مختارات

إبراهيم الوراق
2016 / 4 / 14

لا شيء يفسد الإنسان أكثر من نزوله عند رغبات غيره، احتفاظا على خيط ود يمكن له أن ينقطع لأول رجة، وهزة. فالعلاقات الاجتماعية، لا يتقن صناعتها من يرى أشياء أبعد مما تواطأ المجتمع على تقديسه من ضروب التعامل المجرور بأعراف تقدس لغات البطن الممجوجة، ولا تقيم وزنا لمعايير المعرفة، والحكمة. بل ينفرد بصياغة تلك العلاقات، أولئك الذين يرون في كل رابطة تربطهم بالآخرين مصلحة، ومنفعة. فقصارى الجهد في بناء لعبة الالتصاق بالمجتمع المضمخ بالأنانيات الفاسدة، أن يستجن الممرع بهموم الفكر والثقافة عناوين شخصيته القلقة، لئلا يبتذل نجمه بين أوحال الكدورات المفزعة. فالاتصاف بالصمت في لحظة السمو، إمعان في تأسيس حصن الحماية من لحظات الدنو. وهذه وصفة أوصى بها الحكماء في سابق الأزمان، لئلا يختلط هم الأمل في الهدوء بمخاط لعنة الأكوان. فما تعلمناه قليل، وما جهلناه كثير في مدى طويل، وما دمنا في هذه الحياة المفتوحة الأبواب على مفاجآت غامضة، فنحن نستفيد من صنوف زلازلها دروسا قاسية. وما نستفيده من غرم الأوجاع،أقل مما لا نفهم سببه بين الأوضاع، لكن ما نبتلى به من حزن نكود، لا يسوقنا إلا إلى لغة الصمت الكئود.
2
إذا كان الارتزاق خلقا قويما، فعلي الدنيا السلام، والعفاء. تلك هي القصة الرهيبة التي فقدنا فيها المعنى، وودعنا معها الطوبى، وغدونا نفارق الأشياء بلا رغبة في إحساسها، ولا رهبة من مشاعرها، وكأننا من شدة الوجع، وألم الجرح، لا نجد لذاذة لما هو قائم فينا بالأصالة، أو ما هو خارج عنا بالتبعية. فالأشياء التي كان لها صوت في لحظة ما، قد عشناها بين سهوة زمن غابر، لم تنطق بذلك الحرف الذي نفهمه، ولا بذلك اللحن الذي نعيه، بل من غرابة الأوضاع أننا في سؤر الوجع لا نفقه لغتها، ونجهل معناها، ولا ندرك كيف انبنت فيها مقدماتها، ولا لإلى ما ستنتهي إليها نتائجها. فكل ما كان له شعور جميل في ذواتنا العليلة، قد ارتبك حس الإصغاء إليه في يومنا المضرج بالجلبة الصارخة، وانفلت عقده عن جيد لحظاتنا المبللة بالنيات الفاسدة. إنها مأساتنا، ومعاناتنا، ونحن شئنا أو أبينا، لا ندري في أي واد نهيم، ولا إلى أي اتجاه نسير. فالوديان والغدران التي كنا نستحلي ظلالها لمناشدة أفق رحيب بين فضل العطايا الأزلية، لم نشهد في يومه المطل علينا أقواما كتبوا في أذواقنا صفحة السمو، ولفحة البهاء. بل كلت أعيننا عن النظر، وعميت عن الرؤية، وغدت الآفاق بلا صوت يحمل إلينا أنشودتنا القديمة، وبراءتنا العنيدة. فهل هي نهاية حياة دبرت المؤامرة دسيسة قطع حبالنا بلحظاتها البريئة.؟ أجل، هناك شيء مبعوث إلى أفئدتنا، ومنكور في إحساسنا، لا نكاد نقرأ سطرا من سطوره، حتى نحس بأننا في حياة مشربة بالملل، والسآمة، والكآبة. هذه صروف زمن يغرس فينا فسائل الألم، والحزن، والكمد، وهذه ضروب مكر غائر، يلبس جبة الأخلاق، ويتزر بإزار التقوى، وينتعل حذاء لعنة خدعة تخطو بين الديار، والأكوار. شيء هو أقرب إلى الدمار، والخراب، وأبعد عن الحضور، والالتفاف. فأي فضل لقوم لا يميزون بين ما هو صريح في الأخلاق السوية، وما هو زفير في النفوس الحقيرة.؟ الأشياء قد اختلطت مقاماتها، وانخرمت مروءتها، ولم يبق لها شيء من وصفها القديم، فما كان شجاعة، صار وقاحة، وما كان كرما، غدا حمقا. إنها لغة اليوم، وأنا أرى جحافل تغدو نحو معبد الذل، والمهانة، لكي تقيم صلاتها بوضوء النفاق، والخداع. أجل، هي أحاسيس كل من رضي بالانسحاب، والاستسلام، وهي آمال كل من حرر صك المواجهة بلغة الصمت، والرفض، وهي نهاية مسعى كل من تخِذ الهرب وقاء في زمن رديء، وحقير.
3
المعرفة حين تكون فخاخا، أو ألغاما، لا يمكن لها أن تصنع التوازن في صيرورة الإنسان المغترب عن ذاته، وواقعه، إذ لا تتأسس المعرفة على إكراه اللحظة العنيدة، أو على إفراط في التشبث بالموروثات التليدة، أو على إظهار للرأي المتعجل في القضايا المستحدثة بين الوقائع العديدة، من غير إمعان للنظر في مكونات أسبابها، ومسوغات عللها، بل المعرفة نتيجة تراكم في صياغات التجربة، والخبرة، والملاحظة، والاستنتاج. وكل معرفة لا تبتدئ بالسؤال المجرح، أو القلق المُضجر، لن يتم بها السير مع ضروريات الزمن المنفصل عن الذات المنغلقة، والمنفعل مع قوانين تنتظم بها قضايا الإدراك في الدورة الحضارية، والإنسانية. ولذا، فإن إعادة القراءة باجترار المفاهيم المتراكمة بين كراريس التاريخ البشري، من غير استيعاب لخطوط التقاطع، والتمازج، لن تؤثر إيجابا على أساليب صياغة نظرية المعرفة بين تداعيات واقع فقد كثيرا من الصلات التي تربطه بمحاضن التاريخ، والهوية، بل يستلزم وضع واقعنا العربي في جميع تمثلاته الموضوعية، أن نتعالى عن كثير من الصفات التي تفرض علينا التباس الغايات بالأنانية، أو بالإغراء، أو بالانتحال، لكي نتحرك نحو المستقبل بعقلية لا تؤسس للأحكام المبسترة، والتجزيئية، ولا تفرض نسقا محددا في سياق مرتبط بنظرة مفارقة للسمو الأرضي، ومرتبطة بآفاق متماهية في العماء الذهني، والتكييفي، بل تدفع بنا هذه الانتباهة الملتفتة نحو الخلود المعرفي إلى لزوم إيجاد مهاد لنظرتنا التوحيدية إلى الكون، والطبيعة، والحياة، من غير أن نستشعر بالفوقية المضمخة بأحاسيس الاستعلاء، والاستقواء.
4
إن نمو الفكر العلمي لم يتم مع ما شهدته الحضارة الإسلامية من تمازج أمشاج المعرفة فيها، بل لم يكن ذلك بارزا إلا في لحظات متأخرة من قرننا الماضي، ولا ظاهرا بقوة إلا عند اصطدامنا بقيم الحضارة الغربية. ولعل أهم سبب في حصول ذلك التأخر عن صناعة العقل المتحرر من قيود التبعية للتراث، هو سيادة المؤسسة الفقهية وسيطرتها على أدوات التفكير في كثير من فترات التاريخ الإسلامي، بل ربما لا نعدو الحقيقة إذا قلنا بأن ما ظهر من خروج عن السياق العام في القرون الأولى، لاسيما في فترة الاستمداد من تراث الحضارات التي أذابتها الفتوحات العربية، لم يكن سبيله مع تطورات الحدث التاريخي إلا الارتباك، والصمت، والخمود، بل الأغرب من ذلك، أن استبداد المؤسسة الفقهية على جل موارد الفكر الإسلامي، وتلازم مظاهر القوة فيها بعوامل التنافس على مصدر البقاء، لم ينتج إلا فواصل تميز بين تيارين متباينين، ومتعارضين، فأحدهما مستند في ضرورة وجوده إلى السلطة السياسية، وهو اللسان الناطق بمضامينها الدينية، ولذلك انحاز إلى تطويق النص، من أجل تلجيم الرأي الحر، والفكر المضاد، وثانيهما عرف بسؤاله ذي الطابع العقلاني، ونقاشه المتجرئ على المسكوت عنه، أو الممنوع منه، فكان مصيره الإقبار الذي طاله على امتداد مسيرة التاريخ الإسلامي. وهذا ما يفسر لنا عنوان ذلك الخلاف الذي دار بين تيارات متنوعة داخل منظومة واحدة، ويبين لنا ذلك أسباب الصراع الذي احتدم بين الرأي ومخالفه من خارج الدائرة المشتركة. إذ كثير مما حدث من تناقض الإرادة، والتفكير، لا يمكن لنا أن نعلله بسبب واحد، وهو حماية الدين من الانحراف، والزيغ، والضلالة، بل هناك أسباب أخرى كامنة وراء ذلك اللثام الذي أهريقت في طريقه أرواح عديدة، لم تكن في غالب أحوالها نافية لثوابت العقيدة، ولا لمقراراتها الثابتة، وإنما كانت لها اجتهادات مخالفة لما درج عليه السياق العام من رأي واحد، لا يقبل التعدد، ولا يرغب في التنوع. ولهذا، لا يجوز لنا أن نميل إلى كثير مما كتب عن كل الفترات من مدح، أو ذم، بل مهمة الباحث الدقيق في ملاحظته، واستنتاجه، أن لا يفصل بين الحقائق ومحيطها الذاتي، والاجتماعي، ومناخها الديني، والسياسي، بل يتعدى مجال البحث ذلك عند التئام القصد إلى المقارنة والمقايسة بين الآراء، والمواقف، لكي يستكشف تلك العوامل النفسية التي أثرت في بناء تصورات المذاهب، والفرق، والملل، والنحل. وإلا، فإن اتكاء الباحث على الموروث، واعتباره من المسلمات التي لا تحتمل النقد، والرفض، لن يحدث ذلك التجديد الذي يسد الخلل في بنيتنا العقلية، وبيئتنا الاجتماعية، ويدفع بنا إلى لحظة القراءة المتأنية لكل العلاقات التي حرفت مسيرتنا التاريخية، والحضارية.