فِدراليتنا بلا فدراليين، وبلا فدرالية أيضاً

ياسين الحاج صالح
2016 / 4 / 8

يمكن للفدرالية أن تكون بالفعل حلاً ناجعاً لغير مشكلة سياسية وتنموية وإثنية في سورية، البلد الذي لا يملك تراثاً مهماً من التفكير والنقاش في شأن نظامه السياسي.
من أبدى ما يفترضه تفكير جاد في شأن الفدرالية التي قررها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال سورية يوم 17 آذار من هذا العام شيئان أو ثلاثة. أولها، وجوب استشارة السكان المعنيين في شأن المشروع المقترح، فإذا كانت الفدرالية السورية المفترضة ستقوم بين متن سوري ما وبين مناطق يكثر فيها السكان الكرد، محافظة الحسكة ومناطق من حلب، فأول ما يلزم هو إحصاء السكان في هذ المناطق من قبل جهة محايدة، تثار بشأنها أقل الشكوك.
وفي المقام الثاني يلزم معرفة حدود المقاطعات الفدرالية، والاعتبارات الدافعة إلى تمييزها بهذا الشكل لا بذاك، ومن يحددها، وعلى أية أسس. ما يمكن أن يجعل الفدرالية خطوة نحو الاتحاد والسلام لا نحو التفرّق والحرب هو أن يجري تحديد المقاطعات الفدرالية على أسس معلنة مقنعة، تسهل ضمان السلم والتعاون في المقاطعات، وفي الدولة الفدرالية ككل.
وبعد الإحصاء النزيه المأمول وتحديد المقاطعات الفدرالية، لا بد من استفتاء السكان، حول رأيهم في شأن الفدرالية، التي يتعين أيضا شرحها شرحات مختصراً وواضحاً للجميع، وأن يتاح لأنصارها وخصومها الدعاية العلنية لمشاريعهم. فليس هناك وجه عادل لتجاهل رغبات السكان في شأن سيتأثرون به كل التأثر.
يُفترض أن الفدرالية صيغة اتحادية تجمع مقاطعات مستقلة تحافظ على استقلال ذاتي، أو هي تدرأ عن بلدان مخلخلة الكيان انقساماً داهماً قد يقترن بصراعات عنيفة. وهي في كل حال تستوجب استشارة السكان بما يحد من الصراعات ويضمن الاتحاد.
في تاريخها الطويل، قلما كانت سورية دولة مركزية ، خلافا لمصر، وبصورة ما للعراق القديم، ولليمن، وكذلك لإيران. وحين لم تكون سورية الحالية أو "سورية الطبيعية" ككل ولاية أو ولايات متعددة تابعة لامبراطورية أوسع (والامبراطويات قائمة على "التنوع" تعريفاً)، كانت في تاريخها المديد، قبل الإسلامي وبعد الإسلامي، أقرب إلى إطار لدول- مدن. وبصرف النظر عما إذا كان ذلك يجعل الفدرالية صيغة أنسب للنظام السياسي، فإنه كاف للتشكيك في صلاحية نموذج الدولة المركزية في بلد كهذا. التاريخ مُحكِّم، ومن لديه تاريخ كتاريخنا، لديه سند مفيد للتفلت من الأهواء وللحكم بين الأهواء.
ولا تكفي الحقبة الأسدية، وحقبة سورية الحديثة ما بعد الاستقلال عموماً، معياراً للتقرير في شأن الصيغة الأصلح لحكم بلد متنوع البيئات الجغرافية والمناخية والاجتماعية والثقافية رغم صغره، مثل سورية. وبينما قد يكون صحيحاً أن الطغيان الأسدي وتمركز الدولة والسياسة والحياة العامة حول حافظ ثم حول سلالته ليس نتاجاً مباشراً محتوماً للمركزية السياسة، فإن المركزية لا تنصب أي عوائق في وجه الطغيان. وعليه فإن تاريخ البلد الأقدم القائم على التنوع والاستقلال الداخلي وغياب الدولة المركزية، والتاريخ الأحدث الذي اقترنت المركزية فيه بالطغيان وبحريين داخليتين كارثيتين، يدفع نحو نظر أكثر جدية نحو خيار الفدرالية.
والحال أن المرء لا يتبيّن نظراً كهذا، ليس عند من اعترضوا على فدرالية الاتحاد الديمقراطي وتابعيه، ولكن لدى هؤلاء أيضاً. لا شيء يدل على إحاطة بتاريخ البلد الاجتماعي والسياسي، لا شيء يدل على على احترام التنوع الاجتماعي والثقافي للسوريين أو لسكان مناطق المقاطعة الفدرالية المفروضة، لا شيء يدل على حس بالعدالة والنزاهة وحسن السياسة، لا شيء يدل على الرغبة في إثارة نقاش عام والتداول في شأن مستقبل سورية ونظامها السياسي. ولا شيء بخاصة يدل على وجود فدراليين أو نصف فدراليين.
فإذا كان للفدرالية أن تكون صيغة مناسبة لاتحاد سوري، يطوي صفحة التصورات القومية والمركزية لسورية، يقتضي الأمر أن تكون النخب السياسية جادة في شأنها، وأن تعني بالفدرالية الفدرالية وليس شيئاً آخر، وإن تقوم الفدرالية على تفاهم سياسي عريض، وتُراعى مقتضيات قيامها من استشارة السكان وتوفير تمثيل فعال لهم، ومن توفير بيئة أكثر ملاءمة للاتحاد في البلد ككل، وفي المقاطعات الفدرالية.
وفي كل حال السؤال عن الصيغة الأصلح للتنظيم السياسي لسورية أهم من أن يجري التفكير فيها في سياق من وقائع معلومة وغير معلومة من صنع عدم الثقة بين السوريين، ونشر أجواء نقاش وتفكير متوترة، بل مسمومة.
وعدا ما سبق من الحاجة إلى تعريف الفدرالية نفسها، ومن ضرورة الإحصاء السكاني، ما قد يساعد في الحكم على جدية أي مشروع لفدرالية في سورية هو مدى التوافق بين هذا والمشروع وبين تفكير وسياسات تشكيلات سياسية الداعية إليه والعاملة من أجله. هل ندفع نحو الفدرالية بتشكيلات سياسية فدرالية التكوين والوعي، أم هي مركزية وقومية التكوين والوعي؟ هل التفكير في الفدرالية متوجه نحو العدالة والاستقلال الذاتي للجماعات، أم نحو خدمة أوهام السيطرة والسيادة؟ وإذا كانت منطقة الجزيرة في سورية مقاطعة فدرالية مثلاً، فهل ستكون العلاقات بين سكان المنطقة، الكرد والعرب والسريان والتركمان والأرمن، فدرالية هي ذاتها، أما أنها ستخضع لكيان مركزي، ينسخ بنية العلاقة بين المركز السوري اليوم، دمشق، والمناطق السورية، على نطاق "روجآفي"، على ما هو راجح اليوم؟
في مواجهة الكيان الفدرالي الناشئ، يلزم الدفاع فعلاً عن حق السكان العيانيين في الحكم الذاتي وتقرير المصير، لا عن الحكم المركزي. مشكلة هذا الكيان ليست صفته الفدرالية، بل خلوه منها، وامتلائه، بالمقابل، بمنزع قومي مركزي، تسلطي وتوسعي.
سورية ككل بلد لا يناسبه حكم مركزي، سواء نظرنا إلى تجربتنا خلال خمسين عاماً، بل سبعين عاماً منذ الاستقلال في واقع الأمر، أو إلى سوابق تاريخية عبر مئات السنين وألفياتها. لكن ليس أي تلفيق للفدرالية يمكن أن يكون مثمراً، بالعكس يمكنه أن يمدد تمديداً غير مستحق في عمر دولة مركزية كانت غولاً فتاكاً، أو مدخلاً إلى حروب وخسارات لا تنتهي للجميع.
أخطر شيء على فكرة الفدرالية في سورية هو ضرب مرتجل مُزوّر منها، "يحرق" فكرتها نهائياً ويجعل منها قناعاً لأشكال من التكاذب، من الضرب المألوف جداً في بلدنا. وليس في المشروع المقرر، وفي إخراجه الركيك، ما يخرج قيد أنملة على الارتجال والغش والمُزايدة، مما كان الطبيعة الثانية للحكم البعثي في سورية طوال أكثر من نصف قرن.
ليست اللامركزية مجرد ضرورة ديمقراطية وتنموية في سورية، إنها قبل ذلك ضرورة لحسن تحاور وتجاور السوريين المختلفي المنابت، وللتدرب على الحكم الذاتي. وهذا منطلق أصلح لإنصاف تطلعات الكرد السوريين إلى الحرية والعدالة والاحترام في مواطِنهم.