تراتيل سورية : .. وطني ..

بدر الدين شنن
2016 / 4 / 13

جميل .. وعظيم .. وكبير .. أنت يا وطني .

جميل أنت : بجبالك .. وسهولك .. ووديانك .. وساحل بحرك .. وباديتك .. وأطفالك .. وشبابك .. وأزهارك ,, وأشجارك .. وسمائك .

وعظيم أنت : بتاريخك .. وحضاراتك .. وإبداعك للحرف ، الذي حرك حركة البحث عن الحقيقة .. وللكلمة المحفورة في الصخر ، ومرقومة في الوعي والعقل .. وبانفتاحك على العدل والتشريع .. ومكونات التقدم والعلم .

وكبير أنت : بشعبك المقاوم .. على امتداد الزمان .. لكل جحافل الغزاة .. والفاتحين .. والهمج المتخلفين .. الزاحفين طمعاً فيك ، من الغرب إلى الشرق ، ومن الشرق إلى الغرب .. ومن ثم إمبريالية " التمدن " الكاذبة .. وأخيراً .. الهمجية والإمبريالية معاً في آن .

لقد اقتحم كل هؤلاء المعادين للتمدن والتقدم أرضك .. مرات عدة يا وطني . دمروا .. أحرقوا عمرانك وأشجارك .. ومقومات حياتك . ذبحوا أطفالك .. واستباحوا حق الحياة لشعبك .. من أجل الاستمتاع بجمال طبيعتك .. وثرواتك .. ومواردك .. وامتلاك موقعك المحوري في حركة عبور حروب الإمبراطوريات .. وحركة التجارة بين الشعوب من وإلى الجهات الأربع من حولك .. وحركة هجرات الشعوب الاضطرارية .. والبدائية .. وصمدت .

وبعظمتك .. وبمخزون حضاراتك .. تحديتهم . وبكبرك .. وكبريائك .. وشجاعتك .. ومقاومتك .. قهرتهم .

هرب الغزاة .. رحلوا .. وبقيت أنت .

تلاشت الهمجيات .. والإمبراطوريات .. اندثرت .. ونهضت أنت .

ومن قلب الدمار الكاسح .. ونزيف الدم المسفوح .. من أجساد أبنائك ومقاتليك بلا حدود .. الذي ضرج الأرض والآفاق .. أعدت بناء ذاتك .. وعمرانك .. ومجدك .. واخضرار حياتك .. بذاتك .. مرات .. ومرات عدة .

* * *

وإذ تتصدى يا وطني الآن للعدوان الأكبر في تاريخك .. عدوان الإرهاب الدولي .. الذي أعده .. ويدعمه .. ويقوده الشياطين .. العتاة العريقون باستغلال الشعوب ونهبها ، والقاتلون فيه ، هم همج .. وحثا لات.. وإرهابيون .. ولصوص الأمم ، ليسيطروا على أرضك .. وموقعك .. وثرواتك .. بأسلحة إبادة مختلفة أكثر وحشية ، للإنسان ، وللحضارة ، وللتقدم .. كبرت .. وكبرت أكثر .
وليخضعوك .. ويقهروك مرة أخيرة وإلى الأبد .. لم يبق في هذا العالم ، الفاقد للتوازن ، والخاضع لطغاة الإمبريالية ، لم يبق يا وطني .. دولة .. عظمى أو صغرى ، إلاّ وشاركت ، أو حشدت للمشاركة ، في عدوان الإرهاب الأكبر عليك .. بجيشها ، أو مؤسساتها الأمنية ، أو الإعلامية ، أو المالية ، أو بممارسة النفاق في المؤسسات الدولية ، لترويح الكراهية لك ، والتحريض على غزوك وتبريره ، أوالتعامي عن تسهيل تدفق السلاح ، ومجرمي الإرهاب الدولي عبر حدودها ، للاشتراك في تدميرك واستباحتك ، براً وبحراً وجواً . ، أو تلوذ بالصمت المتواطئ ، عن جرائم إرهاب الكبار والصغار ضد شعبك .. فضلاً عن النهب والسلب والتهجير .. واستعراضات التوحش في ممارسة طقوس الذبح المتعمد .. والقتل الجماعي .

ومن أسف تعاونت أطراف داخلية ، منغمسة في السياسة الانتهازية والارتزاق من الحرب ، مع العدوان والمعتدين ، لتسويغ العدوان الأكبر ، بما يخدم طموحاتها الذاتية والسلطوية ، وشرعنة العدوان ، بأنه ، حركة حرية ، و" ثورة " يخوضها الشعب السوري ضد النظام ، وأسلوب حكمه ، ونمط اقتصاده ، وضبابية الأفق تحت قيادته .

كانوا يتصورون ، أن مؤامراتهم ، وإعلامهم ، وأكاذيبهم ، وكثرتهم ، وأموالهم ، وأسلحتهم ، وأنشطة الخيانات لحسابهم ، ووحشيتهم ، كفيلة بهزيمتك خلال أشهر معدودات . لكنهم على امتداد سنوات خمس ونيف ، دمروا خلالها الكثير من عمرانك ، ذبحوا وآذوا وشردوا الكثير من أبنائك ، وحرفوا الدين والإيمان ، شوهوا النظريات العلمية ، والأخلاق ، والقيم الوطنية . وجعلوا من الخيانة وجهة نظر سياسية .. فشلوا .. ودخلوا مرحلة إعادة النظر في حساباتهم ..

ويتواصل يا وطني .. عدوان الوحوش .. وجيوش الوحوش عليك .. المنفلت من الضوابط والقوانين والأعراف البشرية ، حيث بلغت شراسته مستوى الحيوانية ، بانتزاع قلوب بعض الأسرى وأكلها . وباستخدام الأسلحة الكيميائية والغازات السامة ، وباغتصاب الحرائر والقاصرات ، وبيع الأسيرات في سوق النخاسة ، حسب " شريعتهم الهمجية . ومازالوا يحلمون باستسلامك وإخضاعك يا وطني .

* * *

في أيامنا المتلاحقة من السنة السادسة للعدوان الأكبر يا وطني .. لم تعد تذكر أرقام الضحايا بالآلاف . لقد دخلت منذ مدة في حسابات ما بعد الربع مليون .وازداد وجع القلوب والضمائر على سقوط الضحايا يا وطني ، وخاصة أن الكثير منهم من الأطفال .. وكلهم دون استثناء .. من يسمى قتيلاً أو شهيداً .. هو سوري وابن سوريا .
ولم تعد تقدر الخسائر المادية .. بالتفاصيل هي تعويضات وإعادة بناء .. بيوت وشوارع وأحياء وبلدات مدمرة . وهي صناعة ، وزراعة ، وتجارة ، مخربة ، أو مجمدة ، أو مسروقة ، وبما يعادل بالمجمل ، الجهود السورية قاطبة في عشرين عاماً متوالية ، دون أن يصرف منها قرشاً واحداً في مجالات أخرى .
ولم تعد يذكر ، لنهايات القتل المفتوح ، والتدمير المباح ، أجل مسمى .
وليس هناك من يستطيع حساب حجوم الدم المهدور ظلماً ، ولا توصيف فظاعة المشهد التشكيلي السوري باللون الأحمر القاتم ، الذي يضم الحجر والتراب ، وأشلاء جثامين مبعثرة لآدميين .. لأمهات مذعورة على صدورهم أطفال رضع ، وأطفال تائهين بين كتل الركام الرمادية .
وليس هناك من هو قادر أن يحدد بأرقام تقريبية .. كم قبراً خاصاً لجثمان واحد من الضحايا .. وكم قبراً جماعياً لا يعرف عدد المدفونين عشوائياً في كل منها . .
وما من أحد يلم بحقيقة أوضاع الأطفال ، الذين يتفشى رهب الإرهاب في نفوسهم ووعيهم ، الذين فوق ذلك حرموا من المأوى البشري الدافئ ، والتعليم . أو يلم بعدد كم طفلاً دفنوا في الأرحام مع موت أمهاتهم تحت البيوت المدمرة .. ويلم بأوضاع الأطفال الذين يولدون تحت نار الإرهاب ، في أجواء الصراخ والعويل والجري هرباً من الموت ، وفي أية سوية عقلية يعيشون بعدها .. شهراً بعد شهر .. وسنة بعد سنة ، وأي أفق متاح أمامهم .. سيما الذين فقدوا الأبوين .. وتاهوا خارج منازلهم ومعارفهم .
ولا أحد يجرؤ ، إن عرف ،على ذكر عدد وأسماء الحرائر المغتصبات .. ومصيرهن .. وما تبقى من كيانهن الإنساني .. وكرامتهن ...

هذا هو العدوان الأكبر في تاريخك يا وطني .. وهذه هي مكوناته .. ومركباته .. ومواجعه .. ومفاعيله .
إنه ليس كأي عدوان عرفته .. ولن ينتهي كأي عدوان سبقه .. إن النهايات ستتبدل .. والآفاق والخيارات ستتبدل .

* * *

السؤال المطروح الآن : من سيحدد النهايات لهذا العدوان .. ومن سيحدد الخيارات والآفاق بعده .. هل هي الدول التي أدارت الحرب بالتآمر .. والتجاذب .. وتقاطعات المصالح ، وأغلبها تتحمل مسؤولية العدوان وكوارثه .. وهي تتصدر الآن إدارة خواتمه .. وأي حجم ودور للقوى السياسية السورية .. الحاكمة والمعارضة ، وخاصة تلك التي تواطأت وتعاونت مع قوى العدوان والإرهاب .. وهل سترسم الخواتم والنهايات .. وتنفذ بآليات الضغوط الدبلوماسية ، والمفاوضات الابتزازية .. أم بآليات لعبة التوازن العسكري الميدانية ؟ ..

إن المؤهل الوحيد للإجابة على السؤال ، بثقة ، وقدرة ، هم الذين يقاتلون الإرهاب الدولي والدول الداعمة له ، تحت مختلف الظروف القتالية الرهيبة ، في الجبال ، والغابات ، والشوارع والأنفاق تحت الأرض ، والصحراء ومخا طرها ، وفي مختلف الظروف المناخية والطبيعية المرهقة .. بحرها .. وبردها .. وسيولها .. وصقيعها وثلوجها .. لتبقى يا وطني حراً موحداً .. ولتعود .. جميلاً ,, عظيماً .. كبيراً .. تجدد ذاتك بذاتك .. وتعيد .. رغم ضخامة كارثية العدوان الأكبر .. وتداعيات تدميره وتوحشه .. بناء ذاتك ومجدك .. بذاتك .. مرة أخرى .