ابحثوا عن جذور الدعوشة في ثقافتنا الدينية.

سعيد الكحل
2016 / 4 / 2

الدواعش ليسوا فقط أولائك الذين يحملون السلاح ويقطعون الرؤوس ويسبون النساء ويحرقون الأطفال ؛ إنهم الدواعش بالفعل ، لكن الدواعش الأخطر هم الدواعش "بالقوة" وبالثقافة . إن داعشية الدواعش بالفعل تتغذى على الثقافة الفقهية التي يزخر بها التراث الفقهي الموروث منذ 14 قرنا والذي لازال يجتره الفقهاء والشيوخ ويذيعونه . الأمر الذي يجعل عقائد الواعش هي نفس العقائد التي يحملها ويتشبع بها قطاع واسع من الفقهاء والشيوخ بمن فيهم أعضاء المجالس العلمية وحتى المجلس العلمي الأعلى . مناسبة هذا الحديث ، الرأي الفقهي الذي أدلى به رئيس المجلس العلمي لعمالة الصخيرات ــ تمارة لحسن سكنفل لجريدة "آخر ساعة" الذي نشرته ضمن ملف عن اغتصاب الأطفال في عددها 87 بتاريخ 19 مارس 2016 ؛ومما جاء فيه أن حكم الزنا معروف شرعا سواء بالنسبة للمتزوج أو غير المتزوج أو القاصر ينفذه الحاكم المسلم . طبعا يقصد الجلد أو الرجم حسب الوضعية الاجتماعية للزناة . فأن يُجْرِم الدواعش في حق اللائي قادهن حظهن العاثر في مالي وباكستان وأفغانستان والعراق وسوريا وليبيا ، أمر نفهمه باعتبارهم يعيشون خارج التاريخ والقانون والدولة والمدنية . هم جاءوا للقضاء على كل مظاهر التمدن والترقي الحضاري والعودة بالبشرية إلى عصور الهمجية والوحشية والاسترقاق والنخاسة . ذاك برنامجهم وتلك عقائدهم التي لا يُخفونها ، بل يُظهرونها ويعلنون عنها . لكن الخطير والفظيع هو أن يَحْمل أعضاء المجالس العلمية الذين يمثلون الدولة والقانون ويتحركون في إطار دستور يقر بكونية حقوق الإنسان ، هذه العقائد ويروجونها . والفقيه لحسن سكنفل أحد هذه الفئة التي "تسمو" على القانون وتدوس على بنود الدستور من حيث كونها لا تحتكم إلى المؤسسات الرسمية للدولة ولا تنسجم مع التشريعات الجاري بها العمل في المغرب . إن هؤلاء لا يتمثلون قيم المجتمع ولا يدركون تطلعاته كما لا يستوعبون حركيته . يعيشون تمزقا حضاريا وقيميا بفعل ما درَسوه وما تشبعوا به من عقائد ، جعلهم يعانون غربة فظيعة داخل المجتمع ، فلا هم طلْبَنُوه (نسبة إلى طالبان) وألغوا كل القوانين المدنية والتشريعات الوضعية ، ولا هم تَمَدّنُوا فيسهل عليهم التخلص من موروثهم الفقهي المتنافي مع قيم العصر وسماحة الدين . إن خطورة تصريح لحسن سكنفل لا تنحصر فقط في الرفض البيّن للقانون الجنائي المغربي المعمول به أو في عدم الامتثال للنظام التشريعي المغربي ، بل وأساسا في المس بشرعية الدولة المغربية ومؤسساتها الدستورية ؛ ذلك أن التصريح إياه يحمل إدانة صريحة للدولة المغربية ولتشريعاتها ويحكم عليها بكونها مخالفة "للشريعة" ومناقضة "لأحكام الشرع" . وهذا توجه وخطاب لا يخالفان البتة ما يصدر عن التنظيمات المتطرفة والإرهابية ؛ إلا أن خطورتهما أنهما يصدران عن شخص عضو في المؤسسة الرسمية ويتقاضى منها أجره . فهل الوظيفة التي يتولاها داخل نفس المؤسسة هي مناهَضة التشريعات الرسمية والتحريض ضدها ؟ وهل مهمة أعضاء المجالس العلمية هي ترجمة اختيارات الدولة إلى اجتهادات فقهية داعمة لها أم تقويضها وحجزها وسحب المشروعية عنها ؟
إن مسئولية الدولة ثابتة في كونها لم تنخرط بعد في تأهيل المؤسسات والمعاهد الدينية ومراجعة البرامج الدينية مراجعة جريئة بهدف الارتقاء بالخطاب الديني ليكون منفتحا ومنسجما مع قيم العصر وثقافة حقوق الإنسان وداعما لاختيارات الشعب المغربي للحداثة والديمقراطية والكرامة الإنسانية وفق ما جاء في خطاب الملك للمجالس العلمية في أبريل 2009 (فإننا ما زلنا نؤكد على ضرورة إدماج الخطاب الديني، في صلب المشروع المجتمعي الذي نعمل جادين على إنجازه) . فليس أخطر على الشعب والدولة من أن يصير متطرفوها يحددون اختياراتهما من داخل المؤسسات الرسمية. وأذكّر هذا الفقيه وأمثاله بصرخة سيدة نشرتها جريدة "8 مارس" التي كان يصدرها اتحاد العمل النسائي تحت عنوان "أعطوني عملا أتخلى عن الدعارة" ؛ وأذكّره كذلك بصرخات أستاذات متدربات من اللائي يطاردهن رئيس الحكومة ويكسر عظامهن "واش باغينا بنكيران نمشيو للدعارة؟". ما يجهله الفقهاء إياهم أن الإسلام يتوخى تكريم الإنسان ، ومن تكريمه ضمان العيش الكريم وليس القتل أو الرجم الذي لا أساس له في دين الإسلام . أيها الفقهاء اعتقدوا بما شئتم لكن لا تلزموننا بمعتقداتكم ، فيكفي المجتمع الجرائم التي تنخره بسبب التسيّب وفقدان الدولة هيبتها ،فلا تزيدوه مصائب وجرائم باسم الدين ؛والعاقل من اتعظ بمآسي غيره واجتهد لاتقائها وتحصين المجتمع ضدها .