راب تونسي : دَابْ أَمْ دِي

ضياء البوسالمي
2016 / 3 / 30

لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى ؟
هي أشياءَ لا تُشترى.
أمل دنقل

مهدي من فنّاني الراب الذين لا يبحثون عن الأضواء و الشّهرة، فهو يركّز كلّ طاقاته و مجهوداته من أجل تقديم موسيقى مختلفة و نصوص تُعَالِجُ العديد من القضايا السياسيّة و الإجتماعية. هذا الرّابور يرفض الخضوع و الإندماج في نظام قائم على تهميش القضايا الجادّة و مغالطة الرّأي العام. و الحقيقة أنّ القطيعة مع وسائل الإعلام هو موقف لا نستغربه عندما نتمعّن في المواضيع و الإشكاليّات التي يطرحها من خلال أغانيه فهو يفضح ممارسات و جشع السّياسيين الذين يضحّون بشعوبهم في سبيل الوصول إلى كرسيّ السّلطة وهو ما يجعل مهدي يحرّض – من خلال أغانيه – على العصيان و رفض كلّ مصالحة معهم.
الصَّعَالِيك سلاطين و الشُّعُوب قَرَابِين.
ما يميّز نصوص مهدي هو الأسلوب فهو يكتب بالعربيّة الفصحى و الإنجليزيّة (على عكس الأغلبيّة السّاحقة من فنّاني الراب في تونس الذين عادة ما تكون نصوصهم بالدّارجة) و هذا ما يحدث الفرق و يفسح المجال أمام نوع آخر من النّصوص تنقل الرّاب التونسي إلى مراحل جديدة و تمهّد للعالميّة، فالمستمع العربي في الشّرق مثلا يجد صعوبة في فهم الدّارجة التّونسية. لقد تمكّن مهدي – بواسطة نصوصه – من إختراق حاجز اللّغة مُعَبِّرًاعن مآسي الشّعب و منتقدا للسّياسات الدّوليّة و هو ما يمنح الراب التّونسي فرصة الإنفتاح و الإنتشار خارج حدود الوطن.
●-;---;-- التَّقْرِير : في هذه الأغنية مع ”ب-ماد“ يقدّم داب إم دي الأفكار التي يتبنّاها تقريبا في كلّ أغانيه و التي تسجّل حضورها في كلّ نصوصه. يحلّل الوضع السّياسي في العالم و يكشف عن خفايا النّظام العالمي الجديد الذي تسعى الولايات المتّحدة الأمريكيّة إلى فرضه و يواصل الرّابور هجومه على أصحاب النّفوذ و رؤوس الأموال الذين يحكمون السّيطرة على الثّروات و يقرّرون مصير الشعوب، كما يعلن مهدي عن عدائه لكلّ المؤسّسات السّياسيّة التي تدّعي حماية الشّعوب فكلّ من يمارس السّياسة هو مذنب و له مطامع يريد تحقيقها (هذه الأطروحة التي تحاول الكشف عن خفايا عالم السّياسة و تفكيك أحجية النّظام العالمي الجديد نجد لها صدى في نصوص العديد من فنّاني الرّاب في تونس لعلّ من أبرزهم بسيكو إم) يقطع داب إم دي إذا مع كلّ سلطة لأنّها متورّطة في هذه المؤامرة التي تُحاك ضدّ الشّعوب المضطهدة و هو يسعى عن طريق نصوصه – و خاصّة في هذه الأغنية – إلى توعية المستمع و حثّه على التّفكير في الوضعية المزرية و البحث عن طريقة للخروج من المأزق الذي يؤكّد مهدي أنّه مخطّط عالمي يستهدف كلّ الشّعوب بهدف الهيمنة على العالم.
●-;---;-- مُقَدِّمَة : يعلن داب إم دي أنّ الشّهرة ليست من أولويّاته و أنّها لم تكن من أهدافه ”إليكم الأضواء هي يوما لم تسقني“ و يستغرب من أولئك الذين يتكالبون على الظّهور و يخونون مبادئهم. مهدي ثابت على ”نفس الدّرب“ نصوصه يكرّسها لخدمة القضايا الي يعتبرها عادلة و لا يهتمّ بالشّهرة على عكس الكثيرين و يعتبر أنّه لا يقبل الدّخول في مهاترات مع البقيّة بل يفضّل الإرتقاء و الإبتعاد عن المستوى المتدنّي حتّى و إن تعلّق الأمر بمن يقلّده ”سأبكي بؤسك إن قلّدت أو إتّبعت“. و تفرّد كتابات مهدي هي نتيجة معالجته لمواضيع مهمّة و معقّدة و تجنّبه للأغاني التّجارية التي تهدف إلى جلب المعجبين.
على الدّوام نائي
يبدو فنّي وبائي
إنفرادي دائي
فقط لنفسي ولائي.
●-;---;-- هلاَّ إِرْتَقَيْنَا : يصف داب إم دي الوضع بعد الثّورة و يقدّم أسباب إنزوائه و لامبالاته و من أهمّها عجز الطّبقة السياسيّة عن تحقيق الإستقرار و ذلك لأنّها تفتقد للنّفس الثّوري و إهتمامها بحسابات ضيّقة. يراهن مهدي على الأجيال القادمة و التي يسعى لتوعيتها و توجيهها نحو التمرّد و الثّورة على السّياسين الذين يسمّيهم ب”أتباع مسيلمة“ و ”الشّياطين“ فَهُمْ لا هَمَّ لهم سوى المال و الشّهوات ”إذا زاغ إنس فالسّبب فلس أو جنس“. يسعى داب إم دي – من خلال هذا النّص – إلى دعوة الشّباب إلى الإرتقاء الذي لا يتحقّق إلاّ بالثّورة لأنّ السكوت و الخضوع هي من أسباب تجبّر و تغوّل السّلطة ”سكتنا فأحكموا الهيمنة“ و يؤكّد الرّابور إلى أنّ قلة ظهوره راجع إلى نقده و نصوصه التي تعادي السّلطة و لكن ذلك لا يمنعه من المواصلة على نفس الدّرب ”إنتاج على الدّوام فلا يُغْمَضُ لي جفن“.
●-;---;-- إِسْطَبْل : نصّ هذه الأغنية يبرز مراجع و أفكار داب إم دي إذ يعلن رفضه لما يحصل من ”خروج عن الموضوع“ من فوضى في سوريا و الشّرطة التي تنتهك الحقوق و تضيّق الخناق على الحريّات كما يوجّه مهدي أصابع الإتّهام إلى القوى السياسيّة في تونس التي تتصارع على السلطة مهمّشة الشّعب ”هراء البورقيبيين و الغنانشة“ ثمّ يعود داب إم دي إلى الوضع المتأزّم بالبلدان العربيّة و التي تعاني إنقسام أراضيها و تشتّت شعوبها ”أراضينا وليمة غنيمة حقيقة أليمة“.
يحارب مهدي (داب إم دي) – عبر نصوصه – النّظام العالمي الجديد فهي وسيلة لتفكيك المؤامرات و توعية الشّباب بحقيقة الخطاب السّياسي الذي يتميّز بالتّملق و النّفاق لتحقيق أهداف أصحاب السّلطة الذين لا يهتمّون بمشاكل و معاناة المهمّشين و أبناء الشّعب الكادحين. يرى داب إم دي أنّ مهمّته تتمثّل في إيصال هذه الأفكار و الحقائق إلى الجميع و خاصّة الشّباب الخطوة الأولى لمحاربة النّظام هي إستيعابه و العمل بعد ذلك على تفكيك آليّات إشتغاله وهذا هو ما نستنتجه من نصوص داب إم دي الذي ينبّه في كلّ مرّة و يحذّر من هذا الخطر ”لن أكذب مثلهم قلمي ليس طربي قلتها من قبل أحبّ قرع الطّبل“.