العصبية والسياسة: ملاحظات على كتاب -دائرة الخوف- لليون غولدسميث

ياسين الحاج صالح
2016 / 4 / 3

يتناول كتاب "دائرة الخوف، العلويون السوريون في الحرب والسلم"، تاريخ العلويين منذ القرن التاسع الميلادي، وما نالهم من تهميش واضطهاد إلى زمن ظهور الكيان السوري الحديث في نهاية الحرب العالمية الأولى. في االكتاب الذي نشر عام 2015 بالانكليزية، وصدرت ترجمته العربية هذا العام (عن الدار العربية للعلوم ناشرون، ترجمة عامر شيخوني) يرى المؤلف أن ذاك التاريخ الممتد إلى ألف عام من العزلة والتمييز قد أبقى العلويين موحدين في مواجهة "التعصب السني". العصبية العلوية التي انبنت على هذا التوحد هي التي استند إليها نظام حافظ الأسد في حكم سورية لثلاثة عقود، قبل أن يُورِّث الحكم لابنه. يعتمد غولدسميث بصورة واسعة على نظرية ابن خلدون في العصبية وأعمار الدول عبر أجيال ثلاثة. وبينما يرصد ملامح ترف في الجيل الحالي من دولة العصبية العلوية، فإنه يعيد تماسك هذه العصبية إلى أطروحة مكملة لنظرية ابن خلدون بحسبه، أطروحة الخوف الطائفي، وتحديداً خوف العلويين من الأكثرية السنية.
هذه هو لب حجاج الكاتب في كتاب ليس صغير الحجم (372 صفحة في الترجمة العربية). يفسر السياسة بما دون السياسة، بالعصبية، فلا يتساءل عما إذا كانت العصبية ذاتها مصنوعة سياسيا، إن في سنوات تخمرها الطويلة عبر ما عاناه العلوينن من فقر وهامشية واضطهاد، أو بصورة أوضح في سنوات الحكم الأسدي. وبينما كان يفترض أن تقوده أطروحته المُكملة، الخاصة بالخوف الطائفي، إلى الصفة السياسية والصنعية للعصبيات، وإلى احتمال أن يكون الخوف ذاته صناعة سياسية، فإن ركون الكاتب غير النقدي، بل الدوغمائي فعلا، إلى نظرية العصبية عند ابن خلدون، حال بينه وبين أن يطل على الديناميات الاجتماعية والسياسية والفكرية المولدة للعصبيات، أو الانتباه إلى عمليات التماهي والتماهي المضاد نزع التماهي التي تتكون وتتوزع بموجبها الهويات الثابتة المزعومة. فعلى سبيل المثال، لم يكن يتميز زي النساء في الأرياف السوري بحسب الجماعات الأهلية، وكانت تمايزاته المحتملة أوثق اتصالاً بشروط البيئة، لكن عمليات التماهي والتماهي المضاد سارت في اتجاهات متصلة بعملية صنع الهويات بفعل ارتفاع الطلب السياسي عليها، ومن قبل "الدولة" أساساً. ويحيل كل عنصر تماه يجري تمثُّله (السفور/ الحجاب، في هذا السياق) إلى عنصر مضاد يجري نبذه (الحجاب/ السفور)، مع التكتم على هذه العملية وعلى تاريخها والحقل الاجتماعي السياسي الذي تجري فيه، بحيث تبدو الهويات معطيات قديمة ثابتة، بينما هي في واقع الأمر نتاج تماهيات حديثة، عمر بعضها لا يزيد على جيل واحد أو جيلين. ويمكن الإشارة أيضاً إلى تراجع التماهي العربي الذي كان قوياً حتى سبعينات القرن العشرين، لكن لا توظف اليوم من أجله غير طاقات فكرية ونفسية ومادية متضائلة. هذه عمليات يمكن الاستفادة من ابن خلدون نفسه في شرح جواب منها، بخاصة ما رصده من ترابط بين الغلبة والتقليد (المغلوب مولع بتقليد الغالب... لظنه المغلوط بكماله)، وهو ما يظهر الطابع السياسي لعمليات المحاكاة والتماهي. وفي كل حال لا تفهم هذه العمليات انطلاقاً من أي هويات سابقة عليها، بالعكس، الهويات، تشكلها وصعودها وانحلالها، وتفاعلاتها وائتلافاتها، هي ما تفهم عبر التفكير في عمليات الغلبة، والتماهيات المحرضة بها، وفي محركاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبالطبع في الإطار الدولي المؤثر بصورة تفاضلية على الغلبة والتماهيات المحلية (وهو عنصر لم يكن يمكن التفكير فيه أيام ابن خلدون).
ليس هناك أية حتمية طبيعية تقرر "خوفاً طائفياً" عابراً للأزمنة بين السنيين والعلويين في سورية، لا في أزمنة سابقة ولا في زمننا المعاصر. وبدلاً من تفسير السياسة بطبائع غير متغيرة، كان ينبغي تفسير هذه الطبائع المزعومة ذاتها بالنظر في بنى وأنماط إنتاج وإعادة إنتاج السلطة، وأشكال ممارستها، وصيغ توزيع الموارد في سورية المعاصرة.
وما يختم به المؤلف النيوزيلندي كتابه من أن "المخرج الوحيدة للطائفة [العلوية] هو في إيجاد طريقة لتجاوز خوفهم الطائفي، والتخلي عن حكم عائلة الأسد، والسعي إلى التصالح مع الطائفة السنية" لا يستقيم إن لم يكن الخوف سياسيا ويمكن التغلب عليه بالسياسة، وإن كان العلويون والسنيون طوائف معطاة قبل السياسة والدولة، وبصرف النظر عنها. مصالحات الطوائف تبقى هشة، تنقلب على ذاتها بسهولة، إن لم يجر تجاوز الطوائف ذاتها، وعمليات إنتاجها السياسية. وهذا ما لا تُسعف فيه ممارسات خطابية ترى كائنات عابرة للأزمنة، اسمها العلويون والسنيون، والمسيحيون وغيرهم. ليست هذه الممارسات بدورها مبرأة من السياسة، إن من حيث منشئها بالارتباط مع المسألة الشرقية والخطاب الاستشراقي، أو من حيث مآلاتها المفتوحة فقط نحو مصالحات طائفية أو نظام "توافقي"، يُحول الطوائف إلى "شعوب"، على ما صار يقال في لبنان فعلا. أو أيضا من حيث افتراضها صلاحية نظرية عمرها أكثر من 600 عام لدراسة مجتمعاتنا اليوم، الأمر الذي يفترض انعزال هذه المجتمعات عن عالم اليوم من جهة، وتواصلها مع ما يفترض أنه عالمها بالأمس دون إشكال من جهة ثانية. وليس في توسل ابن خلدون لدراسة مجتمعاتنا المعاصرة ما يقطع مع تقاليد الاستشراق، بل هو مواصلة لتلك التقاليد التي تصدر عن اختلاف تكويني بين مجتمعات الشرق والغرب، مع ركْز لواء هذا الاختلاف في بنى عقدية وأنثروبولوجية غير متغيرة. ومن ذلك مثلاً أن كلمة تعصب ترد في كتاب غولدسميث مقرونة بالإسلام وبالسنين حصراً، كأن التعصب جوهر خاص بعقائد، وليس علاقة اجتماعية مشروطة سياسياً ومتغيرة تاريخياّ. هذا بدوره إرث أوربي، متأصل في القرون الوسطى، وفي التنوير ذاته.
والحال أنه عدا انضباط أطروحة المؤلف الأساسية، شرح النظام الأسدي بعصبية علوية متماسكة بفعل خوف طائفي مستقل عن الدولة والسياسة، فإن مجمل كتابه وفي للممارسات الخطابية التي تعود بأصولها إلى الاستشراق. المحليون لا يحضرون إلا كشهود ثانويين، أو "مخبرين محليين"، والكاتب الذي يقرأ العربية لا يحيل إطلاقا إلى كتابات سورية (أو لبنانية) في الشأن الطائفي. بالمقابل، يتوسع في اعتماده على مصادر إسرائيلية وغربية تكتب عن سورية دون معرفة حية، دون مودة وتفهم. وتحليلات هذه المصادر ساكنة في عمومها، تتعامل مع هويات قارة، وتفتقر إلى الحس الجدلي والدينامية عموماً، ولا تغطي على سطحية مثل هذه المقاربات تكنولوجيا كتابية وبحثية تتضمن إحالات وفيرة إلى مصادر غربية أو شهادات محلية مأخوذة كيفما اتفق، مع شفعها بإشارات متناثرة إلى وقائع محلية، تُظهر قلة بضاعة المؤلف في هذا المجال بدل حسن اطلاعه. لا يبدو أنه يعرف مثلا بوجود معارضين علويي المنبت قضوا سنوات في سجون النظام غير لؤي حسين في ثمانينات القرن الماضي، وعارف دليلة في سنوات بشار. ويورد معلومة منسوبة إلى موقع إلكتروني إسرائيلي عن رفع صور فريد الغادري في دمشق وحلب وإدلب، قبل أن يعزز الخبر بمصادر من حزب الإصلاح الذي كان أسسه الغادري نفسه في أميركا في عام 2005، هذا قبل أن يستنتج التالي: "يوضح ظهور الصور أن الغادري يتمتع بالتأييد في سورية، مما أثار غضب وحفيظة الأسد"! ويتكلم على واقعة صحيحة، اعتقال شبان سوريين بسبب أنشطتهم على الانترنت عام 2007، ومستندا إلى مركز ممري الأميركي الموالي بشدة لإسرائيل ينسب إلى ضابط حقق معهم القول لوالد أحد المعتقلين: "هؤلاء الشباب أخطر من القاعدة، لأنهم ينتمون إلى كافة الطوائف". ليس هذا الكلام مما يتكذب عن ضباط المخابرات الأسديين، لكن المؤلف يبني عليه أن الطالبين الذين نالا الحكم الأشد، 7 سنوات (الباقون حكموا بخمس سنوات لكل منهم)، ينبغي أن يكونا علويين، وهذا دون أن يكون بحوزته معلومة مباشرة عن الموضوع. وليست المشكلة أن استنتاجه غير صحيح (واحد من السبعة علوي، في واقع الأمر)، المشكلة هي الاستغناء بمعرفة "طبائع العمران" الأسدية عن اطلاع مباشر على الوقائع المعنية من أجل التقرير في صدق الأخبار وكذبها. هذا نهج خاطئ حتى لو كانت معرفة الكاتب لتلك الطبائع مميزة. ومعرفة غولد سميث ليست كذلك في الحقيقة.