راب تونسي : كلاَيْ بِي بِي جِي

ضياء البوسالمي
2016 / 4 / 6

بالنسبة للإنسان الذي لم يعد لديه وطن، تصبح الكتابة مكاناً له ليعيش فيه.
ثيودور أدورنو


قد تنطبق مقولة الفيلسوف الألماني أدورنو على كلاي لأنّ هذا الرابور لاذ بقلمه ليعبّر عمّا يختلج في صدره و ما يعانيه من إضطهاد و قمع من السّلطة. يعبّر كلاي عبر نصوصه عن المشاكل و الأوضاع المتردّية و ما تعانيه الطّبقة الكادحة من تهميش و فقر، فمن قلب باب جديد تخرج أغاني كلاي لتعلن عن رفض القمع و التّوق إلى الحريّة. و لعلّ هذا الرابور هو من أكثر فناني الراب نشاطا على السّاحة ( تقريبا بمعدّل أغنية كلّ شهر في الفترة الأخيرة ) و قد أعلن في أكثر من أغنية أنّه يعادي البوليس و يتحدّى طغيان السّلطة و قد إتهى به الأمر في السّجن – كالعديد من فنّاني الراب – بتعلّة القانون 52 الذي أصبح وسيلة لتكميم أفواه كلّ الأصوات الحرّة في البلاد. فترة الإيقاف كان لها أثر كبير على مستوى النّصوص التي أصبحت أكثر عنفا و موجّهة أساسا لمحاربة النّظام و قد شهدت هذه الفترة أيضا تعاطفًا كبيرًا من الشّعب ممّا أدّى إلى ظهور حملات تدعو إلى إطلاق سراحه. و يمكن أن نضع هذا الرّابور في خانة فناني الراب المقاطعين للإعلام الذي يهدف إلى الهيمنة و خدمة أجندات سياسية فحتى بعد خروجه من السّجن لم يكن ظهوره الإعلامي لافتا و هو ما يدلّ على ثباته على مبادئه.
”لسنا للبيع !“
كلاي بي بي جي هو الرّابور الذي يمثّل معاداة النّظام، فضح تجاوزات البوليس (الذي يخرق القانون و يقمع أبناء الشّعب) كما لا يمكن أن ننسى توجيهه سهام النّقد لكلّ الأحزاب السّياسية في تونس مهما كانت توجّهاتها الإيديولوجيّة و هي مجموعة من المواضيع التي تسجّل حضورها في كلّ أغنية تقريبا.
– أبو القاسم الشّابي : خُلِقْتَ طَلِيقًا كَطَيْفِ اُلنَّسِيم
– كلاي : هذِي لُغَة قدِيمَة مَا تجِدِّشْ علِيك يَا زكِيم !

●-;- حشِينَاهُولْنَا : في هذه الأغنية مع فينيكس يعبّر كلاي عن الوضع الذي أصبح موجودا بعد الثّورة، فالمتمعّن في النّص يلاحظ حالة الغضب من خلال الإندفاع الذي نحسّه من خلال الكلمات. يؤكّد كلاي أنّه ثابت و مصرّ على محاربة السّلطة “ديما ضدّ السِّيسْتام” وهو ما يُبرِز الطابع المتمرّد للأغنية فالمقطع الخاص بكلاي فيه دعوة صريحة للثّورة من جديد لأنّ الطبقة السياسية التي إنتخبها الشّعب (وهذا ما يعتبره هذا الرابور خطأ وجب إصلاحه) لم تكن في المستوى المطلوب لا بل إنّ السّلطة أصبحت تعاقب كل من يتوجّه لها بالنّقد هذا ما أدّى إلى الحدّ من الحريّات و تسليط قمع البوليس على الشّعب. ”حريّة التّعبير في بلادي تونس محدودة“.
لقد بيّن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز أنّ مهّمة الفيلسوف تتمثّل أساسًا في خلق و إبداع مجموعة من المفاهيم والحقيقة أنّ عنوان هذه الأغنية ”حشيناهولنا“ هي كلمة لا نجدها قبل كتابة هذا النّص وهو مصطلح يعبّر عن إحساس لطالما رافق الأغلبيّة التي ندمت عندما شاهدت نتائج الإنتخابات. ههنا ينتقل الرّابور ليحتلّ مكان الفيلسوف و يتكفّل بمهمّة خلق المفاهيم و لكن بطرح آخر و بلغة يفهمها العامّة و بكلمات يمكن أن تحدث ثورة لأنّها من الشّارع تخرج و إليه تعود.
●-;- كَلِمَات لَكَمَات : نصّ هذه الأغنية يجعلنا نتعرّف على شخصيّة كلاي و أهمّ مرجعيّاته، فهو أعلن أنّه سيواصل الحرب بقلمه و كلماته لنصرة جميع القضايا العادلة التي يدافع عنها و الحقيقة أنّ إختيار ”عنتر بن شدّاد“ كمثال يكشف عن شخصيّة متمرّدة عن القواعد والقوانين كذلك يمكن أن نستنتج أنّ الرّابور يستمدّ قوّته من الرّوح الحماسيّة التي عرف بها شعراء الجاهليّة و هذا ما يؤكّده هذا النص الذي يُظهر الرابورالذي يحمل قضيّة و لا يتوانى في إبلاغ صوته. كما نسجّل أيضا إستدعاء لشاعر فذّ آخر و هو ”المتنبّي“ في إحالة على بيت الشّعر الشهير ”ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن“ غير أنّ كلاي يُبْدِعُ – كالعادة – في تَوْنَسَةِ هذا البيت و مجاراة المتنبّي مع تغيير كلّي للمعنى إذ يؤكّد أنّ العزيمة هي أصل كلّ نجاح و أنّه من الممكن بلوغ الهدف رغم كلّ العراقيل:
هُونِي فِي زُكّ الرِّيَاح تنِيكْ الحَالَة السُّفُن
و يواصل كلاي تأكيده على أنّه في حالة حرب ضد الكلّ ”في بلاد الكرّ و الفر طحانة بالآلاف“ ثمّ يشير إلى أنّه يعتبر الشّاعر لتّونسي عبد الرحمان الكافي من المراجع التي يعتزّ بها ”يرحم عبد الرّحمان الكافي“ أما بقيّة النّص فهي دعوة إلى الثّورة ”تعلّم السّلاح كيفاش يتهز“ و تحريض على رفض الواقع مع التّأكيد على مواصلة الدّرب و مقاومة النّظام ”قلمي حبره ناري وهجه عليكم ساري“.
●-;- شِيلُونَا : هذا النّص يمثّل مقومة لطغيان البوليس و قمعه للمناضلين. كلاي يتحدّى بقلمه كلّ سلطة جائرة بطريقة مباشرة دون أيّ صور أو إيحاءات، ثمّ نلاحظ أيضا تأكيدا على معاداة أصحاب السّلطة و السّياسيين عموما و تذكيرهم أنّ الرابور يبقى دائما صوت الحق و لا ينتمي لأي طرف سياسي ”ولد حوم لا أنتمي مستقلّ إلى يوم مماتي“ و يشير كلاي إلى إنعدام حريّة التعبير فمن الممكن أن يُحَاكَمَ الفرد من أجل فكرة دون أن ننسى القانون عدد 52 و الذي أصبح وسيلة للضّغط على الشباب و إسكات صوت المناضلين لذلك فإنّ مهمّة الراب في هذا الوضع المزري هي المقاومة و التّصدي لكافة أنواع القمع ”هوني الفكرة لن تموت“.
●-;- جُونْتََة قَبْلَ اُلنَّوْم :
أعطيني جونتة نومي … أريد أن أرقد في سلام … أريد نسيان قوم غدار خوان
هذه الأغنية هي من أكثر أغاني الراب تحديا للقانون عدد 52 فكلاي أراد من خلال هذا النص أن يفسّر و يفضح النوايا الحقيقية للسّلطة من لال تطيق هذا القانون الذي يُستعمل لإلهاء الشّعب عن القضايا لحقييّة و كأنّ مهمّة السلطة الأساسيّة هي إيقاف مستهلكي الزطلة. يعبّر كلاي عن معاناة أبناء الشّعب ”عايش في صحراء خراب قاحلة“ المضطهدين لا من الفقر و الحرمان فقط بل من السّلطة و البوليس
تونس شربحنا منك تره عليك القلب كرز تره فقر و ميزيرية حنشة في اللارية عالينا شادد عصاه
يرى كلاي أنّ التّمرد ضروري لتغيير الأوضاع بما أنّ السّلطة لا تهم بالمشاكل و المطالب الحقيقيّة للشعب ”النّظام في تحطيمنا محنّك“.
●-;- رِسَالَة إِعْتِذَار : العنف و المباشرتيّة هما أهم خصاص هذا النص الذي كان مساندة لولد 15 إثر إيقافه ضمن الحملة التي شنّتها السّلطة على فناني الرّاب و الحقيقة أنّه ضمن كلّ الأغاني الي كانت تطالب بإطلاق سراح ولد15 كانت ”رسالة الإعتذار“ الي وجّهها كلاي أهمّها و أكثرها تأثيرا. قد فهم هذا ارابور أن عنف السّلطة و البوليس لا يمكن مواجهته إلا بالعنف و البذاءة فجاء العنوان كمغالطة لا تعكس مضمون نصّ الأغنية التي تبدأ بتوجيه خطاب مباشر يتوعّد فيه كلاي السلطة لتّنفيذية و القضائية.
شديتو ولد15 حندرتوه مع قضائكم توّة شدولنا صرامكم باش نحشيوه معاكم
بداية هذه الأغنية تُحوّل أصحاب السّلطة (بما في ذلك القضاء) إلى متّهمين فتنقلب الأدوار و تُتَاحُ للفنّان فرصة محاسبة الظالم لا بل إنّ الأمر لا يقتصر على أصحاب لسلطة بل و المعارضة و البوليس و أي كان له علاقة بالدّولة لقد إختار كلاي الحرب على الكلّ
قانونكم كيما وزيرم ميبون
قضائكم مع بوليسكم ي كلسون
إحترم نحن المتمردون
إلي يظلمنا تناك أمّو عصبة للقانون

لقد سخّر كلاي بي بي جي قلمه لخدمة قضايا تتعلّق بحريّة التعبير و الدّفاع عن الطّبقة المهمّشة من أبناء الشّعب الكادحين، أسلوبه المباشر و نصوصه العنيفة و طبعه الثّائر كلّها عوامل جعلته في صراع مباشرو مستمر مع أصحاب السلطة بمختلف توجّهاتهم الفكريّة مع العلم أن هذه العراقيل لم تمنعه من مواصلة مشواره و إيصال صوته رغم مقاطعته لوسائل الإعلام و هو لا يتردّد في كلّ مرّة ليبيّن أنه ثابت على مبادئه و لعلّ أغنية لسنا للبيع خير دليل على ذلك.