حقوق الانسان: قراءة تاريخية ومقاربة في الاسس والمنطلقات الفلسفية

حسن الزهراوي
2016 / 4 / 9

حقوق الانسان : قراءة تاريخية ومقاربة في الأسس والمنطلقات الفلسفية.
1) قراءة تاريخية كرونولوجية لحقوق الانسان.
2) محطة الثورة الفرنسية 1789.
3) الأسس النظرية والخلفيات الأبستمولوجيا والفلسفية التي تأسس عليها خطاب حقوق الانسان.
منذ أقدم العصور ومنذ أن عرف التاريخ نفسه بعبارة ابن خلدون صاحب كتاب المقدمة ناضل الانسان ضد الظلم والطغيان والاستبداد والاسترقاق والعسف الذي كان يمارس ضده، منذ القدم سعى الانسان الى التخلص من ظلم وبطش أخيه الانسان ناضل الانسان اذن وكان لا بد أن يناضل من أجل التحرر والمساواة والانعتاق.. ناضل وكافح وكان لابد أن يكافح من أجل العدالة والكرامة ومن أجل الحق في حقوقه وقدم في سبيل ذلك تضحيات كبيرة جدا وكان لابد ان يقدمها لاسترداد انسانيتهِ وكينونته وكان لابد مما ليس منه بد كما يقول المناطقة. لقد حاول الانسان مُذْ وجد نفسه مقذوفا به في قلب هذا العالم المجنون اللا متكافئ بكل كينونته وفكره وما هويته وكل ما اوتي من طرق وسبل متاحة لتحقيق كرامته ولم يكن بذلك يبحث في حقيقة الامر الا عن ذاته وعن أنويته و عن طبيعته لم يكن بكفاحه المرير ذاك الا منسجما مع طبيعته وهويته وخصائصه الطبيعية التي يشترك فيها جميع البشر بعبارة السويسري جان جاك روسو كذات إنسانية حرة عاقلة مستقلة مسؤولة مفكرة مبدعة !!
لقد كان مسار الانسان في سبيل تحقيق كرامته وأنْسنةِ قوانينه ونظمه التي تؤطره وتحكمه، مسارا طويلا وشاقا ، لقد كان مسارا متعبا ولذلك لا نستغرب ان تَجتمع عند كل شعوب الأرض القديمة مثلٌ ومفاهيمَ واعرافَ وقوانين اجتماعية تنظم العلاقة بين الانسان والانسان. وبين بني الانسان وما يحيط به من طبيعة وعناصر كي يضمن بقاءه واستمراريته وجوديا في قلب هذا العالم، لقد اقتضت طبيعة الاجتماع البشري ( والانسان كائن اجتماعي بطبعه كما قال ارسطو) أن توجد هناك قوانين وأنساق قيمية ونظم انتجها الانسان بعبقريته لكي يحافظ على نوعه.
وأصبح من هذه الأنساق القانونية والنظم والأعراف والتعاليم التي ابتكرها الانسان ماهو مقدس مدون في الالواح عند الشعوب القديمة، كل ذلك كان يمس جوهر العلاقات الإنسانيةِ في هذا العالم . لقد تفطّن الانسان تفطنا مبّكرا وكان لا بدّ أن يتفطن حتى لا يأكل القوي الضعيف ويجلس البرجوازي بجسمه المتعفن على الضعفاء والبؤساء والمهمشين الكدح.
إن الانسان منذ اقم العصور كان يشعر بحاجة لقوى خارقة ميتافيزيقية تساعده على وضع وسن القوانين فابتدعت الكثير من التصورات وصلنا الكثير من الأعراف والنصوص والمفاهيم القديمة مرتبطة بحقوق الانسان تتفاوت من حيث العمقُ. وكان طبيعيا جدا ان تتفاوت وفق مبدا التطور ومبدا الحتمية التاريخية فالإنسان في نهاية المطاف كائن تاريخي يتقدم ويرتقي في سلمية الحضارة والتنوير، وبقدر رقيه الإنساني والقيمي ترتقي معه نظمه وقوانينه ..
إننا لا يمكن أن نفهم ونستوعب حقوق الإنسان كفلسفة وكخطاب ثوري تنويري وما فيه من سمو ونضج ورقي إنساني وقيمي، إلا إذا استحضرنا هذه التصورات والأطر النظرية وحفرنا في جذور الضمير الجمعي والذاكرة الإنسانية القديمة ، صحيح أن الانسان القديم لم يعرف هذا الجهاز المفاهيمي الحقوقي المتعارف عليه اليوم، ولم يعرف هذه الأدوات الإجرائية التحليلية والآليات المعروفة اليوم في الخطابات والمدارس السياسية والفلسفية الحقوقية الإنسانية المعاصرة ولم يعرفها كقواعد وأنساق قانونية مجردة، لكن فكرة المساواة مثلا وفكرة الإخاء وفكرة العدالة والحرية كانت حاضرة لدى الشعوب القديمة أيضا، وانْهَمّت بها الحضارات القديمة كموضوع فلسفي تأملي، كما نجد ذلك عند الأغارقة القدامى وغيرها من الشعوب كما سنرى.
إذن تأسيسا على كل الذي ذكرت يمكن القول أن موضوع حقوق الإنسان ذو شؤون وشجون شغل القدامى كما لا زال الشغل الشاغل للمعاصرين وما أنتجه العقل السياسي في القرنين الأخيرين لأدل دليل على هذا الذي أومأت اليه..
ولذلك سأسافر بكم في الزمن قليلا والانسان يسافر في الزمن كما يقول الفيلسوف هيدكر الى التاريخ القديم وسنحاول ـن نحفر حفرا أركيولوجيا في بعض النصوص ـــ الحفر هنا بالمعنى الذي أصله ميشل فوكو.
أولا : الحضارة الهندية القديمة :
تعتبر الحضارات الهندية والصينية من أقدم الحضارات التي اهتمت بقضايا العلاقات الإنسانية " إن الهند بقدر اتساعها الجغرافي وغناها الأسطوري والديني كانت لديها عقائد وأعراف وفلسفات تمجّد الإنسان من حيثُ هو إنسان ومن أشهر هذه العقائد، العقيدة البوذية المعروفة ، وهي عقيدة لها اتباع كثر، نشأت في الهند ..( صحيح أن المجتمع الهندي االقديم كان مجتمعا طبقيا وقل إن شئت موغلا في الطبقية والتراتبية الاجتماعية، لكن هناك نصوص هندية تراثية كانت مؤسسة لفكرة العدالة والمساواة حقيقة .
لقد سادت في الهند العقيدة الهندوسية وهي عقيدة تتكّرس فيها الطبقية، ترى الكثير من النصوص الهندوسية و(أقدم نص مقدس هندي هو الفيدا المكتوب باللغة السانسكريتية، وهي أقدم لغة كما يقول اللسانيون) فالإله الهندوسي براهما خلق البرهميّ من فمه والكاشتيرا من ذراعه، والويشا من فخذه والشودرا من رجله أي طبقة العبيد، فكان لكلّ هذه الطبقات منزلته على هذا النحو، وبناء على هذا التفكير يرى أن الطبقات خلقها الله على هذا الوضع ويصبح هذا التقسيم أبديّا فهو من صنع الله ولا طريقة لإزالته، وعلى هذا لا يرتفع أي شخص من قسم إلى قسم، أي هناك طبقة الأسياد والشرفاء وطبقية العبيد ، لا تستغربوا ان سمعتم هذه النصوص التراثية الموغلة في التمييز واللاإنسانية فهذا التقسيم الطبقي الذي يحط من كرامته كانسان، لا زال موجودا ليوم الناس هذا، ومثل هذه الممارسات الرجعية الماضوية التي تحط من شأن الانسان وقيمته لا زالت معطى واقعا ولا شيء يعلو فوق المعطيات ــ في الجنوب الشرقي المغربي مثلا هناك تقسيمات للمجتمع موغلة في العنصرية والتمييز ، حتى الزواج لا يزوجونك اذا كنت "حرطاني" ( هناك من يفسر هذه الكلمة بأنها تعني حر ثاني أي مواطن من الدرجة الثانية ) نفس الشيء في زاكورة هناك مداشر إذا كنت أسمر اللون حتى الجنازة لا يحضرونها معك.
أما المرأة في العقيدة وفي الفقه الهندكي والتصورات البراهموية الهندية القديمة لم تكن شيئا مذكورا، لم تكن إلا تابعة تعيش المرأة لا خيار لها كانت بنتا صغيرة، أو اشابة أو عجوزة فالبنت في خيار أبيها والمتزوجة في خيار بعلها والأرملة في خيار أبنائها وليس لها أن تستقل أبدأ وكان على المرأة أن تخدم زوجها طول حياته ولا تفكر في رجل آخر بعد وفاته وعليها أن تهجر ما تشتهيه من الأكل اللذيذ واللبس الحسن والزينة كلها وتعيش أرملة الى آخر عمرها (( نفس المرجع احمد شلبي مقارنة الأديان اديان الهند الكبرى ص: 77 ))
• ووفق مبدأ النقيض يولد النقيض جاءت بعد الهندوسية البوذية العقيدة الهندية االقديمة كثورة على الهندوسية او البراهمية.
اننا نعثر في تعاليم بوذا على تعاليم كثيرة من تعاليم المساواة والحرية ونشر العدالة يقول المفكر محمد شاهين حمزة في كتابه حقوق الانسان بين الشرق والغرب ص 147 على لسان بوذا " إنه لا فرق بين بين جسم الأمير وجسم المتسول الفقير كذلك لا فرق بين روحيهما كل منهما أهل لإدراك الحقيقة والانتفاع بها في تخليص نفسه" بل أن احقر الديدان هي إخوة للأدميين وهذه فكرة ثورية تقدمية والآن أصبحنا نتحدث عن حقوق الحياونات .
كما تقول البوذية أيضا بفكرة فراغ الطبيعة فهذا الفراغ الموجود في الطبيعة يزيح الحواجز بين أصناف الناس أي فكرة الاخوة الإنسانية كما نعرفها اليوم.
وقد نسبوا الى بوذا أيضا وصايا عشر تبرز فيها مثل عليا للحق الإنساني نذكر منها:
-;---;-----;--- يجب الا تقضي على حياة أي لا تقتل.
-;---;-----;--- يجب ألا تأخذ ما يعطى لك أي لا تتسول ولا تستعط.
-;---;-----;--- يجب الا تقول ماهو غير صحيح أي لا تكذب
اذن جاءت البوذية كي تحطم وتثور وتكسر النظام التراتبي الهندكي الطبقي وتحل محلها المساواة وتنشر العدالة
في الحضارة الصينية أيضا نجد حكمة كومفشيوس الذي دعا الى الإيخاء العالمي والسلام، ونشر العدل والأمن وينسب إلى الحكيم كونفوشيوس قوله " إذا ساد التماثل الأعظم أصبح العالم كله جمهورية واحدة واختار الناس من يحكمهم من أصحاب المواهب والفضائل والكفايات لينشروا لواء السلم الشامل، لكي يهيؤوا سبل العمل للمسنين ووسائل النماء للصغار، ويكفلون الحياة للأرامل من النساء والرجال وعديمي الأبناء، ومن أقعدهم المرض عن العمل.. هناك يكون لكل إنسان حقه وركزت تعاليمه على خدمة الإنسان للإنسان.. هناك تكون كل حقوق الانسان.. هناك تصان شخصية المرأة، فلا يعتدى عليها، وينتج الناس الثروة".
ثانيا : الحضارة اليونانية:
في الواقع لايمكن نكران ما قدمه مفكرو الحضارات اليونانية في ميدان حقوق الانسان من إسهامات كبيرة في هذا المجال فلقد حاول المفكرون اليونانيون إيلاء الانسان وحقوقه قدرا كبيرا من الاهتمام في كتاباتهم، اذ يعد الإنسان أحد أعظم المعجزات في الدنيا على حد قول المفكر اليوناني سوفوكليس قبل حوالي 2500 سنة قبل الميلاد. إلا أن ما يؤخذ على الحضارة اليونانية أنها أقرت الاسترقا،ق ونصت على المساواة الناقصة بالاستناد إلى طبيعة التكوين الإجتماعي والسياسي للمجتمع، وبالتالي فإن المشاركة السياسية والتقسيم الطبقي للمجتمع اليوناني كان ينفي فكرة المساواة المطلقة بين الأفراد، أما طبقة الأرقاء فإنهم على حد قول أرسطو من صنع الطبيعة التي جعلت من العبيد إلا أدوات تخدم الطبقات العليا. أما المرأة في المجتمع اليوناني فكانت مهضومة الحق، إنها لم تكن أوفر حظا من العبيد في نيل حقوقه،ا وكانت تجرّد من كافة حقوقها المدنية ويحظرعليها مزاولة أي عمل من الأعمال أما بخصوص حقوق الملكية، فقد عرف اليونانيون القدماء ملكية الأرض الجماعية.
ونتيجة لما تقدم، يتضح لنا عدم مساواة مطلقة عند اليونانيين، وذلك لانعدام التوازن الاجتماعي الذي كان السمة الغالبة في المجتمع اليوناني حتى ظهرت الفلسفة الرواقية التي نادت بإعادة الاعتبار للإنسان، ومع ذلك نعثر في نصوص اغريقية قديمة ولاسيما ما دونه وحرره الفيلسوف أفلاطون في محاوراته تحديديا في محاورة غورياس أشار إلى مصطلح العدالة واللاعدالة مصطلح الحق مصطلح المساواة الفيلسوف الأغريقي سوفوكليس 2500 قبل الميلاد اعتبر الانسان اعظم الموجودات في الدنيا، كما الف ارسطو كتابا في السياسة ضمنه بعضا من أفكاره في الحق والعدالة أيضا,
ثالثا : الحضارة الرومانية
• أما في ظل الحضارة الرومانية فقد كان التقسيم الطبقي والتفاوت في الحقوق والواجبات هو السمة البارزة في المجتمع الروماني، اذ قسم ذلك المجتمع إلى طبقتين هما طبقة الاشراف وطبقة العامة، فالمساواة امام القانون كانت معدومة بين الطبقتين ولم يعترف للطبقة العامة والطبقة السفلى بحقوق المواطنة، ومنعوا من المشاركة في المجالس الشعبية كما لم يعترف لهم بالمساواة أمام القضاء. بل كان تنطبق عليهم قواعد قانونية خاصة، وعلى غرار الفكر اليوناني فقد كانت المرأة منتهكة الحقوق عند الرومان فلا يحق لها الانتخاب أو الترشيح أو تولي الوظائف العامة وتم تجريدها من حقوقها السياسية والمدنية في مختلف مراحل حياتها، فمنذ ولادتها كانت تخضع لسلطة رب الأسرة المطلقة في كافة حقوقها، ومع كل ذلك يبقى الإرث القانوني الروماني غزير جدا، وكان للرومان اجتهادات ومساجلات في المجال القانوني يعرف قيمته المتخصصون في هذا النسق التخصصي.
رابعا : الحضارة المصرية.
لقد ـسهمت الحضارة المصرية القديمة في مجال حقوق الانسان وحرياته بشكل واضح اختلف عما عليه الحال في الحضارة اليونانية والرومانية، التي اتسمت بالتقسيم الطائفي وانعدام المساواة، حيث إن هدف القانون الذي طبقه اله الشمس حاكم مصر آنذاك، هو تحقيق العدل وإحقاق الحق والصدق، على أساس أنه قانون منزل من السماء، وبالتالي فقد خضع لها لحكام فترة طويلة وبه تحققت سعادة الشعب، وأوجب هذا القانون عدم التفرقة بين رجل مهم، وآخر من أصل متواضع، وعدم ايقاع عقوبة غير عادلة ومساعدة الضعيف وعدم جواز القتل في فترة حكمه.
كما دعا اخناتون بعد ثورته المشهورة إلى التوحيد والسلام والتسامح والرحمة وتحقيق العلم للجميع قدم المعلمون المصريون في إطار التربية والتعليم من المثل المرتبطة بحقوق الإنسان وجد الكثير منها منقوش على قطع من الحجر والخزف،
خامسا : حضارة بلاد الرافدين.
وفي سياق القراءة التاريخية لتطور مفهوم حقوق الإنسان، نرى لزاما ضرورة تسليط الضوء على بعض الإنجازات والمساهمات التي قدمتها حضارات بلاد ما بين النهرين في العراق القديم، ففي بلاد الرافدين كانت هناك حضارات عريقة حثت على وجوب احترام حقوق الإنسان، وجاءت لتشرع لهذه الحماية في قوانيين وتشريعات وصلنا بعضها، مثل قانون حمورابي، فشريعة حمو رابي التي حكمت الدولة البابلية ما بين 2067 و2025 قبل الميلاد ، تضمنت مقدمة حمو رابي ما نصه "أنا حمو رابي الأمير الأعلى، عابد الآلهة كي أنشر العدالة في العالم، وأقضي على الأشرار والآثمين، وأمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء وأرعى مصالح الخلق "وشريعة حمو رابي كما يعرف المهتمون الذين يشتغلون في حقل التاريخ بأنه نقش أثري بابلي وجد في بلاد سومر فك شفرته خبراء الانتروبولوجيا والأركيولوجيا وهي الواح معروفة على كل حال عند المؤرخين والمهتمين وشريعة حمو رابي التي تضمنت ما يزيد عن 200 مادة وبند بلغة القانونيين المعاصرين بفصولها ونصوصها كانت تدور حول فكرة تحقيق ونشر العدالة والمساواة بين الناس، كما وضعت شريعة حمو رابي عقوبات للسارق والنهب ومنها أيضا حقوق حفظت حقوق المرأة كما يحكم قانون حمو رابي عن الساحر بالموت الذي يضر الناس ويكذب عليهم ويختلس أموالهم .
وعلى الرغم من القيمة القانونية التي يحظى بها قانون حمورابي، لما تضمنه من تأكيدات وتقريرات بالغة الأهمية في حقوق الإنسان وصون كرامته، وكبح شهوات طغيان السادة والحكام، غير أن عيوب ونواقص كثيرة قد ظهرت ولا تـزال تظهر في هـذا القانون، حيث إنه لم يصل كاملا، وإنما وصلت منه قطع غير مترابطة. كما تميز قانون حمورابي أيضا بإقرار قانون الثأر والذي يتنافى مع مبادئ العدالة وجوهر الإنسان، حيث كان يؤمن هذا القانون بمبدأ العدالة الفردية، بالإضافة إلى إقراره بمبدأ ملكية الأرض من قبل شخص واحد هو الملك، وتشدد أيضا في فرض العقوبات القاسية التي تتنافى مع الطبيعة البشرية، حيث أجاز بتر الأعضاء البشرية والإنسان لا يزال على قيد الحياة، وأجاز قتل الإبن بدل أبيه وهو ما يتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان والعدالة والشرائع السماوية.
نفس الشيء قد ينسحب على سكان شمال افريقيا، فسكان شمال افريقيا مثلا كانت لهم أعراف متقدمة جدا كانت تهدف بالدرجة الأساس إلى صون كرامة الانسان وحفظ حقوقه، والمرأة عندنا في شمال افريقيا حكمت اذا كانت عدد كبير من شعوب وأمم الأرض اليوم لا زالت تناقش بتشنج أهلية المرأة في السياسة وقدرتها على التدبير في الحكم . فإن المرأة عند المغاربة القدامى حكمت وتولت الحكم ومن أشهرهن الملكة بويا ولذلك في منطقة الريف لا يزال يحتفظ الناس بسمفونية ولازمة غنائية يرددونها في إبداعاتهم وانتاجاتهم الشعرية والغنائية لثقلها الرمزي ((رالا بويا )) بل هناك آراء ومواقف تاريخية تشير إلى أن بويا كانت أول مؤسسة للنظام الدمقراطي في العالم..
نفس الشيء يقال عن الحضارة الإسلامية وان كان هذا الموضوع حقيقة يحتاج الى مقاربة وورقة خاصة ومستقلة. لقد جاءت شريعة السماء المتمثلة في القران الكريم في سياق سوسيوثقافي مهزوز ومأزوم ومعطوب سادت فيه قيم الظلم والقهر والاسترقاق، ووأد البنات وقيم الثأر، لقد أعادت الشريعة الإسلامية الاعتبار للإنسان من حيث هو إنسان، ففي التنزيل نجد نصوصا كثيرة تؤسس لهذه الفكرة "ولقد كرمنا بني آدم" ذلك أن الانسان مكرم في شريعة الإسلام، وضمن الإسلام حق الحياة، والحق في التعلم والتسامح وقبول الآخر ومبدأ المساواة، الحرية، العقيدة، حرية التعبير عن الرأي والشورى، حرية التنقل واللجوء، وحق العدل، العمل، وحقوق المرأة والطفل. ويصنف الأستاذ عابد الجابري حقوق الإنسان في الإسلام إلى :
حقوق عامة هي الحق في الحياة والتمتع بها، وحرية الاعتقاد والاختلاف والشورى والمساواة.
وحقوق خاصة هي البرّ والعفو للمستضعفين وحقوق المرأة ومن ثم نرى أن الحضارة الإسلامية لعبت دورا مهما في تطوير وإنضاج وعي الإنسان بحقوقه وحرياته الأساسية، وللإسلام تنظير وتصور وفلسفة خاصة لحقوق الانسان سيما حينما يعتبر حقوق الناس هي حقوق الله أيضا مثل الزكاة وغيرها. ومن أهم النصوص الحديثية التي وصلتنا وهي تلامس عمق وجوهر ما يصطلح عليه اليوم بحقوق الانسان.
-;---;-----;--- الإنسان أخو الإنسان أحب أم كره.
-;---;-----;--- كونوا عباد الله إخوانا.
-;---;-----;--- الدين المعاملة.
-;---;-----;--- الخلق كله معي الا لله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.
-;---;-----;--- الناس سواسية كأسنان المشط.
في التراث الإسلامي أيضا نجد نصوصا وتقريرات ثورية ومتقدمة جدا اذا ما قيست بالسياق العام الذي تبلورت فيه لا تختلف من حيث الجوهرُ عما هو مقرر في المواثيق الدولية اليوم لحقوق الإنسان ومن أهم النصوص التي نعثر عليها ونحن نقدم هذه القراءة التاريخية البارونامية الكرونولوجية لحقوق الانسان ما كتب علي ابن أبي طالب وهو يرسل "الأشتر النخعي" حينما عينه واليا على مصر في رسالة طويلة من أبرز ما جاء فيها ((وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم إشارة الى العدل هنا فإنهم صنفان:ٌ إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق ومن بين ما يؤثر عليه أيضا قوله (لا تكن عبدا وقد خلقك الله حرا)، والقولة الشهيرة لعمر ابن الخطاب متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا وهو المبدأ نفسه الذي سيتم اقراره كمادة أولى في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دسمبر جونيف 1948 يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق وقد وهبوا عقلا وضميرا وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الاخاء. بل هناك من يعتبر الحرية هي أم الحريات وبنود الإعلان العالمي لحقوق الانسان هي فصول في الحرية.
نفس الشيء يمكن قوله عما كتبه "اخوان الصفا" الذين حرروا ما يزيد عن خمسين رسالة في الفلسفة والدين واللغة وأسّسوا لفكرة الاخاء والمساواة والتسامح، لكن نكب بهم وأحرقت كتبهم كما فعل تماما مع المعتزلة. إن المعتزلة كمدرسة فلسفية كلامية أسست للعقلانية وناقشت مبدأ الحرية كاختيار، وكانت فكرة ثورية جدا في النسق الذي انبثقت فيه، كما ناقش المعتزلة مبدأ الحرية واعتبروا الانسان حرّ في اختيار أفعاله، وكانت هذه شجاعة فلسفية كبيرة لكن سرعان ما نكّب بهم واحرقت كتبهم لأن مؤسسة الخلافة لم تجد حسب بعض المؤرخين في الأطروحة المعتزلية ما تبرّر بها استبدادها، بينما وجدته في المنظومة السلفية الحنبلية الاورثوذوكسية الذي يروا أن الخروج عن الحاكم حرام، وطاعة الحاكم واجبة حتى وان كان مغتصبا كما يقول الغزالي، ومأساة العقل الإسلامي في التاريخ الاسلامي مسلسل آخر يحتاج الى مقاربة وورقة بحث مستقلة. ولا غرابة أن ينتصر الغزالي الذي حرم الاشتغال بالفلسفة على ابن رشد الذي كان آخر صوت نبه المسلمين الى استخدام العقل ... أضف إلى ذلك ما كتبه بعض الفلاسفة المتصوفين أمثال الحلاج وابن عربي وابن الرومي ولاسيما ديوانه الشعري الذي سماه بالمثنوي : الرجل كان يقول رجلي اليمنى راسخة في الشريعة، وأطوف برجلي الأخرى على مذاهب ونحل الدنيا كلها كإشارة عميقة من ابن الرومي الذي أنْسَنَ خطابه الى التسامح وقبول الآخر، والأخيرة من أبرز المبادئ التي تأسّست عليها فلسفة الأنوار، وفلسفة حقوق الانسان عموما. ولذلك أحد الدارسين الغربيين يقول سأخصّص ما بقي من حياتي لدراسة ما كتبه رجل عظيم كابن الرومي، إنه أنتج خطابا إنسانيا كونيا متسامحا نحن في مسيس الحاجة اليه في هذا الاتون الحضاري الذي نمت فيه قيم التوحش والنزعة الرفض والكراهية.
ما يهم من كل هذا الذي ذكرت، أن الشعوب القديمة والقدامى عموما اهتموا بدورهم بفكرة حقوق الانسان واهتدوا بدورهم الى مجموعة من الحقوق الإنسانية والنظم التي وجب للفرد أن ينتزعها ويتمتع بها، وقد حاولنا ابراز هذه الاطروحة من خلال حفر وتفتيت بعض النصوص القديمة. كمفاهيم وكتصورات ولم تكن حاضرة عندهم كقواعد قانونية مجردة ، ومصطلحات نظرية نسقية دقيقة كما هو الشأن اليوم في الفكر الحقوقي والمواثيق والمرجعيات الفلسفية الدولية لحقوق الانسان.
وفي العصور الوسطى ظهر فيلسوف كبير كان له تأثير قوي جدا في هذا المسار، وناقش مجموعة من المبادئ كحرية الاختيار، من أشهر المقولات التي تنسب لهذا الفيلسوف قوله: إننا نكون سادة على أفعالنا إذا ما استطعنا أن نختار هذا أو ذاك ليأتي ديكارت بعده بنص ودرس فلسفي مشهور عنونه ب "الحرية كاختيار" ولا يخفى على أحد أيضا اسهام صاحب المنهج الشكي في التأسيس للعقلانية الحديثة، نفس الشيء قد يقال أيضا عن الحركة الانسية التي تبلورت مع الفيلسوف الهولندي ايرازم في القرن 15م التي اعتبرت الانسان محور وصلب اهتمامها.
نستنتج من كل هذا أن الاهتمام بحقوق الانسان والاهتمام بالحرية والمساوة والعدالة اهتمام قديم وتبلور ذلك سيروريا كامتداد تاريخي.
إننا حينما نتحدث عن مراحل ومحطات حقوق الانسان لا بد من التوقف مع محطة بارزة وهي الثورة الفرنسية. قبل التطرق لهذه الأخيرة نقترح السؤال التالي الذي نراه مشروعا ، ما الذي مهد لظهور خطاب حقوق الانسان بالشكل والصورة التي نراه عليه اليوم؟ وما الأسباب التي فجرت الثورة الفرنسية وجعلت أوروبا نقتلع حضاريا وأنوالايا أن شئنا ؟؟
1) الثورة الفرنسية
وفق المبدأ الجدلي الهيكلي النقيض لا يولد ويفرز إلا نقيضه، فالنقائض تتصارع دائما في سيرورة التاريخ أعني هنا ما الدوافع التي كانت وراء تبلور الثورة الفرنسية التي غيرت أركان أوروبا بأكملها وتأسست عليها فرنسا الحقوق، فرنسا الديموقراطية، فرنسا الحديثة، فرنسا الانوار .
لقد عاشت أوروبا عصورا من التخلف والقهر والاستبداد الكنسي الكهنوتي، وسيطر كهنة المعبد في أوروبا على الحياة وأنفاسها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وشدّدوا الخناق على منافد الحياة، وأعدموا العلماء كما فعلوا مع كاليليو كاليلي، وتحالفوا مع الاقطاع والملوك لتكريس الاستبداد، فقمعت الجماهير واضطهدت أيما اضطهاد، ومورس عليها العسف والبطش بشتى تشكلاته وتجلياته، وفرضت صكوك الغفران، لقد كانت الكنيسة دولة داخل دولة ان جاز هذا الوصف، وكان يحق لها قانونيا أن تفرض الضرائب والإتاوات على الشعب، عامل آخر تمثل في انتشار المجاعة بسبب المديونية والحروب التي دخلت فيها فرنسا، ولذلك الثورة الفرنسية يسميها بعض المؤرخين بثورة الخبز أو ثورة الدقيق بسبب الطبقية وبنية المجتمع الإقطاعية، طبقة تعيش الفقر المدقع، وطبقة أخرى تعيش في النعيم والبذخ والترف (قصر فرساي نموذجا) .وكان لابد للإنسان الفرنسي أن يبحث عن خلاص ومخرج توج بالثورة والاحتجاجات واسقاط النظام الارستقراطي الاستبدادي الملكي..
إذن كانت هناك عوامل كثيرة ساعدت وساهمت في اندلاع الثورة الفرنسية لكي تطالب بالعدالة والمساواة ولذلك يقال قبل الثورة الفرنسية كان هناك السيد والمسود وبعد الثورة الفرنسية أصبحنا نتحدث عن الإنسان - المواطن، والثورة الفرنسية كانت ثورة حقوقية فكرية ( بخلاف الحراك الاجتماعي أو ما سمي بالربيع الديموقراطي عندنا كان حراكا شبابيا عفويا لكن لم يكن مؤطرا برؤى استشرافية أي ما بعد الحراك (البدائل)، ولم يكن يتأسس على خلفيات فكرية ولا يتكئ على سند وبناء اديولوجي متين، ولم يكن المثقف حاضرا ولذلك نجحوا في الغرب في اسقاط الاستبداد رغم الثورات المضادة التي وقعت في أوروبا أيضا، وفشلنا نحن في اسقاط الاستبداد والبقرطة ) لقد استندت الثورة الفرنسية الى فكر الحركة الانسية النهضوي، وفلسفة الانوار التي خلفها مونتسكيو في روح القوانين، وجون جاك روسو في نظرية العقد الاجتماعي وتعتبر أفكار فولتير الذي عرف بعدائه الشديد للكنيسة استندت من أهم وأبرز الأفكار التنظيرية التي ألهمت الثورة الفرنسية، ومجموعة من أفكار فولتير نجد صداها في اعلان حقوق الانسان والمواطن الصادر في فرنسا سنة 1789.
• يقول المؤرخ الفرنسي فرانسوا ألارد
تألفت الثورة لقمع ما يعرف بالنظام الإقطاعي وتحرير الفرد والتوزيع العادل لملكية الأرض وإلغاء امتيازات النبلاء وإنشاء المساواة وتبسيط الحياة... تختلف الثورة الفرنسية عن الثورات الأخرى في كونها ليست فرنسية فقط، بل تهدف إلى إفادة البشرية جمعاء.
لقد كانت الثورة الفرنسية من هذا المنطلق اذا حدثا مفصليا في تاريخ فرنسا، والثورات التي قامت بعدها كالثورة البولشفية في سنة 1917 استلهمت مجموعة من قيم الثورة الفرنسية وكان للمرأة حضور قوي في الثورة الفرنسية (مسيرة النساء الى قصر فيرساي التي حركتها إشاعة بعدما علم الجميع ان انطوانيت زوجة الملك لويس 18 تخبئ الدقيق والقمح وهو سبب هذه المجاعة).
• الثورة الفرنسية شكلت ضربة قاضية للكنسية وللنظام الملكي الاقطاعي وسقوطهما في نفس الفترة كان دليل وأضع على تحالفهما ضد الطبقات الشعبية المسحوقة.
ولذلك أول خطوة قام بها الثوار في مسلسل الدمقرطة والعلمنة في الغرب هو استرجاع الأراضي التي كانت تمتلكها الكنيسة التي قدرت ب 10 في المئة من مجموع الأراضي، ووضعها في يد موظفين مدنين وتم اعتبار الأساقفة كغيرهم من المواطنين والموظفين المدنيين ، وهنا سيظهر مصطلح sucular لأول مرة الذي سيتحول فيما بعد مرادفا للعلمانية أي فصل الدين عن السلطة.
وقامت الثورة على الشعارات الثورية والمبادئ المعروفة: المساواة، الحرية الإخاء.
وستستلهم الثورة الروسية البلشفية مبادئ الثورة الفرنسية لتثور بدورها على النظام الملكي القيصري سنة 1917 وستصل البروليتاريا الى الحكم وسيتم اصدار اعلان ودستور سوفياتي يتضمن تقريبا 128 مادة تنص كلها على حقوق الإنسان.. إلا أن ما يسجله المهتمون بالفكر الحقوقي يرون أن الثورة البولشفية التي استندت بالدرجة الأساس على الفلسفة الماركسية ركزت على الحقوق الاقتصادية بخلاف الثورة الفرنسية والأمريكية التي استندت الى أفكار ليبرالية أي تقديس الفرد وركزت على الحقوق السياسية والمدنية..
2) حقوق الانسان الأصول والاسس الفلسفية:
خطاب حقوق الانسان الذي سيتوج بإصدار وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الانسان في دسمبر 1948 في جونيف هو خطاب قام على أسس فلسفية، إنه قام أساسا على فلسفة الأنوار مع مونتسكيو وجون جاك روسو، وفولتير، وكانط ، وأفكار هوبز في الحق، وسبينوزا.. ولذلك سأحاول فيما تبقى أن أطرق ولو سريعا للأسس النظرية والمنطلقات الفلسفية التي تأسس عليها خطاب حقوق الانسان، هي عصارة ثمرة وزبدة فلسفة الانوار والأخيرة نتاج واسهام جميع الأنساق الثقافية العالمية منذ ما قبل الميلاد ولذلك التيارات النكوصية الارتدادية والتيارات السلفية يعتبرون بأن الإعلان العالمي لحقوق الانسان هو خطاب غربي صرف، وهذا أمر فيه جهل بالتاريخ وجهل بالذاكرة والقيم الجماعية التي تجمع البشرية والإنسانية جميعا.
• خطاب حقوق الانسان هو ابن التجربة التاريخية كما يقول المفكر المغربي محمد سبيلا.
يقول المفكر الفرنسي تودوروف أيضا: التنوير ليس امتيازا للغرب وحده ولكنه مشاع انساني وقيم كونية .
ان فلسفة الانوار التي بدأت في القرن الثامن عشر للميلاد من أهم المنطلقات الابيستيمولجية والنظريية التي قام عليها الإعلان العالمي لحقوق الانسان، إنها تعتبر بحق معْلمة رئيسية بعبارة محمد سبيلا نفسه، وسماها أيضا "بالمختبر الفكري" التي انبثقت داخل بوتقته فلسفة حقوق الانسان. إن مجموعة من أفكار منظري وفلاسفة الانوار ستجد طريقها الى المرجعيات الدولية لحقوق الانسان كمبدأ التسامح ومبدأ الحرية ومبدأ المساواة ..
يقول الأستاذ محمد سبيلا :
قد يكون من الأدق الإشارة إلى أن مفهوم حقوق الإنسان قد انبثق في سياق فكر تصب فيه ثلاثة روافد:
– فكرة الحرية أو الحريات
– فكرة العقد الاجتماعي
– فكرة الحق الطبيعي
ويرى أيضا ان الروح التي تسكن مفهوم حقوق الانسان هي روح أنوارية عبر ما أسماه بصراع الانوار بمطلقية وتعسفية السلطة ومن ثمة فإن الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان هي: العقلانية، والمشروعية التاريخية – والنزعة الفردانية، والوضعانية القانونية. وهذه الأسس هي بمثابة الأرضية الفكرية التي ازدهرت على بساطها مقولات الحق الطبيعي أي الحقوق سابقة عن الدولة وانما نشأت الدولة لتصون وتحمي الحقوق والحريات وهي غاية نشأتها، والعقد الاجتماعي ومبدأ المساواة، والحريات الأساسية للإنسان، فالأصول هنا تقوم على أرضية الأسس" بالإضافة الى التحولات التي شهدتها الحضارة الاوربية في الانساقا العلمية الصلبة بعد الاكتشافات الجغرافية التي تغير معها مفهوم ونظرة أوروبا الى الكون والعقل.
اذن خطاب حقوق الانسان هي منظومة لها خلفياتها ومرتكزاتها وكل فهم أو تأويل لحقوق الإنسان لا يراعي هذا السياق التاريخي الأصلي، وهذه المرتكزات إنما يقدم تصورا قاصرا عن هذه الحقوق، لأنها في الأصل كتلة فكرية واحدة قائمة على أرضية الحداثة. لقد ارتبطت فكرة حقوق الإنسان بالنـزعة الفردانية، الممجدة لحرية الفرد ولإرادته وعقله، بفكرة العقد الاجتماعي، كفكرة ضابطة للأصل البشري التعاقدي لكل سلطة، بفكرة الحق الطبيعي القائمة على وجود حقوق طبيعية راسخة وقبلية لدى الإنسان، أهمها الحرية أم الحقوق الإنسانية جميعا.
وسأتوقف معكم الان مع نماذج من التصورات والطروحات الفلسفية مع بعض منظري فلسفة الانوار التي تحولت بعد ترسيخ فلسفة الحق وبناء الدولة المدنية الحديثة الى واقع سياسي وثقافة شعبية سائدة ومد اجتماعي وجودي معاش ومتجذر، فمفهوم حقوق الانسان ليس مفهوما منعزلا بل هو جزء أساس من ترسانة الفكر السياسي الحديث المتمثلة في الديمقراطية.
-;---;-----;--- قراءة في بعض المواقف الفلسفية :
1) مبدأ التسامح الديني عند جون لوك:
( التسامح كحق من الحقوق المعلن عليه في الإعلان العالمي لحقوق الانسان له أصول نظرية في فلسفة الانوار)
إنك حينما تتأمل رسالة جون لو في التسامح الديني وما حرره في هذه الرسالة التي تقع في حوالي 90 صفحة تلمس فيها عمقا ونضجا وروحا إنسانية عالية، نحن في مسيس الحاجة اليوم الى تباشيرها في سياق تغولت قيم التوحش بين البشر بدعوى الاختلاف الديني والتطيف والتمذهب.. ان التسامح الديني حسب جون لوك ان تقبل الآخر المختلف الديني المختلف في العقيدة كما هو وكما يريد أن يكون دون أن تلحق به وبممتلكاته الضرر لكونك تعتقد أنه على غير هدى، ولا يجوز حسب جون لوك لأي كان ان يعنف آخرا مختلفا في الدين وتحت أي ظرف كان ..
يقول " لا يحق لشخص بأي حال من الأحوال أن يضرّ بممتلكات الغير المدنية أو أن يدمّرها بدعوى أن هذا الغير يؤمن بدين آخر، أو يمارس شعائر أخرى ، اذ لا بد من المحافظة على حقوقه الإنسانية والمدنية باعتبارها حقوقا مقدسة ، انها لا تخضع للدين ويجب الاحتراز من ارتكاب أي عنف أو ضرر في حق هذا المسيحي وفي حق شخص آخر غير مسيحي على السواء .. ويقول أيضا « انه لا الافراد ولا الكنائس ولا الدول لديها أي مبرّر عادل للاعتداء على الحقوق المدنية وسلب الآخرين أموالهم الدنيوية بدعوى الدين " ويعتبر أيضا جون لوك من أبرز فلاسفة الانوار الذين أصلوا وبلوروا مفهوم الحرية، سيما ما حرره في كتابه "الحكومة المدنية " فهوى يرى أن البشر أحرارا متساوين مستقلين بالطبع ويرى أنه يستحيل تحويل أي إنسان عن هذا الوضع واكراهه للخضوع لسلطة انسان آخر دون موافقته.
الصورة التي انتشرت في صفحات التواصل الاجتماعي في السويد قررت احدى البلديات ان تهدم احدى المساجد الصورة تظهر عدد من الملاحدة والمسيحيين واليهود تسلسلوا تضامنوا تضامنا رمزيا وكانوا ضد فكرة هدم المسجد، انها تجسد بصورة أو بأخرى هذا المعنى الجونلكي أن جازت النسة.
2) فصل السلط مع منتسكيو: وهي من مشمولات وضمانات حقوق الانسان أي من حق الانسان أن يتمتع بهذا الحق.
مونسكيو له كتاب ضخم جدا يقع في جزأين روح القوانين ويتالف كل جزء من 500 صفحة موسوعة حقيقة
يرى مونتسكيو انه في أي دولة دولة توجد ثلاث سلط : السلطة التشريعية تشرع وتسن القوانين والنظم، وسلطة تنفيذية أي الحكومة وسلطة قضائية هي التي تحكم في النزاعات التي تنشأ بين الافراد .. انها سلطة تصدر الاحكام وتعاقب الجناة الخارجين عن القانون دورها مجتمعة توفير طمأنينة النفس للمواطنين ويجب على الحكومة في (الاطروحة المونتسكيوية) ان جازت هذه النسبة أيضا ان تكون في مستوى تضمن للمواطن ألا يخاف من مواطن آخر . مونتسكيو حينما دعا الى فصل السلط وفك بعضها البعض حتى لا تكون مركوزة ومتركزة في يد شخص واحد وقدم في كتابه روح القوانين الذي يقع في جزأين مبررات عقلية ، يرى منتسكيو ان السلط والأجهزة الثلاث المذكورة حينما تجتمع في يد شخص واحد فانه لا يعود أي مكان للحرية لان هذا الشخص سيصدر قوانين استبدادية وسيطبقها أيضا بطريقة استبدادية : يقول لن تكون هناك حرية بالمرة اذا لم تكن السلطة المتعلقة بإصدار الاحكام منفصلة عن التشريعية والتنفيذية واذا اجتمعت هذه السلط في يد هيئة او شخص واحد فان كل شيء سيتعرض للضياع ..
3) الحرية عند سبينوزا إن الغاية من تأسيس الدولة حسب سبينوزا الفيلسوف الهولندي المعروف الملقب عندهم في أوربا بالملعون وهو الفيلسوف الذي كان ديكارتيا اكثر من ديكارت نفسه، بمعنى انه استعمل المنهج الشك الديكارتي في كل شيء حتى في العقائد الدينية والايمانية وهو ابن الكنيسة)) اذن الغاية من تأسيس الدولة حسب سبينوزا ليس هو تحويل الموجودات العاقلة الى حيوانات او الات بل ان المقصود منها هو اتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم كي تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام ، بحيث يتسنى لهم استخدام عقولهم استخداما حرا، أي أن سبينوزا كان من فلاسفة الحق الطبيعي والاطروحة المركزية التي تقوم عليه هذه المدرسة أن الحقوق والحريات الإنسانية سابقة عن نشوء الدولة إنما وجدت الأخيرة فقط لكي تصون وتحمي هذه الحقوق والحريات الإنسانية..
اذن الحرية هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة، ان الشرط الضروري لقيام الدولة هي أن تنبع سلطة اصدار القرار من الجماعة أو من بعض الافراد أو فرد واحد ولما كانت أحكام الناس إذا ما تركوا أحرارا اختلفوا فيما بينهم كل الاختلاف ولما كان كل فرد يظن انه وحده الذي يعلم كل شيء ونظرا انه من المستحيل ان يفكر الناس ويعبروا عن أفكارهم بطريقة واحدة فانهم ما كانوا ليعيشوا في سلام لو لم يتخل كل فرد عن حقه. بحيث يتنازل كل فرد من افراد المجتمع عن جزء من حقوق مقابل ان تضمن له الدولة العيش في سلام، وتحدث أيضا سبينزا عما اسماه المشاغب العاصي الذي يستنكر قانونا صدر من السلطات العليا ويرى فيه ظلما واجحافا ويحاول الغاءه. ويتحدث في المقابل عن المواطن اصالح الذي يستنكر كما يربط سبينوزا في كثير من نصوصه بين العدالة والتقوى
والمواطن من حقوقه حسب سبينوزا له الحق ان يبدي ويمارس نقده للقانون لكن حسبه في حدود ما يضمن الامن الداخلي للدولة .
• ينظر في هذا الصدد لمن أراد ان يعمق معرفته واطلاعه في مواقف السياسية الحقوقية كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة
• سبينوزا أيضا انتصر لحرية التعبير وحرية التفكير باعتبارها من اهم الأسس والحقوق الطبيعية للإنسان
• يقول أيضا ان دعاة الفتنة هم أولئك الذين يدينون كتابات الاخرين ويثيرون غضب الشعوب ضد مؤلفيها"
• ان مثيري الشغب الحقيقيون هم الذين يريدون في دولة حرة القضاء على حرية الراي التي لا يمكن قمعها"
• يقول أيضا في الحرية يستحيل سلب الافراد حريتهم في التعبير عما يعتقدون
• الاعتراف بهذه الحرية حسب سبينوزا لا يهدد حق السلطة العليا او هيمنتها
وغيرها وغيرها من التصورات والاجتهادات الفلسفية التنويرية بحيث سيجد الكثير من مبادئها طريقها الى ديباجة حقوق الانسان ، ا اووبا الحديثة هي نتاج هذه الصيرورة من المرجعيات والأفكار التنويرية الحية
اذن انطلاقا من هذه المرجعيات سواء الليبرالية المرتبطة بالثورة الامريكية والثورة الفرنسية التي أعطت لنا ما يسمى الجيل الأول من الحقوق أي الحقوق السياسية والمدنية والمرجعية الاشتراكية التي ركزت على الحقوق الاقتصادية الآن اصبحنا نتحدث عن جيل ثالث من حقوق الانسان وهو حق المجموعات الثقافية واللغوية والبيئية داخل دولة معينة أي الحق في الهوية الثقافية واللغوية ..
لقد حاولت في هذه الورقة ان وأبرز المشروعية التاريخية لخطاب حقوق الانسان وانغراس أصولها في التاريخ الحضاري للبشرية .
إن ثقافة حقوق الانسان ليست ثقافة غربية صرفة انها منظومة متكاملة من انتاج واسهام كل الحضارات التاريخية المختلفة، انها لم تكن إلا سيرورة وامتداد.
المراجع المعتمدة:
1) روح القوانين لمونتسكيو
2) رسالة في التسامح لجون لوك
3) حقوق الانسان بين الفلسفة والدين حسن مصطفى باشا
4) في التأسيس الفلسفي لحقوق الانسان (نصوص مختارة) محمد سبيلا وبنعبد العالي ومصطفى لعريصة