حي الشيخ مقصود .. جبل النار والمقاومة

بدر الدين شنن
2016 / 4 / 8

لمحة واقعية :
كان اسمه جبل السيدة .. ثم صار جبل الشيخ مقصود .. وبعد ذلك حي الشيخ مقصود .. ثم صار جبل النار .. جبل المقاومة .. وهو الآن موضوعياً خط الدفاع الشمالي عن مدينة حلب .. عاصمة الشمال السوري .. وطنية .. واقتصاداً .. وحضارة .. ضد هجمات وغزو الإرهاب الدولي والعثماني .. وصار بصموده رمزاً .. ولغزاً .. وحصناً .

* * *

بعد أن جددت كتائب الإرهاب السلطانية ، قصفها لحي الشيخ مقصود ، وقامت في( 7 / 4 الجاري ) ، بإطلاق صواريخها الحاملة للغازات السامة على سكانه ، التي أدت إلى استشهاد وإصابة عدد من المواطنين الأبرياء ، والتي جاءت بعد سلسلة من عمليات القصف للحي ، بما فيها الكيميائية ، في آذار الماضي ، وأدت بمجملها إلى أكثر من مئة شهيد ومئات المصابين ، صار كل متابع لحرب الإرهاب على حلب ومحيطها ، يبحث جاداً عن جواب لسؤال بات مطروحاً عسكرياً وسياسياً : لماذا حي الشيخ مقصود .. لماذا تتكرر الهجمات الإرهابية المتوالية لاحتلاله .. ولماذا تنهال الصواريخ وقذائف الهاون بما فيها الكيميائية والغازات السامة عليه بالذات ، بهذه الكثافة والتواتر والخسائر ، أكثر من غيره من أحياء حلب الأخرى ، وتضرج الأرض والجدران فيه بالدماء البريئة .

ومن لا يعرف حي الشيخ مقصود جيداً ، في ماضيه وحاضره ، ومكوناته العفوية التعددية ، لن يعرف خلفية رمزيته .. ولغزه .. ومناعته الحصينة . وخلفية اهتمام الإعلام العالمي بأخباره ، ووصول أصداء أحداثه إلى مجلس الأمن الدولي .

ليس في الشيخ مقصود ، مناجم ومصادر للثراء ، ولا يدل مستواه المعيشي الشعبي ، على ثروات مكنوزة في بيوته وأزقته الشعبية . إنه تجمع سكاني عفوي ، تعددي ، تكون خلال المئة عام الماضية ، من المسيحيين الفقراء الهاربين من غلاء وتعذر السكن في المدينة ، ومن الفقراء الكرد المهاجرين من ريف حلب الشمالي ، ومن اللاجئين الأرمن الباحثين عن ملاذ آمن ، هرباً من المذابح العثمانية العنصرية الهمجية ، ومن فقراء المدينة بعامة ، الذين جذبهم رخص ثمن الأرض والسكن ، وجمعهم مع من سبقهم إلى السكن في المكان الجديد ، الرجاء بحياة شعبية متجانسة .

وغدا هذا التجمع حياً نموذجياً ، في التعايش ، والتجاور ، والتساكن ، والتشارك في مقومات الحياة التي يوفرها هذا الحي الجديد .

* * *

ومع اكتمال بناء مقومات الحي ، نهضت فيه أكثر من كنيسة ، وأقيم فيه أكثر من مسجد . بيد أن سكانه المؤمنون ، يؤمنون بإله واحد ، ويعتنقون الديانات السماوية وتفرعاتها الطائفية والمذهبية . ونهض فيه مجتمع تعددي الأصالة والتاريخ ، لكنهم ينتمون إلى الوطن السوري الواحد .. الذي يحضن الجميع بكل مجالات المواطنة .. وشؤون حياتهم .. وأمنهم .. ورعاية حاضرهم ومستقبلهم .. مؤلف من الكرد ، والعرب ، والأرمن ، والسريان .
وإذا كان قد يفهم من تعداد خصائص حي الشيخ مقصود ، ومنها ، أنه حي شعبي عل تماس قريب من خط الفقر ، وتكمن فيه حساسيات المكونات التعددية الا ثنية والعرقية ، ما قد تشكل نقاط ضعف في ظروف معينة ، إلاّ أنه يتمتع بمزايا قوة هامة جداً ، تشكل محاور صراع مع الجماعات الإرهابية الدولية والعثمانية ، في حلب ، ومحيط حلب . وتوضح بنصيب كبير ، لماذا هذه الصواريخ والقذائف النارية ، والكيميائية والغازية السامة تنهال عليه .. ولماذا المجزرة المستمرة بحق سكانه جميعاً .

من أبرز هذه العوامل ، المستندة إلى الأصالة التاريخية التعددية ، هي مقاومة الحي للجماعات الإرهابية المسلحة وخاصة المشحونة بالعنصرية العثمانية ، ورفض الخضوع لها ، وإسقاط رهان هذه الجماعات ، على ما قد تفرزه التعددية الاثنية والعرقية من ضعف في بنية الحي السكانية ، يمكنها من السيطرة عليه ، واستخدام موقعه وسكانه ، في التقدم ، لاحتلال أحياء هامة مجاورة له ، والسيطرة التامة على مدينة حلب .
بيد أن القوى الوطنية في الحي ، حولت هذه التعددية ، من خلال القناعة بالمصير الواحد ، إلى مصدر قوة ، وجعلت من الحي قلعة صلبة بوجه الجماعات الإرهابية المسلحة ، ومن خلفها مطامع ، وحشود أردوغان السطانية .


* * *

وعلى ذلك يمكن التأكيد ، على أن الهدف المقصود الرئيس من القصف الإرهابي السلطاني على الشيخ مقصود ، هو تدمير البنية التعددية الصلبة لسكان الحي بكل انتماءاتها التاريخية ومسمياتها ، وتوظيف ذلك في سوريا كلها .
بمعنى أن حي الشيخ مقصود .. في ظروف الامتحان الوطني .. ظروف اشتداد وطيس حرب الإرهاب الدولي على الوطن .. لم يكذب أهله .. وصمم أن يكون حراً وكل وطنه حراً .. وصمم أن يحول دون أن يتحول الحي إلى مقبرة لخصوصياته ، وتعدديته .. ودون أن يدفن تحت أنقاضه الشيوخ والأطفال .. يئنون .. وينزفون حتى الموت .

ولأن أردوغان لم يجد في الحي المقاوم .. في جبل النار .. من يكون حاضنة لجماعاته الإرهابية ، وعوناً له على احتلال حلب ، أطلق الكتائب الإرهابية السلطانية .. كتائب السلطان مراد .. والسلطان محمد .. ونور الدين الزكي وغيرها .. وجبهة النصرة .. وأطلق الصواريخ بكل أنواعها الوحشية المدمرة على الحي المقاوم .. وعلى سكانه .. الذين لكل منهم ثأراً لحروب ومجازر السلطنة المنقرضة ضده .. إن في الماضي أو الحاضر .

إن نبض المقاومة الوطنية .. في جبل النار .. جبل الشيخ مقصود .. هو سوري الإيقاع .. والقوة .. وجزء من النبض المقاوم في كل مكان في سوريا .. حيث الشرفاء يتصدون للغزاة الهمجيين .. الكفرة بعدادلات السماء والأرض .