فإما نجْم كالشمس، وإما قزم كبلوتو! 1

ليندا كبرييل
2016 / 3 / 28

في مثل هذا اليوم قبل خمس سنوات، لفظ البحر من جملة ما ابتلعه في التسونامي، محفظة جلدية بداخلها رخصة قيادة سيارة باسم السيدة (مينامي ت .)، ففقدنا الأمل من العثور عليها حيّة . توجهتُ ذلك اليوم مع أفراد مجموعتي التطوعية إلى شاطئ البحر، وألْقينا الأزهار في المياه، ووقفْنا دقيقة صمت على أرواح الضحايا.

" مينامي " اسم سيدة يابانية، التقيتُ بها في فترة ماضية من حياتي، خدمتْ ذاكرتي بأحداث مفعمة بالحيوية، فأوقدتْها بهجةً في فيض ذكاءٍ ومرح، بدآ يتواريان شيئاً فشيئاً خلف ظلال ثقيلة من شخصية أصبحتْ ضائعة الحيلة أمام نوبات عصبية، ترمي بها إلى أطراف أقصيَيْن يعتصران كل بارقة عقلية : فإما ضيق شديد، أو انفتاح بلا حدود.
عندما عرفتها كانت ما زالت تتوقّد حكمةً، لكن التوترات أفقدتْ مع الزمن قدرة جهازها المناعي على مقاومة الأمراض، حتى أصبحت عاجزة عن ترجمة هذه الحكمة إلى نفع للمجتمع في المرحلة الأخيرة من حياتها.

بدأت بالكتابة عن مينامي بعد شهرين من وقوع الزلزال المدمر في 11 آذار - مارس 2011 . وهو الأقوى في تاريخ اليابان الطويل مع الهزات الأرضية، نجم عنه شقٌّ في قاع البحر، اندفعت في إثْره موجات تسونامي عاتية تتمتع بقوة شديدة، وصل ارتفاعها في بعض المناطق إلى أكثر من عشرين متراً، دمرت المفاعل النووي في فوكوشيما، وقضت على الأخضر واليابس، وجرفتْ الأحياء والأشياء.

وكلما أردت أن أسير خطوة في القصة، عذّبتني صورة صديقتي (مينامي) وهي تغرق . فإذا كانت قادرة على مقاومة قوة الماء إلى حين وقد كانت سبّاحة ماهرة، فإن صورة (جون بيكاسو)* المُقعَد بلا رجلين وهو يتخبط بين الأمواج عذبتني أكثر . وظل مشهد الغَرْقى لا يفارق مخيلتي أو أحلامي، فيعطّلني عن الكتابة.

اليابان أحيت في الأمس القريب الذكرى الخامسة لكارثة ذلك التسونامي المفزع، من خلال النشاطات الفنية والثقافية التي أقيمت تخليداً للضحايا.
وقد كشفت لشعبها بكل شفافية ووضوح، أنها وإن لم تستطع إلى اليوم السيطرة على المحن التي خلّفها التسونامي، لكنها رغم طغيان الدمار فإنها ستقوم من الموت، وستجلس في صدر الكون . أو بِلُغة مينامي التي ينحدر زوجها من مدينة (كوبيه Kobe) التي تعرضت لزلزال مفجع في عام 1995، فتسبّب في دمار بيت أهله وموت أخيه تحت الركام، فقالت لي :
أؤمن أن كوبيه ستقوم من الحرائق والرماد كوبيه جديدة .. تماماً كالأسطورة التي سمعْتُها منكِ، عن طائر العنقاء الذي يخرج من رماد موته طائر عنقاء جديد . نحن البوذيين، نؤمن بِدَورة لا تنتهي لمعانقة الحياة، لا نحزن إلا على فراق الميت، أما الموت فلا خشية منه ؛ يُحرَق الميت ويتحول إلى رماد، لكن الروح لا تفنى، ستنتقل للحلول في جسد آخر، نموت ثم نحيا من جديد، وعلى الأرض في هذا العالم بالذات، لا في الأوهام كما عندكم !
كلام من ذهب !

استِعادة اليابان هذا العام في كل وسائل إعلامها أحداث الزلزال والتسونامي بكثافة، ليس إلا لاستخلاص العبرة، وتلمّس السبل لتَفادي المصائب والاستعداد لها بالعزيمة والإرادة ؛ فالعقل معها، والعلم يتقدّمها، والشعب وراءها، والأيادي ترفعها.
وأنا بدوري، في استعادتي لقائي الأول بمينامي الذي لا أنساه ما حييت ، ليس إلا وفاء لذكراها الطيبة، المطرّزة بالابتسامات والطرائف والمواقف المشرقة، اختصتْ بكل هذا دون الآخرين ممنْ عرفتهم.

قالوا عنها مجنونة، ولما صادقتُ جنونها انهمر حكماً تعزُّ على العاقلين.
كانت ولسانها لا يهدأ، تنطق بأبلغ الحكم، وهي المثقفة والقارئة الممتازة، لتؤكد لي أن المقولة العربية : ( خذوا الحكمة من أفواه المجانين ) فيها الكثير من الصحة.

سألتُ مينامي مرة :
ــ كيف تفسرين إغراق اليابانيين في العمل ؟
أجابت بلهجة الحكماء :
ــ نحن نتعلم من طفولتنا كيف نندمج مع العمل، لتتحقق الغاية من حضور غير عبثي في الحياة، فيكون إتقانه ليس هدفاً فحسب، بل والمعبِّر عن الهوية الذاتية . وللتمكّن من ذلك، لا بدّ من التأهيل النفسي وتنمية قوة الإرادة، المقرونَيْن بشرط التأهيل المعرفي ؛ وهو الضرورة الحيوية التي تُكسِب الإنسان ثقةً بالنفس لمواجهة حقائق الحياة . المعرفة تساعد الإنسان على إدراك صالحه الخاص وخير مجتمعه العام، فتحسين شروط حياته نابع من استنهاض مجتمعه وتعميره بالعمل الجاد.
فسألتها :
ــ هل يمكن تكرار التجربة اليابانية المبهرة في بلاد أخرى؟
علا صوتها :
ــ أبداً .. ليس بالإمكان تكرار نموذج النجاح الآسيوي، فلكل تجربة شروطها المميزة، وأيضاً لسبب هام جداً : أن هذا الإنسان غير ذلك الإنسان، أقصد عقله، خلفيته المعرفية والثقافية، نظرته إلى الكون، انفتاحه على التأثيرات الأجنبية لتجديد الموروثات، ذلك أن تلاقح الثقافات ينقذ من العاهات، وبعكسه ليس إلا الانغلاق فالانقراض.

ولما أقنعتْني بمشاركتها الانخراط في ميدان التطوّع، قالت ناصحةً :
ــ نحن اليابانيين نؤكد على أسلوب العمل الجماعي . تتكثّف المجموعات المنتشرة على مستوى الأمة لتقوم بدور الدافع لنهضة الوطن . ليس هناك فرد مستقل، وليس هناك منْ لا ينضمّ إلى نشاط جماعي، فروح الفريق لها أهمية كبيرة وتعلو على الطموح الفردي.
فقلتُ لها :
ــ ألا ترين أن هذا الأسلوب لا يطوّر المهارات الخاصة ولا يشجّع الطموح الفردي؟
ردّت مستهينة بحجتي :
ــ لكل مجتمع طابعه الخاص . مهما كانت سلبيات هذا التناغم والتناسق في أسلوب حياتنا، فإن لنا إيجابيات لا تُحصى، ومهما تميّزت الاستقلالية والعمل الفردي بالإيجابيات والنجاح في مجتمع الغرب، فإن تيار الفردية أفرز أوضاعاً تميل إلى الانعزالية والوحشة والتطرف . ليس هناك مجتمع مثالي كامل الأوصاف.
قلت لمينامي بحرج :
ــ يشبّهونكم بالسمك الصغير في البحار، أو الطير في السماء الذي يتخذ مساراً جماعياً واحداً.
ابتسمتْ مينامي وقالت :
ــ أختي ..التوجّه الجماعي ساعد على ترسيخ ثقافتنا . لا بد أن ينشأ من هذا الزخم الجماعي تأثيرات قوية تفسّر طموحَ شعبٍ وحماسَ أمّةٍ للإقبال على كل عمل يؤهل الياباني ليكون صانع الحداثة.
أردفتْ ضاحكة :
ــ لعلكم تتهمونا بالجمود، فاعْلمي أننا منسجمون جداً مع أخلاقنا هذه، وإن كانت لا تروق لكم أنتم الأجانب الأجلاف هاهاهاهاها.
سكتتْ قليلاً ثم تابعت:
ــ نحن لا نحبّ أن نسْبَح بمفردنا مثل بلوتو ..
فقاطعتُها :
ــ منْ هو الذي يسْبح بمفرده ؟
ــ بلوتو، ألا تعرفينه؟
ــ عفواً، لا أعرفه، هل هو أستاذ ؟ نبي ؟ فيلسوف .. ماذا ؟
قهقهت مينامي ووقعتْ أرضاً وأخذت تضرب بكفها على العشب، وكلما نظرتْ في وجهي زاد ضحكها، حتى غضبتُ منها وهددتُها أن أتركها وأمشي . فوقفت وقالت :
ــ بلو.. بلو.. هههه .. بلوتو هو .. هههههههه .. كوكب في .. هههه.. المجموعة الشمسية هاهاهاها...
نظرتُ إلى مينامي باستغراب قائلة :
ــ وما دخل بلوتو باليابانيين ؟
ــ دخل دخل أختي .. دخل.
هاتي نوّريني
ــ قرر العلماء أن بلوتو بسبب حجمه الصغير يمكن أن يكون قمراً شارداً، فطيّروه، عندما وجدوا مداره غير منتظم كبقية كواكب المجموعة الشمسية . ماذا يفعل صعلوك أمام عملاق ؟ هاهاها.. ويزجّ نفسه بين الكبار ظاناً أنه بالبلطجة قادر على فرض نفسه.
ــ ما هذا الهراء ! صعلوك بلطجة متشرّد ! بلوتو عضو في المجموعة الشمسية، وإن كان أصغر الكواكب لكنه موجود.
ــ اِذهبي أختي وراجعي معلوماتك القديمة.
وبحثتُ عن الخبر، واكتشفتُ أن مينامي تتابع أخبار الفضاء أول بأول، وعلمتُ أن العلماء أسقطوا عن المسكين لقب (كوكب) . ولما راجعتُها في الأمر لأتبيّن ماذا كانت تريد من مثال بلوتو، أجابتْ :
ــ بلوتو اليوم (كويكب) ، ضمّوه إلى مجموعة الكواكب القزمة، نحن اليابانيين نحب أن نكون نجماً عملاقاً، ساطعاً، منيراً، منتظِماً في مدار الحداثة عبر حضوره المتناغم الجماعي في المجموعة الدولية الشمسية حتى لا يكون مصيرنا كبلوتو صعاليك !!
لله درك يا مينامي !

عرفت من البداية أن مينامي ستأخذني للنبع كثيراً وترجعني عطشى، لكن كان عندي شعور قوي، أنها ستثقل عليّ ذات يوم بشرْبة سيتذكّرها أحفادي.
وعلمتُ في حضورها البهيّ كيف أفاوض الزمن وأطوّق شروطه المجحفة في غربة صعبة، فكان أن جعلتُه يحسب كم ~~ من الحيوات سأتفضّل عليه وأقدّمها في يومه الواحد ! بدل أن يعدّ لي هذا الزمن الغدّار على مسبحته كم من الأيام يصرف على عمري في حياتي الواحدة.
أما من مينامي من صلبك أيتها الشمس تكمل المسيرة معي ؟؟

يتبع


الرجاء التفضل بمراجعة ما سبق نشره لربط الأحداث . كذلك مشاهدة الصور، والاستماع إلى الأغنية التي تمّ إنتاجها خصيصاً بعد الكارثة، وقد وضعتُ رابطها في المقال الثاني وأعيد نشره هنا:

Hana wa Saku " Flowers will bloom "
فرقة كورال يابانية
https://www.youtube.com/watch?v=qa6pU8D9dRM

غناء فردي
https://www.youtube.com/watch?v=LahJONm2ca4


من بلاد الشمس المشرقة: كل فمتو ثانية ونحن بخير
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=508643

قدَرُ اليابانيين أن يلِدوا في زمن اللهب المقدس !
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=509519

في مدينة الموت: الأشباح أحياء بعقلهم يرزقون.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=510070

*
( جون بيكاسو) ورد اسمه في المقالين السابقين.