ستوكهولم: أمسية استذكارية للفقيد الكاتب والشاعر الغنائي زهير الدجيلي أمسية تألق فيها الوطن، وشعر الدجيلي النابض حباً

محمد الكحط
2016 / 4 / 12

ستوكهولم: أمسية استذكارية للفقيد الكاتب والشاعر الغنائي زهير الدجيلي
أمسية تألق فيها الوطن، وشعر الدجيلي النابض حباً


محـمد الكحط - ستوكهولم-
في وقفة وفاء من أبناء الجالية العراقية في السويد للشاعر زهير الدجيلي ولطيوره ولروحه المحلقة في سماء العراق، تم إحياء ذكراه بدعوة من اتحاد الكتاب العراقيين في السويد الذي أقام أمسية في ذكرى أربعينيته، تناولت حياة ونضال وإبداع هذا الإنسان الذي ارتبطت حياته بحبه للوطن وللناس وذلك يوم السبت 9/ نيسان/ 2016 في بناية مؤسسة سينسوس وسط العاصمة السويدية ستوكهولم. حضر الأمسية جمهرة من الفنانين والأدباء والشعراء والإعلاميين والمثقفين، وعائلة الفقيد المتواجدة في السويد، وبعد الترحيب بالحضور من قبل الشاعرة زينب الكناني، جاءت كلمة اتحاد الكتاب العراقيين في السويد قرأها سكرتير الاتحاد جاسم هداد وجاء فيها، ((نحتفي بمن عمدت الشطرة شاعريته، حيث الولادة والنشأة والصبا، كان له دوره المتميز في تجديد حيوية القصيدة الغنائية، ومنح الفكر الإنساني كل شبابه مناضلا، حيث قضى أربعة عشر عاما من عمره سجينا، نزفت فيها جراحاته العبقة قصائد رائعة، حيث تعرض للاعتقال عام 1954 وحكم بالسجن سنة ونصف، واعتقل ثانية عند اشتراكه في التظاهرات المناصرة لتأميم قناة السويس عام 1956، ولم يطلق سراحه إلا بعد ثورة 14 تموز 1958. ففي الثالث من آذار 2016 غيب الموت شاعرا جسد كل قيم الإبداع في قصائده، ولغته الشعرية الرائعة المتدفقة كالفرات، ومثل حمامة في سماء العراق، ونجمة مشعة في تراثنا الخالد في أغانينا التي نحب، فهو الذي وظف الشمس لتكون حمامة زاجل تحمل رسائله للأحبة، أليس هو القائل:
يا طيور الطايرة مري بهلي
ويا شمسنا الدايرة شوفي هلي
ووظف القمر مثلما وظف الشمس من قبل:
يمتى تسافر يا قمر وأوصيك
والوادم البيها الأمل تدليك
ويستدرك وبلوعة فيقول:
وقبلك ردت لي امسافر لديرة هلي
اشكد دورت.. ما حصلت
وصار العمر محطات
أما:
عازت أيامي فرح وتريدكم
وها كثر كَلبي يلح ويريدكم
تعبر بشكل صادق عن الغربة والاشتياق المخلص
أما الصورة الشعرية الرائعة التي تحمل التناقضات والحيرة واللوعة في قوله:
امحيرني ساعات الصبح شو جنك اتودعني
وساعات بغياب الشمس ملهوف ومضيعني
ولكم تأمل لوعة الحنين في:
حنيت وأترجه .. أترجه دليلي وعيني
بلجن عذاب افراكَم بهداي من ياذيني
غيب الموت "زهير الدجيلي " الكاتب والصحافي والمحلل السياسي والشاعر الشعبي والمؤلف للأغاني وكاتب السيناريو للأفلام والمسلسلات التلفازية، كان مبدعا مخضرما شاملا، كتب الشعر المقفى والعامي، ويعد من ابرز شعراء القصيدة الشعبية، لا بل رائدا في بناء القصيدة الشعبية التي تبنت هموم الإنسان الكادح وقضاياه، تماهيا مع هبة الفكر اليساري في حينها، تميزت قصائده بذلك الخيط الدقيق من الحزن والألم، لأن بساطة تراكيبه جعلت من السهل على المتلقي أن يتابع معها قصة حب ووطن، وهو القائل: انه لا يكتب بعيدا عن فكرة الوطن، هو مسكون بهذه الفكرة التي تمده بالطاقة ليكتب وتبقيه حزينا دائما.
وفي مجال الصحافة، مارس العمل الصحفي لأكثر من أربعين عاما ...)).

ومن ثم كان لشقيق الفقيد الأستاذ فرات المحسن كلمة تحدث فيها عن سيرة زهير الدجيلي، وما مرّ به من ظروف صعبة منذ صباه حتى وفاته، أما رئيس اتحاد الكتاب كريم السماوي فتحدث فيها عن فترة سجن نقرة السلمان التي قضاها الفقيد، وفي كلمته ((تحدث عن سجن الشاعر زهير الدجيلي في مرحلة مبكرة من حياته، وهو الأمر الذي تكرر لاحقا، حتى أن طفلته الأولى "هدف" ولدتها أمها في السجن، بينما زهير في سجن آخر. وكان سجن نقرة السلمان أطولها وأشدها على الشاعر، شاركه فيه نخبة من أدباء وشعراء وسياسي العراق الذين تأثر بهم وأثـّـر، كانت أعدادهم في تزايد حتى بلغوا الآلاف، وحتى أصبحت حصة السجين مساحة محددة بــ 190 سنتيمترا طولا و45 سنتيمترا عرضا. ونظموا النوم بطريقة "الكاز" أي على واحدٍ من جنبيهما، وغير مسموح للسجين النوم على ظهره أو بطنه.
وفي ذلك السجن القابع في عمق الصحراء المتصلة بصحراء نجد تفتحت قريحة الشاعر ليخط قصائده الجميلة، تلك القصائد التي كان يلقيها في ندوات يوم الاثنين التي كان يديرها فاضل ثامر. بينما يُلقي مظفر النواب قصائده في ندوات يوم الخميس التي يديرها ألفريد سمعان.
وهناك في ذلك السجن الرهيب نظم السجناء حياتهم وبنوا أول مجتمع اشتراكي منظم وفق قوانين يشرف على تطبيقها السجناء أنفسهم، وزعوا الأعمال على السجناء كل حسب اختصاصه ورغبته في العمل. وقدموا الخدمات بكل أنواعها مجانا لكل سجين محتاج إلى تلك الخدمة ودون منـّة. في هذا السجن عاش زهير الدجيلي سنوات عديدة ليساهم في جعل السجن نموذجا للتعاون. وبنى السجناء مطبخا كبيرا يقدم ثلاث وجبات يومية لكل السجناء، وتمكنوا من جلب مياه الشرب والاستخدام من الآبار القريبة والبعيدة، كما كانت هناك هيئة طبية متخصصة ومن واجباتها خفارة ليلية، وتنظيم رياضي ومسابقات، ودراسات مختلفة من محو الأمية إلى دراسة الاقتصاد واللغات والآداب وغيرها. وأصدروا مجلة من 8 صفحات. ورصد للإذاعات وتجهيز نشرة إخبارية يومية. حتى تمكنوا من جعل السجن مدرسة وجامعة. وهناك حيث زادت وشائج العلاقات أكثر بين زهير الدجيلي وجاسم المطير اللذين كـُـلفا من قبل الحزب بمهمة جمع المعلومات من جميع المعتقلين وكتابة القصص عن قضايا التعذيب والموت والإعدامات. وكانت هناك 150 صفحة تؤرخ وتوثق ما جرى في معتقلات الحرس القومي وقصر النهاية لروايات التعذيب والقتل. هناك في ذلك السجن المسمى بسجن نقرة السلمان قضى الراحل زهير الدجيلي سنوات من زهرة شبابه، وحين وردت برقية تفيد بإطلاق سراحه هو وخمسة آخرين كتب جاسم المطير:" لا أدري لماذا تضغط عليّ الكآبة هذا المساء، بينما المفروض أن أكون مسرورا. غدا يتحرر زهير الدجيلي وخمسة سجناء آخرين من نقرة السلمان.. هل من الصواب أن أشعر بالخسارة إذ يغادرني صديق مثل زهير الدجيلي إلى الحرية؟! " ويضيف:" لقد كان لي عونا في كثير من الأشياء التي احتجت لها بهذا المكان.. أقرب من أخ وأكثر من صديق. كنا كشخص واحد اسمه زهير المطير أو جاسم الدجيلي كما كان يقول بعض الأصدقاء من محبي المزحة." ولهذا وبعد مراجعة للنفس يضيف:" شعرتُ أن زهير هو الرابح الأكبر من الحرية وعليّ أن أكون أنا أكثر مسرة وفرحا من غيري من السجناء.))
وهكذا تحول السجن إلى مدرسة وجامعة وجبهة كفاح ومصنع للرجال واشتهر بإهزوجة ولازمة يتغنى بها الجميع ونصها:" المايزور السلمان عمره خسارة ".
وألقى الشاعر الشعبي كاظم الوحيد قصيدة شعرية رثائية للفقيد، وهي تحت عنوان ((حسبالي))، جوابا لقصيدة الفقيد:
) يا طيور الطايره مرّي بهلي)
وگليلهم ..
ليش الوطن ناسينه ؟
الليل كله اتنطره ،، وماغمضت
و(البارحه) لحظه بحلم مر بينه
وهنا (ينجوى) الشوگ كاتلني شكثر
رايد أجيكم كافي مو ملينه
لو تدرون بينه شگد نحن ..
والفرگه هدت حيلنه وتاذينه
(عَل هودلك يا يابه الهود لي)
بالغربه لتراب الوطن غنينه
(مراضيتك) وروحي تحن ..
فدوه تگلك يا وطن بس كون
ترضه علينه
وبيه (هوى الناس) العذب
حب اوفه .. والشاهد الله علينه
(انحبكم) وحگ رب العرش
ماي وعشگ شاطينه
وَيَا ما (مكاتيب) وصور وأجمل شعر
وي الدمع ودينه
(ولا مره وحده) الروح زعلت من صدك
بيها ترافه من الورد ..
ومن الورد أحله عطر ينطينه
طالت (محطات العمر)
ضاعت اسف بالغربه كل سنينه
(بيت العراقيين) ( ياعالي يظل(
كل سا يعتنه الشوگ وسوالف
گبل تروينه
مشتاگ انه لدجله العذب
ياريت اعبر بالفرح جسرينه
يمته .. يمته أحضنك ياوطن
وتعود تضحك للهوى اليالينه
ولديرتي وناسي وهلي
لبغدادنه .. بويه أشكثر حنينه
( يمته تسافر يا گمر) وياك اخذنه
وللمحب ودينه
(لسنبل الديره) وبيتنه
ولمّة هلي اوادينه
(حسبالي) اظل عايش صدگ
(مغربين) تاليها
وغرب ظلينه
ابوذيه
عزيز انته ورحت يا حيف،، عناي
جرح فرگاك ينزف دوم،، عناي
زهير ومن يمر طاريك ،، عناي
تفز اجروح عشر اسنين بيه.))
وقدمت قصائد من شعر زهير الدجيلي قرأها الشاعر جاسم الولائي، تلاها تقديم
قصيدة رثاء للفقيد كتبها الشاعر ناظم السماوي وقرأها على الحضور الشاعر محمـد المنصور.


وقدم الشاعر الشعبي نائل الشمري قصيدة بالمناسبة، في آخر فقرة كان لشقيق الفقيد الأستاذ فرات المحسن كلمة مؤثرة عن الفقيد بعنوان: ((وها يوم إنكضه .. ورحل آخر أخوتي)) وفيها:
ما كانت لتسعد قلب أخي زهير الدجيلي كل بقاع الدنيا التي تنقل فيها.
وما كان يسعده ويطربه غير ذكر العراق.القصيدة عنده مفعمة مترعة بوجد غريب يتماهى الوطن فيها بالحبيبة. يوجعه وينخر صدره ويعتصر قلبه شجن المدن وعذابات فقرائها. مسالك ودروب وشعاب عراقه الموجوعة. تجربته تمتد بقسوتها دهرًا، عجنته وصيرته عاشقًا وشاعرًا. لفح شمس نكَرة السلمان وجفاف صحرائها. سجن بعقوبة وبغداد ومنافى وسجون راوندوز وقلعة مندثرة في الرمادي. وحشة الدروب والضياع، كل تلك السنين العجاف وأيامها المؤذيات الممحلات. أعوام غربة قاسية، ووطن يترقبه من بعيد وهو ينهب ويباع ويتمزق، ولكنها ومع كل عذاباتها لم تجفف في قلبه نداوة الحب وطراوته لا بل زادته وجدًا وتعلقًا فراح يلهج بوطن ويمجده حبيبة. يناجيها بعذوبة مع كل حرف يخطه وهواء يستنشقه.
بهجة الناس وقوة شكيمتهم وبأسهم وحيوية الحياة التي تنبثق من أعينهم يطريها نشيد ما سكن يومًا بعيدًا عن قلبه. يلثم هديل حمامات القباب وهو يحثها على نقل أشواقه لتلك الضياع التي هجرته وهجرها لفرط وحشيتها وفروض عبوديتها. يصقل حبات كلماته من رائحة الطيبة وهي ترش ضوعها عبر نوافذ البيوت لتطلي بقدسيتها وأسرارها وجوه محبيها، فيدسها زهير بين طيات أوراقه ثم يطشها فوق راحة أيادي محبيه.
مياه ومسنايات الأنهر وصوت نواح النوارس وضجيج فرحها. نذور القديسين ورائحة الشمع والياس، خرير الماء في بدعة الشطرة، وزحام الصبايا في أزقة عكد الهوى. وشوارع بغداد واستراحات الصالحية والشاكرية وعريشة في بيت صغير تفوح منه رائحة أهل ومحبين، ودرب رفاق كان يدرج فيه منذ صباه وتزدحم ذاكرته محتفظة بكل ذاك الصخب والفرح والمحبة التي ألهمته وعلمته أبجدية الحروف. كان يعب كل ذلك بشغف وعذوبة ونشوة. يقتنصها مفردة مفردة يرصها بين شغاف قلبه فتكون العراق.
وطن ليس كباقي الأوطان كان العراق..ولزهير بكل ذرة تراب فيه وقفة ولوعة محب.
يا وطن
كلما تنطفي ويملي الرماد عيونك يحركوك
يا زينة أوطان الدنيه يا شيال ضيم الناس
يا بيرغ الهيبة العالية بالناس
بستان المحبة وجنة الدنيا وفرحه وبهجة الأشواق
ياذلتك من أولادك ينهبوك
ياويلي .. هاكثر ضاموك
وروحي ذلت بيك من ذلوك
ياويلي عليك
يا جرح الغميج بكلبي
يمته تهيد
من يقف جوار أبي هدف زهير ويتنصت نبض قلبه يجده مسكونًا حد الثمالة بذاك الحب، حب ما خفتت جذوته أبدًا.. وطن تستحيل وجوه الناس فيه إلى ألوان وورود وبسمات وقبلات وأمنيات مفعمة بالأمل، ولكنها مغموسة أيضا بآلامها وخيباتها، وجعها الذي فاض وأوجع الجميع فيود ساعة أن يقربها، يشمها، يلملها/ يلملمها فرحًا، يتلمسها شوقًا ويتذوقها نداوة.
أرد أجيكم
بلكي ألكَي الشوق ذاك اللي عرفته
أرد أجيكم
عازت أيامي فرح وتريدكم
وها كثر قلبي يلح ويريدكم
الطير من يبعد يزيد الهجر نوحه
أرد أجيكم.

هكذا كان أبو هدف زهير يناجي وطنه.. العراق المجافي والمُعذِب والهاجر والمهجر، القاسي والمتقلب. مجامر العذاب وزقوم الخوف.
ولكن ما سماه زهير يومًا غير الحبيب، البديع، الرائق، العذب، الوجد، الشوق، الحاني الرؤوف، العريق المستديم بالحب، سباح الروح، السرور وبهجة الناس، فسحة السماء وامتدادها، شذى عشب وخضرة الأرض ورائحة بساتين وطليع نخل، وزغب عصافير تفتل منها الحياة بديع صورها.
وأخيرًا وهو على فراش الموت يروض كلماته ويناغي حبيبته.. قالها ثم صمت. وذهب حيث يتوطن غرباء الوطن.. هناك في البعيد يبكونه قبل أن يصحو ليبكيهم.
وها يوم
وها يوم أنكضه
وها يوم حس النايحة
روحي على طارف داركم غيمه على ساعة ورايحه
جن الدرب طال وبعد بيكم وما مش رده
ولا نسمة من عمر الهجر تحي الغصن والوردة
وحنيت وترجه ... أترجه
أترجه بدليلي وعيني
بلجن عذاب افراكم بهداي من ياذيني
بلجن يحن حاديكم
ناكَه وجزتني القافلة
وناسيني
الآن وبعد كل دهور العذاب وحزن الغربة الممض، سكن صخب الحب وأطمأن قلبه، والتحقت ناقة أخي وحبيبي بقافلتها.. قافلة غرباء الوطن... إنه اليقين المؤلم.
وها قد رحل آخر أخوتي
فوداعا أبا هدف زهير الدجيلي
وبعدك تراني أتأسى على وجعي
ولي برفاقك وصحبك وملايين محبيك وزهو وفائهم وكلمات إطرائهم ما يواسيني.
وأفتخر)).
بعد هذه الكلمات النابعة من القلب المكلوم بفقدان هذه القامة الشامخة في سماء الوطن، من أخيه الأستاذ فرات المحسن، تحدث العديد من الحضور بكلمات ملؤها الحب والألم لفقدان زهير الإنسان والشاعر والمناضل والعاشق للوطن بلا حدود.