كيف تُحوِّل اقتصاداً إلى جمعية إحسان؟

عصام شعبان حسن
2016 / 4 / 2

تحاصر الأزمة الاقتصادية الدولة المصرية، فتزداد معاناة الشعب. الطبقات الحاكمة التي خلفت الانهيار ما زالت تطبق سياستها الفاشلة. تبيع السلطة الأمل الزائف، لكنّ عدداً كبيراً من المواطنين لم يعد يصدق لغة العواطف، خصوصاً أن وجع الأرقام لا يزيله حلو الكلام.
فصناعة الأمل أمام البؤس القائم تجارة خاسرة. ومظاهر الأزمة يلمسها الجميع، تراجع في معدلات الإنتاج، وانخفاض في معدلات التصدير، وارتفاع الواردات، ما يخلق عجزاً مالياً متصاعداً يشكك في قدرة الدولة على توفير متطلبات السوق. ومع انهيار الاحتياطي النقدي تصبح مصر مهددة في المستقبل القريب. يزداد الاقتراض ومعه ترتفع خدمة الديْن، ولذا فإن الركود هو النتيجة الطبيعية لارتفاع الأسعار.

على الرغم من كل إجراءات التقشف ورفع أسعار السلع والخدمات، إلا أن عجز الموازنة مستمر. صحيح أن الأزمة ليست وليدة اليوم، لكنها وبكل تأكيد تزداد بتطبيق سياسات اقتصادية خاطئة من جانب، ومنحازة ضد الأغلبية العظمى من جانب آخر. وعلى الرغم من ذلك مازالت السلطة تحمل الشعب فاتورة الأزمة، وتتهم الثورة كونها السبب في الأزمة. تتناسى السلطة أن الأزمة الاقتصادية بجانب الاستبداد، أساس اندلاع الثورة، وأن العدالة الاجتماعية هي فريضة الثورة التي لم تتحقق بعد.
يحاول رجال السلطة إقناع القطاعات الشعبية أن نتائج الفشل في إدارة الاقتصاد ترتبط بوجود مؤامرات كبرى على مصر. هذه الحالة دفعت الرئيس، عبد الفتاح السيسي، إلى تكرار دعوة الشعب للتبرع ولو بجنيه لحل الأزمة المالية. يطالب الشعب الفقير بتحقيق العدالة الاجتماعية، وجمع أموالاً من جيوب خاوية لا يعرف مصيرها أحد. ها هو النظام يعاود طرح أفكار قديمة وحلول غير مجدية.

لا تعالج الأزمات الاقتصادية بالتبرع وثقافة الإحسان، فهي ليست أزمة أب يجهز ابنته لعرسها، أو أزمة مريض يجمع ثمن الدواء. الاقتصاد لا ينتعش ولا العدالة تتحقق سوى بإقامة مشروعات إنتاجية جديدة توفر السلع وتستوعب قوة العمل، وتدعم الوحدات الإنتاجية القائمة فعلياً وتحريرها من الفساد الذي يسعى إلى تصفيتها ضمن خطط التحرير الاقتصادي والخصخصة. يكمن الحل في أن تخوض الدولة معترك الإنتاج، خصوصاً القطاعات التي لا يوفرها القطاع الخاص، ويرفض الدخول بها. لكن إدارة الاقتصاد بمنطق الإحسان والنظر إلى الأزمة الاقتصادية في بعدها المالي وحسب، وإهمال طريقة إدارة الاقتصاد تعتبر المعضلة الأساسية. لا شك أن خلف هذه النظرة تقف مصالح الطبقات الاجتماعية الحاكمة لتحلل الأزمة بالطريقة التي لا تؤثر على مصالحها وامتيازاتها. تلك المجموعات تنهب جزءاً كبيراً من الإيرادات العامة في شكل أجور ومكافآت في ظل هيكل الأجور المشوه. وهي ذاتها الفئات التي تسعى للاعتماد على القروض والمنح، بدلاً من الاعتماد على موارد الدولة. هذه الفئات ترفض إلغاء البنود والمصروفات غير الضرورية، وتدعو لخفض الدعم كحل للأزمة.
تحمل الشعب ما فرضته السلطة، خلال عامين، من ضرائب غير مباشرة ضمن فواتير الخدمات، وضرائب مباشرة تحصل تحت بند القيمة المضافة.
نعود مرة أخرى إلى فكرة معالجة أزمة الاقتصاد بالتبرع، وهو إن اتسعت حصيلته، لن يشكل إضافة حقيقية إلى مجمل الاقتصاد المصري، ولن يكفي لبناء مشاريع استثمارية. وقد سبق وأن طرحت فكرة التبرعات لحل الأزمة ولم تحقق مردوداً ولا نتائج. فاقتصاد التبرعات لا ينهي أزمة إدارة الموارد الاقتصادية، واقتصاد الإحسان والزكاة قد يكون أداة للتكافل الاجتماعي في دوائر اجتماعية ضيقة، لكنه لا يؤسس لتقدم اقتصادي، ولا يحقق عدالة اجتماعية.
لذا فإن الأطروحات بشأن حل الأزمة بالتبرعات لا تتجاوز كونها تبرئة سياسات السلطة وتبرير فشلها، حيث تمثل محاولة لتجاوز الأزمة. في الوقت ذاته الذي يطالب الشعب المصري بالتبرع، يُترك من نهبوا الموارد والأموال والثروات أحراراً، بل يتم منحهم مزايا وتسهيلات باسم تنشيط الاستثمارات.
يستدعي حل الأزمة الاقتصادية طرحاً وطنياً، ينطلق من مشروع للعدالة الاجتماعية يتضمن استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة أباطرة الفساد، وإقرار سياسة ضريبية عادلة يدفع فيها أصحاب الدخل المرتفع ضرائب تناسب ثرواتهم وأرباحهم. كما يتطلب الأمر استثمار المحصلات في مشروعات إنتاجية توقف استيراد السلع عبر إنتاجها وتوفيرها. وكذلك تشجيع التصدير لتوفير احتياط نقدي يؤمن الاقتصاد، في حال تعرض بعض القطاعات الداعمة كالسياحة وعوائد قناة السويس للتراجع.
ينبغي القول، إن المتشدقين بتأييدهم السلطة من التيارات السياسية ونخب وفئات وسطى، عليهم التفكير في أي دولة يعيش المصريون، وأي دور تلعبه الدولة، وهي تتوسل رجال الأعمال بالتبرع لإنقاذ الاقتصاد. بينما اللصوص الذين كونوا ثرواتهم من النهب، لا تستطيع الدولة إصدار قانون واحد يلزمهم بدفع عوائد ضريبية تناسب أرباحهم المتراكمة.

إن تعامل الدولة مع مواطنيها ومع الأزمة الاقتصادية بمنطق الجمعيات الأهلية ينافي قواعد العلم والمنطق. كما لا يليق بمصر وشعبها الاستمرار في الاقتراض وتلقي المنح، وهي الدولة التي تمتلك موارد طبيعية وبشرية تستطيع كفالة نفسها. يتناسى من يحكم مصر أن الأخيرة حققت نهضة صناعية كبرى في بداية الستينيات، وأنها على الرغم من العدوان ومواجهة العدو الإسرائيلي لم تصل إلى هذا المستوى من الأزمات.

(باحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية/ جامعة القاهرة)