تَصْفِيَةُ اَلْخُطُوْطْ اَلْبَحْرِيَّة اَلْسُّوْدَاْنِيَّةْ: نَهْبٌ مَفْضُوْحْ وَدَمَاْرٌ مُتَوَاصِلْ ..!

فيصل عوض حسن
2016 / 4 / 3

تَصْفِيَةُ اَلْخُطُوْطْ اَلْبَحْرِيَّة اَلْسُّوْدَاْنِيَّةْ: نَهْبٌ مَفْضُوْحْ وَدَمَاْرٌ مُتَوَاصِلْ ..!

د. فيصل عوض حسن

نَشَرَت صُحُفُ الأربعاء 30 مارس 2016 إعلانا مُؤلماً ومُحبطاً، يتعلَّق بـ(تصفية) شركة الخطوط البحرية السودانية (اختيارياً)، تبعاً لقانون (شَرْعَنَة) نهب أموال السودان لسنة 1990م، واستناداً لقرار الجمعية العمومية لشركة الخطوط البحرية السودانية المحدودة في اجتماعها (فوق العادة) بتاريخ 21 مارس 2016، وإتاحة ثلاثين يوماً للدَّائنين والمدينين لتكملة إجراءاتهم كلٌ وفق حالته!
هذا الإعلان يُثبت بصورة لا لَبْسَ فيها (كَذِبْ) البشير وعصابته الإسلاموية، ويُؤكِّد نَهْبَهُم للسودان وشعبه وتدميرهم لمُقدَّرات البلاد. فبخلاف الريبة بشأن سرعة الإجراء ما بين قرار الجمعية العمومية (غير العادية) وإصدار الإعلان، كان هناك احتفاء للمُتأسلمين وإعلامهم المأجور بنهايات أغسطس وبدايات سبتمبر 2015، باتفاقياتٍ (زعموا) توقيعها مع الصين آنذاك. حيث كَشَف (مُسْتَوْزِرْ) النقل والطُرُق عن اتفاقهم مع شركة (بوولي) الصينية لتصنيع (تسع بواخر)، و(أكَّدَ) على استلامهم للبواخر التسع قبل نهاية العام! وقرار (التصفية) يتقاطع مع هذه التصريحات التي ملأوا بها الدنيا ضجيجاً، (قبل وخلال وبعد) زيارة البشير وأزلامه للصين! وإلا فأين ستذهب تلك الـ(بواخر) الـ(تسع) المُقرَّر استلامها بنهاية العام وسنفترض أنه 2016؟ أم تعاقدوا عليها (مُسبقاً) لمصلحة المالك (المُرتقب) للشركة التي يعتزمون تصفيتها الآن؟! حتَّى لو تحَجَّجوا بوجود (مُستجدَّات) فهذه (إدانة) لهم و(إقرار) منهم بخطأ تقديراتهم عند توقيع اتفاقيات جلب البواخر الـ(9) وهنا المصيبة أعظم! ثم كيف تُقرِّر الجمعية العمومية الـ(تصفية) دون (حَسْمْ) الـمَدِينين؟! حيث خاطبتهم لجنة التصفية في إعلانها المُشار إليه أعلاه بتسديد ما عليهم من مديونيات خلال شهر من الإعلان، مما يعني (اختلال) قرار (التصفية) وأنَّ له أهدافاً أُخرى (غير مُعْلَنَة)!
لقد كتبتُ مقالاً بُعنوان (سيادة السودان ثمناً لأخطاء البشير) عقب تلك الزيارة التي اعقبها (تضليل) إعلامي واسع، لم يقف على البواخر التسع، وإنَّما شَمِلَ (أيضاً) إنشاء خط سكة حديد لـ(1000 كم) يعمل إلكترونياً بالألياف الضوئية، ويربط (هيا، كسلا، القضارف، سنَّار والدمازين)، بجانب 26 محطة وثلاث ورش للصيانة! كما شَمِلَتْ الأكاذيب، شراء طائرتين إيرباص طراز (320)، واستجلاب ثلاث طائرات طراز (16 أم إيه) سعة الواحدة منها 60 راكباً، لتجربتها في السودان بإشرافٍ (صيني) قبل نهاية العام (أيضاً)! ولقد ذكرتُ في مقالتي تلك، عدم معقولية ما أشاعه المُتأسلمون وإعلامهم المأجور آنذاك، وحذَّرتُ بصفةٍ خاصَّة، من (حَوَامَة) البشير وعصابته حول (سنَّار والنيل الأزرق والشرق)، واستهدافهم لتلك المناطق بتكتيكاتهم الخبيثة، وسعيهم للتخلُّص منها (رَهْنَاً) أو (بيعاً)، وهو ما شَرَعُوا فيه (عملياً) تبعاً للمُستجدَّات المُتلاحقة والمُتسارعة.
الواقع أنَّ المُتأسلمين لم ينهبوا أموال البلاد فقط، وإنَّما خَرَّبوا السودان بصورةٍ مُمنهجةٍ ومدروسة يتعذَّر معها إعادة بناؤُه بيُسر، وبصورة أشبه بالانتقام من الأرض وأهلها. والنَّاظر لجرائمهم يجدهم يغطونها بمُبررين رئيسيين، أوَّلهما سياسة التحرير وثانيهما الحصار الاقتصادي وكلاهما مردود. فبالنسبة لبرامج التكيُّف الهيكلي والإصلاح الاقتصادي ومن ضمنها التحرير، نجدها (اتفقت) على أهداف عامَّة لرفع كفاءة الأنشطة الإنتاجية والخدمية، وتخفيف أعباء المُؤسَّسات الحكومية (غير المُجدية حصراً) وتحويلها للقطاع الخاص، واقتصار دور الدولة على الخدمات العامَّة والإشراف والرقابة. بالإضافة لتحرير سعر الصرف وأسعار السلع والخدمات، وإزالة (الدعم والضرائب) وإيقاف (التسعير والتسليم الإجباري للمحاصيل الاستراتيجية)، والحد من الاحتكار وتوظيف الموارد المحلية وفقاً للميزة النسبية. وتتم الخصخصةُ إمَّا بالبيع للجُمهُور بدءاً بالعاملين في المُؤسَّسات المعنية، أو بتأجير أصولها لآجالٍ طويلة، مع (الالتزام) بـ(حماية المُستهلك) وتنمية الاقتصاد، وخلق فرص العمل وتحسين مُستوى الأجور وزيادة المُنافسة. علماً بأنَّ تحجيم دور الدولة لا يعني (انسحابها) الكامل، بل عليها إحداث الـ(مُواءمة) ووضع استراتيجيات قواعد السوق، وتشجيع القطاع التعاوني وتطوير تشريعات (التسويق والرقابة). وهذه المضامين تتقاطع مع ما (نفَّذه) المُتأسلمون، حيث شرَّدوا الآلاف بحجة الخصخصة، وتخَلَّصوا من المُؤسَّسات (الناجحة) فقط وبالبيع الكامل دون الخيارات الأخرى كالمُشاركة أو الإيجار، ودون (إشراك) العاملين بتلك المُؤسَّسات لأنَّهم إمَّا اشتروها هم أنفسهم أو قبضوا عمولات بيعها. كما أغفلوا أدوارهم (الرقابية) و(التشريعية) لحماية المُستهلك، أو المُساهمة في الاقتصاد الوطني، وفَرَضوا الضرائب الباهظة، و(تَدَخَّلوا) في تحديد الأسعار.
أمَّا المُبرر الثاني، فكان الحصار الاقتصادي الذي صنعوه بمُمارساتهم العُدوانية المُتعَمَّدَة، واستفادوا من ذلك الحصار ولم يتأثروا به إطلاقاً، سواء على صعيد كيانهم وكُتلتهم السياسية أو على مُستوى الأفراد، حيث سيطروا على مفاصل الدولة، وأحدثوا بها تدميراً مُتعمَّداً وممنهجاً. فالتأثير الحقيقي للحصار كان على السودان (الدولة والأرض والمقدرات)، إذ اختفت كلٍ من الخطوط الجوية السودانية، وتبعتها البحرية التي تَخَلَّصوا من أصولها تدريجياً إلى أن أوصلوها للـ(تصفية)، بجانب المحالج والصناعات التحويلية والدوائية وغيرها.
وبخلاف الأخطاء التشريعية لقانون نَهْبْ (مرافق) الدولة لسنة 1990 التي استفاض العديدون في بيانها سابقاً، هناك شهادات وتقارير مُوثَّقة للتجاوُزات الصارخة التي صَاحَبَت خصخصة القطاع العام، فالتجاوُز كان (مُركَّباً)، بدءاً بخصخصة ما لا يلزم من مُؤسَّسات (لكونها ناجحة) وانتهاءً بإجراءات الخصخصة نفسها. وآخر هذه التقارير ما أثاره مُراجعهم العام في يونيو 2015 بشأن (تضارُب) قرارات التصرُّف في المرافق العامة، وتشديده على إدراج عوائد الخصخصة في الحساب الرئيسي بوزارة المالية، والأخطر (دعوته) لإعداد قانون جديد للجنة التصرُّف في مرافق الدولة! وبصفةٍ خاصَّة طالب التقرير بضرورة إضافة (الإيجار) كأحد صور الخصخصة، مع تضمين عدد من أمثلة التجاوُزات (بالاسم) أبرزها تقييم حصة السودان بشركة الفنادق السودانية الكويتية بـ(ملايين الدولارات)! والأكيد أنَّ المُتأسلمين لن يُوقفوا تدميرهم للسودان ونهبه، لا سيما مع توقُّف الإنتاج وضغوط الدائنين، وما تصريحات المُتأسلمين المُتزايدة هذه الأيام بشأن الديون، و(تضليلاتهم) بإعفائها إلا لتهيئتنا لكوابيسٍ قادمة تُهدد استقلال السودان وسيادته!
الحلُّ الأمثلُ هو تحرُّكنا جميع السودانيين بأسرع وقت والعمل في خطين مُتوازيين، أحدهما يتعلَّق بوضع رؤية رصينة لإدارة الدولة لفترةٍ انتقالية، والآخر يستهدف اقتلاع المُتأسلمين والحيلولة (دون هروبهم) وإجبارهم على استرجاع ما نهبوه، وتلافي أخطاء بعض الشعوب الذين انتفضوا على ديكتاتورياتهم دون استرجاع أموالهم، لأنَّ الطُغاة إما ماتوا أو هربوا بتلك الأموال، مع الفارق بين حالة السودان المُهدَّد بالاحتلال لعدم سداد القروض وبين حالة تلك الدول، حيث أخذ المُتأسلمون باسم البلد وليس باسمائهم الشخصية، وعملوا على تدمير كل قطاعات الإنتاج بعكس الدول الأخرى.
إنَّنا نحيا واقعاً مأساوياً حقيقياً، وحالتنا بلغت حدوداً غير مسبوقة من التعقيد والتأزُّم، والمُتأسلمون لا يرغبون ولا يهتمون بالعلاج، فقد باعوا وقبضوا الأثمان ولا يزالون، وسيهربون للبلاد التي يحملون جوازاتها، وسيتركون الجميع في فوضى عارمة لا يعلم مداها إلا الله، وعلينا أن نُبادر ونعمل على إيقاف المزيد من التدمير وعدم انتظار الكارثة حتَّى تحدث، فالسودان أضحى خاوياً من فرط الضربات الإسلاموية المُتلاحقة وعلى وشك التلاشي، ولا مجال لإنقاذ ما تبقَّى منه إلا بتكاتف الجميع، خاصَّة مع لهفة الدائنين لالتهام السودان، بما لديهم من مسوغاتٍ قانونية لا يُمكننا دحضها وستستنزف وقتاً طويلاً جداً.. وللحديث بقية عن بعض مُؤشرات الماثلة لبدء استلام الدائنين مزيد من أراضي وممتلكات السودان.