لتحديد نهاية النفق والحرب

بدر الدين شنن
2016 / 4 / 3

من المؤكد بمكان ، أن تحرير الجيش السوري مدينة تدمر ، من احتلال الإرهاب الدولي ، قد حقق إنجازاً عسكرياً مميزاً بكل المقاييس ، وفتح آفاقاً واعدة ، في مناطق أخرى في الحرب السورية ، وحدد السمت السياسي الداخلي ـ باتجاه معادلات تعزز الالتزام الوطني ، والعمل الأكثر مرونة ، في التلاقي والاتفاق بين السوريين ، داخل الحكم وخارجه ، لإنقاذ البلاد من الاحتلال والغزاة .. وإعادة بنائها .

إذ أن تحرير تدمر ، ليس مجرد معركة عسكرية ، تميزت بالذكاء والشجاعة وخبرة استخدام السلاح المتعدد المتطور ، أو تحرير مساحة جغرافية واسعة أحدث تغييراً استراتيجياً ، أو تحرير مدينة تاريخية لها أهميتها العالمية .. وحسب .. وإنما هو أيضاً حدث حمال أبعاد سيادية ، وسياسية ، واقتصادية ، ومعنوية ، على المستوى السوري ، وحدث له ارتداداته الإقليمية والدولية ، التي تفرض دون أدنى ريب ، على المتورطين والمتآمرين ، إعادة النظر بأدوارهم في الحرب السورية ، وبتقييماتهم السلبية الخاطئة ، لقدرات الجندي السوري .. والدولة السورية ، وتنعكس ولابد على علاقاتهم مع سوريا ، سواء على مستوى العلاقات الدبلوماسية المجمدة ، أو المقطوعة ، أو على مستوى العقوبات الاقتصادية التي فرضت ظلماً وتعسفاً على الشعب السوري ، أو على مستوى التضامن مع الدولة السورية ضد الإرهاب والأطراف الداعمة له ، لاسيما بعد أن اقتحم الإرهاب ، باريس ، وبركسل ، ويهدد بالمزيد .

ومن المفترض من طرف آخر ، أو يؤدي الانتصار التدمري ، إلى تحرير أجواء جولات المفاوضات المقبلة بين المعارضات السورية ونظام الحكم ، من كثير من الأحقاد والترددات ، ومن أوهام وشروط " الصفقة " غير الواقعية .. وغير الدستورية .. التي سميت زوراً " حل سياسي " للعدوان والحرب والنزعات السلطوية الداخلية في آن ، والتي كان يجب أن يتم بمقتضاها ، تسليم نظام الحكم السلطة للمعارضات .. وبخاصة المعارضات المسلحة المتحالفة مع الجماعات الإرهابية الغازية .. وإلى التحول إلى أجواء مطابقة للأجواء التحررية الجديدة .. أجواء توفر فرص بناء الثقة ، وتعزيز الوحدة الوطنية الدستورية الديمقراطية .

كما أنه من المفترض أيضاً ، مع عملية إزالة الألغام والعبوات الناسفة المدمرة ، من أرجاء تدمر الجريحة النازفة .. من المفترض إبطال ألغام ، وأ فخاخ المخططات السياسية الأجنبية والرجعية ، الهادفة إلى تفكيك الدولة السورية وشعبها ، التي كان يجري العمل على تحقيقها ، في لقاءات ومؤتمرات " أصدقاء سوريا " الكاذبة المتآمرة . وكذلك من المفترض انقشاع غيوم الحلول المرتبطة بسراب " العولمة " والمشاريع الإقليمية التوسعية ، والمذهبية الرجعية المتطرفة ، التي كانت تحجب ، لدى فئات وشرائح من الشعب السورية ، رؤية الآفاق والمسارات الحقيقية ، للوصول إلى طموحاتها المعيشية الكريمة .. وإلى الحرية .. والديمقراطية .. والعدالة الاجتماعية .. التي تنشدها .. وقدمت وتحملت الكثير من أجلها .

وعلى ذلك صار من البديهي ، أن يكون ما بعد الحدث التدمري ، مختلف عما هو قبله ، على كل المستويات ذات صلة بالأزمة السورية .. والحرب على سوريا .
كما يمكن القول ، أن تحرير تدمر وانعكاساته على المصير السوري ، أنتج إضافة جديدة في المفهوم القيمي الجمعي . إذ تحول التحرير الوطني التدمري ، إلى معيار .. وطني .. وعقلاني .. وأخلاقي .. حسب صحة ، أو جهالة الخلفيات .. المساعدة .. أو المخربة في ظروف الحرب الوطنية .
في اللحظة الراهنة لدينا موقفان .. الموقف الوطني الشعبي الأصيل ، الذي يتأجج افتخاراً وفرحاً بتحرير تدمر ، ويتطلع بحماس وثقة ، إلى تحرير كل المناطق السورية التي يحتلها الغزاة . ولدينا موقف مغاير ، هو موقف من ما زالت تتحكم بهم لعنة .. ولغة .. الجري وراء الكسب السلطوي بأي ثمن .. بما فيه عبر مناورات المفاوضات .. موقف الذين يقللون من قيمة تحرير تدمر العسكرية والسياسية ، بل ويشككون بخلفياتها وأهدافها ، ويصنفونها ضمن ألاعيب نظام الحكم ، لتلميع صورته الشعبية والدولية ، وتحسين موقفه في مفاوضات " جنيف 3 " المقبلة . بيد أن خلفية هذا الموقف هي أن انتصار تدمر قد أحبطهم ، وأضعف إلى حد كبير رهاناتهم على خسائر الجيش السوري ، وهدر المزيد من دماء شهدائه ، لتحقيق مكاسب تفاوضية .. وسلطوية .

إن أسوا ما يقوم به أصحاب هذا الموقف ، في حراكهم الراهن ، هو أنهم يحاولون أن يضعفوا ، أو يطفئوا الأضواء التي جذبتها تضحيات وشجاعة ، وانتصارات الجيش السوري المتلاحقة في الفترة الأخيرة ، التي كان تحرير تدمر ذروتها ، وصار محفزاً لتحقيق انتصارات أخرى ، وذلك بالتقليل من دور الجيش في الحرب الوطنية القائمة ، لتغطية تواطؤهم ، وتحالفهم مع الجماعات الإرهابية المسلحة ، ولتسويغ تلاعبهم بأولويات الاستحقاقات الوطنية السورية في اللحظة الراهنة . حيث يضعون في المفاوضات " هيئة الحكم الانتقالية المالك لكامل الصلاحيات " أولاً ، دون برنامج سياسي وعسكري متكامل .. يتجاوز بصدق وموضوعية ما يجري نحو الأفضل ، بديلاً للوحدة الوطنية ، والعمل الوطني السياسي والعسكري التحرري المشترك لإنقاذ البلاد من الإرهاب الدولي .

لقد آن الأوان ، للنظر إلى وراء .. وإلى الحال الراهن .. والمستقبل ، بعيون وقلوب مفتوحة ، غيورة على الوطن وكرامته ومصيره . النظر إلى وراء ، حيث سقط مئات آلاف القتلى والمصابين ، وملايين المشردين النازحين والمهجرين ، وحيث التدمير الفظيع الذي حصل إرواء للأحقاد والتخلف والتطرف ، وحيث استباحة الوحوش " الجهادية .. والثورية .. المنافقة " للكرامات والأملاك الشخصية والعامة ، بشكل لا مثيل له حتى في أزمنة المغول والتتار . النظر إلى الحال الراهن ، حيث تتواصل مجزرة تدمير ، البشر والحجر والشجر ، بدون موعد محدد ، وضمان سياسي وأخلاقي وإنساني دولي لإنهائها .

ما يستدعي السوريين .. وخاصة النخب السياسية والثقافية ، للإجابة بشرف ووطنية ومبدئية على سؤال : هل تستحق سوريا وشعب سوريا وأطفال سوريا ، أن يدفعوا هذا الثمن الرهيب ، لتحقيق " تحولات " بالتعاون مع الأجنبي المعادي ، وقد كان يمكن الوصول إليها ، بوسائل سلمية ديمقراطية ، بنضالات أثمانها قطعاً أقل بكثير .. مقارنة بما حص ويحصل .. وبقرار مستقل .. وبوقت أقل .. ما شكل جريمة وطنية كبرى ، زجت الشعب السوري في نفق أزمة سياسية ، تتسم بالأنانية والعبثية والخيانة ، لانهاية منظورة له . وإلى اندلاع حرب مغرقة بالدمار والدماء .

وعلى ضوء ما جرى ويجري ، من القتل والتدمير ، وفي ظل غياب الحل الوطني السياسي العقلاني .. كيف يمكن .. ومن يجرؤ على .. النظر إلى المستقبل ؟ ..

وإزاء ذلك ، وحتى تفهم استحقاقات الحاضر والمستقبل ، ينبغي عدم نسيان أن الحرب السورية ، هي حرب ضد عدو متعدد القوى ، والقيادات ، والأهداف . وهي حرب قد ’أشعلت لتنفيذ مخطط إمبريالي استراتيجي للهيمنة على العالم ، من خلال حرب فوضى ، تنشر اللا استقرار الأمني والاقتصادي ، في الدول النامية المنافسة للمنظومة الإمبريالية العريقة من طرف ، وللسيطرة على الجيو ـ سياسية ، ومصادر الطاقة في البلدان الضعيفة التي تملك هذه المزايا والثروات من طرف آخر . وأداة هذه الحرب هي الجماعات الإرهابية المسلحة ، التي أشأتها وأعدتها أميركا والدول الحليفة لها . وقد استخدمت هذه الأداة في غير مكان ، في أفغانستان والبلقان ، ومن ثم في شمال إفريقيا والمشرق العربي . ومع تزايد التنافس الدولي تزداد هذه الأداة أهمية ولا تنقص .

ولذلك ينبغي ، للحفاظ على ما تحقق من تقدم وانتصارات ، أن يؤخذ بالاعتبار ، أن العدو ليس فقط الجماعات الإرهابية التي يجري التصدي لها للقضاء عليها ، وإنما هو أيضاً القوى الإقليمية والدولية المنخرطة بالحرب ، التي لن تتوانى عن القيام بمحاولات لإعادة توازن القوى ، وتفعيل الا بتزاز السياسي المجدي ، لاسيما في مجال المفاوضات حول " صفقة " تضمن مصالحها وأهدافها .
بمعنى أن أمام البلاد .. معارك .. وآلام .. ودمار .. بلا حدود منظورة .. إن لم تتوحد الصفوف .. وتعبأ كافة القوى الوطنية والحليفة ، لفرض معادلة قوة حاسمة .. تحدد نهاية النفق .. ونهاية الحرب .. بانتصار شامل على الغزاة وداعميهم .

لأبطال معركة تحرير تدمر التحية والتقدير .. ولشهدائها الصلوات والسلام .. و للملكة زنوبيا .. التهنئة الوفية .. لاستعادة مجدها العريق الخالد المتجدد .