ذلك. إنها في الوقت الذي دعت إلى وضع دساتير مدنية حديثة ومؤسسات المجتمع المدني الحديث، دعت في الوقت نفسه إلى عدم التعارض بين الدستور والقوانين التي تسنها والشريعة الإسلامية، وشوهت في حقيقة الأمر الاثنين وأساءت لهما معا. فهي لم تكن في كل الأحوال علمانية، حتى أن حكومات هذه البلدان كانت تتسابق مع القوى الأصولية في ادعائها التزام الإسلام والشريعة في حكمها وفي علاقاتها، وهي بالتالي لا تمت إلى المجتمع المدني إلا بالشكل المشوه. وفي إجابته عن سؤال مفاده، ما إذا تعرف الدول العربية المجتمع المدني، أكد الدكتور محمد أركون غياب المجتمع المدني عن هذه البلدان حيث قال ما يلي: " بالطبع. نحن عندنا مجتمع مبعثر، متفرق، لا يزال يخضع لعقائد وممارسات وتقاليد قديمة جدا ولم تنل منها آثار التطور الحديث. ومجمل الفئات الاجتماعية التي تشكل المجتمع ليست متساوية من حيث الحقوق: وخصوصا حق الكلام الحرّ والتعبير عن نفسها. وبشكل عام فلا يوجد تعبير حرّ في مجتمعاتنا. مجتمعاتنا لا تتكلم بشكل حرّ عن ذاتها، مجتمعاتنا مكبوتة. وبسبب انعدام هذا التعبير الحرّ عن الذات هو أنّ الدول أو الأنظمة السياسية التي استلمت زمام الأمور بعد الاستقلال، هي أنظمة مصادرة من قبل مجموعة من المناضلين السياسيين"20. أما الكاتب الإيراني البارز داريوش شايغان فيؤكد على مسألة مهمة أخرى حين يقول: " أحد أسباب سوء الفهم يعود إلى اختزال الإسلام بالشريعة صافية صارمة. صحيح أن تقديس الشريعة يمنع المسلمين أن يميزوا الإسلام الروحي عن الإسلام التشريعي. وإذا كان الإسلام، كجوهر روحي، خالدا، فهو، كعادات وتقاليد وإدراك، خاضع للتاريخانية. أما أن ترفع راية الإسلام باسم القانون الديني الذي يفرض فرضا، فهذا يعني النزول به إلى مستوى القولبة الصارمة المتحجرة. وأقدر أن من الممكن أن يبقى المرء مسلما دون أن يعلن هويته الدينية، وربما كان رأيي هذا طريقة حديثة في النظر إلى الدين نظرة جديدة"21.
وعند البحث في واقع القوى الأصولية يمكن الإشارة الواضحة إلى أن النظم السياسية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد ساهمت بتعزيز مواقع قوى الإسلام السياسي المتطرفة من خلال الادعاء محاربتها، في الوقت الذي كانت تتنافس معها على تطبيق ما يتعارض تماماً مع سمات وخصائص المجتمع المدني وأقرب إلى تلك القوى في الدعوة للشريعة والإسلام واعتبار الإسلام دين الدولة، في حين إن الدولة شخصية اعتبارية لا دين لها ولا مذهب. ويعتبر النموذج المصري في فترة محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك النموذج الفعلي لهذا الاتجاه في الحكم، رغم الادعاء بأنها مدنية أو علمانية.
فالنظم القائمة في العالم العربي أو الإسلامي ليست علمانية، إذ أن العلمانية تستند إلى تحقيق الفصل الكامل بين الدين والدولة، أو "فصل الممارسة السياسية عن التأويل الديني" كما عبر عنه بصواب سمير أمين22. وهي ليست دينية أيضا، رغم ادعاءاتها. وهذا الفصل بين الدين والدولة لا يعني بأي حال من الأحوال إلغاء الدين، أو عدم الاعتراف به، أو بدوره الاجتماعي، أو عدم احترام الأديان والمتدينين، بل يرتبط بضرورة مثل هذه العملية لتأمين حيادية الدولة وابتعادها عن أي تمييز بين الناس بسبب دياناتهم ومذاهبهم، أو التدخل من جانب الدول بديانات الأشخاص. وقد عبر عن حاجة الفصل هذه الكثير من الكتاب والباحثين العرب وغير العرب، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، محمود أمين العالم وسمير أمين والطيب تيزيني وعزيز العظمة وصادق جلال العظم ونصر حامد أبو زيد وداريوش شايغان وإبراهيم علي حيدر…..
إن المتتبع لتطور الأوضاع في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيجد أمامه عاملا جوهريا أشرنا إليه سابقا كان يدفع مجموعات غير قليلة من الناس صوب سياسات الأصوليين المتطرفين، ونعني به موقف حكومات هذه الدول والدول ذات الأكثرية المسلمة عموما من سياسات الدول الغربية، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، وخاصة إزاء القضايا التي تعتبر جوهرية بالنسبة للعرب والمسلمين. ورغم إن القوى السلفية المتطرفة تدعي العداء للدول الكبرى، إلا إنها كانت الوليد الشرعي لتحالف الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان والسعودية منذ الثمانينات من القرن الماضي ورعتها طيلة الفترة التي استغرقتها الحرب ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان وفيما بعد ايضاً. وهي التي ساهمت مثلاً بتكريس النظام السياسي الطائفي بالعراق وفرض المحاصصة الطائفية على المجتمع، الذي استقبلته الأحزاب الإسلامية السياسية والطائفية بارتياح كبير ومارسته بالطريقة التي ساهمت في الوضع المأساوي الذي يعاني منه العراق والمستنقع الذي يحتاج على فترة طويلة للخروج منه.
وتشير بعض الدراسات إلى أن ما يطلق عليه اليوم "بالمد الإسلامي" أو "الصحوة الإسلامية" أو الحركات السياسية الأصولية، بما فيها الحركات المتطرفة هي التعبير الملموس لـ "تنامي دائرة الاحتجاج الاجتماعي والمعارضة السياسية"، أو التمرد على الواقع الذي يسود هذه البلدان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. إلا أن هذا الاحتجاج ضد ما هو سائد ومعوج لا يراد تغييره باتجاه الديمقراطية والتعددية والتسامح، بل يراد إقامة ما هو مماثل من حيث الهيمنة والاحتكار لاتجاه فكري، ايديولوجي، وسياسي واحد، ورفض كامل وشامل لغيره من الأفكار والاتجاهات السياسية. وفي هذا الإطار كتب د. فالح عبد الجبار مشيرا إلى إن رد فعل الحركة الإسلامية الأصولية على ما هو قائم في العالم العربي لا يغير من واقع الاحتكار الإيديولوجي-السياسي لمجموعة معينة، بل يستبدله باحتكار إيديولوجي-سياسي لمجموعة أخرى،‎ حين كتب يقول: "إن الحركات الأصولية الإسلامية هي واحدة من مظاهر الاعتراض الجوهري على المكونات اللاعقلانية للمجتمع الحديث. وبالتحديد طابعه الواحدي السياسي – الأيديولوجي وعجزه الوطني إزاء تحديات الخارج (وبخاصة إسرائيل)، لكن الرد الأصولي ذو طابع واحدي سياسي-إيديولوجي هو الآخر، وأن يكن يستند إلى مرجعية دينية لا وضعية. وأرى أن الحركات الأصولية في العالم العربي هي إعادة إنتاج للنزعة القومية القديمة في رداء فكري جديد وأنها تعمل في مستوى من التحرك السياسي أعلى، وفي مستوى من الوعي العلمي أدنى"23. إن هذه النزعة تعتبر في الغالب الأعم إعادة إنتاج النزعة الدينية السلفية المتطرفة، وأن كانت تقترن في فترة لاحقة بنزعة قومية متطرفة أيضاً، كما يلاحظ الإنسان ذلك في التجربة الإيرانية التي كانت حركة إسلامية شيعية عامة، ولكنها في فترة لاحقة أصبحت حركة ذات بعد فارسي أو نزعة قومية فارسية ملموسة ومتميزة. ويبدو أن الحركات الإسلامية الأصولية تحاول أن تلتقي على المستوى العالمي في دعوتها وتتعاون في ما بينها على مستوى الدول المختلفة، وتمد يد المساعدة لبعضها الآخر، كما في حالة التعاون بين الحركات السلفية المتطرفة بأفغانستان والحركات السلفية المتطرفة في عدد آخر من البلدان، بما فيها الحركات الإسلامية السلفية المتطرفة والإرهابية بالشيشان والسعودية والسودان والجزائر وباكستان والعراق وسوريا وغيرها والتي برزت خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحت مسميات عامة ومحلية مثل تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وما أنتجته من تنظيمات فرعية محلية تابعة لها، أو منشقة عنها، والتي كلها تمارس أبشع أشكال العنف الهمجي والقسوة السادية ضد شعوب هذه البلدان وغيرها.

الهوامش والمصادر
1 العظمة، عزيز. الأصالة أو سياسة الهروب من الواقع. بحوث اجتماعية -14-. ط 1. دار الساقي. بيروت. 1992. ص 11/12.
2 راجع: قضايا فكرية: الأصوليات الإسلامية في عصرنا الراهن. الكتاب الثالث عشر والرابع عشر -أكتوبر/تشرين الأول 1993. القاهرة. مقالة للسيد الدكتور حيدر إبراهيم علي بعنوان "مفهوم الأصولية: التاريخ والمعنى". ص 27-35.
3 راجع:- قضايا فكرية: المصدر السابق نفسه، ص 21-26. في الملف الكثير من الأبحاث الأخرى بهذا الصدد.
-Büttner، Friedemann Prof. Dr., “Islamismus - Fundamentalismus: Zur politischen Instrumentalisierung der Religion.” . Prof. Büttner hat den Beitag am 19. Feb.1997 im Rahmen des Hanns-lilje-Forums der Hanns-lilje-Stiftung ، Hannover gehalten. Der Beitrag basiert zu grossen Teilen auf dem Aufsatz “Der fundamentalistische Impuls und die Herausforderung der Moderne” in Leviathan. Zeitschrift für Sozialwissenschaft. 24 (1996). Heft 4. S. 469-492.
4 قضايا فكرية: الأصوليات الإسلامية في عصرنا الراهن. الكتاب الثالث عشر والرابع عشر. أكتوبر/تشرين الأول 1993. القاهرة. مقالة للسيد الدكتور حيدر إبراهيم علي بعنوان "مفهوم الأصولية: التاريخ والمعنى". قضايا فكرية: الأصوليات الإسلامية في عصرنا الراهن. الكتاب الثالث عشر والرابع عشر -أكتوبر/تشرين الأول 1993. القاهرة. مقالة للسيد د. مراد وهبة بعنوان "أصوليات هذا الزمان"، ص 25.


5 أمين، سمير د. نقد نظرية برهان غليون في الدين والدولة. قضايا فكرية. مجلة. الكتاب الثالث عشر والرابع عشر. 1993. مصدر سابق. ص 477-487.
6 العظمة، عزيز. أصالة أو سياسة الهروب من الواقع. مصدر سابق. ص 12.
7 يبدو ان الخلاف الأساسي بين حسن البنا وسيد قطب برز في الموقف من الحكم القائم حينذاك، أي الموقف من الملك فاروق. ففي الوقت الذي كان يرى حسن البنا إمكانية المساومة مع الملك وإعلاء شأنه والدعاية له من أجل كسب النفوذ والتغلغل إلى أوساط الجماهير، اعتبر سيد قطب ذلك مساومة على الأصول والمبادئ والقواعد التي لا يمكن القبول بها وتقود إلى ضياع النهج والهدف، أي أن البنا كان يأخذ بمبدأ التقية، رغم اعتماده التطرف والعنف والإرهاب في تأمين الوصول إلى أهدافهما. راجع في هذا الصدد: السعيد، رفعت د. محاولة للبحث عن مساحات الاختلاف بين حركات التأسلم السياسي. قضايا فكرية. الكتاب الثالث عشر والرابع عشر. مصدر سابق. ص 161-170.
8 العالم، محمود أمين. الفكر العربي المعاصر بين الأصولية والعلمانية. قضايا فكرية: الأصوليات الإسلامية في عصرنا الراهن. الكتاب الثالث عشر والرابع عشر. 1993. مصدر سابق. ص 9-17.
9 دراسة للسيد د. حيدر إبراهيم علي. مصدر سابق، ص 29.
10 البنا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا. ط 2. المؤسسة الإسلامية للطباعة والنشر. بيروت. 1981.ص 274.
11 البنا، حسن. رسالة المؤتمر الخامس. في: السعيد، رفعت د. محاولة للبحث عن مساحات الاختلاف بين حركات التأسلم السياسي. قضايا فكرية. مصدر سابق. ص 162.
12 المصدر السابق نفسه.
13 قارن: حنفي، حسن د. الحاكمية تتحدى. قضايا فكرية. مجلة. الكتاب الثالث عشر والرابع عشر. 1993. مصدر سابق. ص 451-463.
14 العظمة، عزيز. الإصالة أو سياسة الهروب من الواقع. مصدر سابق. ص 13.
15 شايغان، داريوش. أوهام الهوية. بحوث اجتماعية -18-. ط 1. دار الساقي. بيروت. مصدر سابق. ص 116.
16 البنا، حسن. الإسلام سياسة وحكم. مقال. الإخوان المسلمون. (جريدة). القاهرة. 16/4/1946.
17 البنا، حسن. بين الدين والسياسة. مقال. الإخوان المسلمون. (جريدة). القاهرة. 4/3/1945.
18 المصدر السابق نفسه.
19غليون، برهان د. الاجتماع السياسي للحركة الإسلامية (محاولة للفهم والتفسير). مقالة في مجلة قضايا فكرية. الكتاب الثالث عشر والرابع عشر. 1993. مصدر سابق. ص 356-370.
راجع أيضا: أمين. سمير د. نقد نظرية برهان غليون في الدين والدولة. المصدر السابق نفسه. ص 477-487.
20 اركون، محمد د. الفكر الإسلامي نقد واجتهاد. ترجمة وتعليق هاشم صالح. دار الساقي. الطبعة الثانية. بيروت. 1992. ص 274.
21 شايغان، داريوش. أوهام الهوية. مصدر سابق. ص 112.
22 المصدر السابق نفسه. ص 481.
23 عبد الجبار، فالح. معالم العقلانية والخرافة في الفكر السياسي العربي. لندن. دار الساقي. 1992.
ص 80.