حول الحرب والمفاوضات والحل السياسي

بدر الدين شنن
2016 / 3 / 28

لماذا طالت الحرب السورية واستعصت على الانتهاء ؟ .. ولماذا طالت المفاوضات وصارت مفاوضات من أجل المفاوضات ؟ .. وهل ستنهي المفاوضات الحرب بحل سياسي .. أم أن الحرب سوف تنهي المفاوضات بحل عسكري يحسم النزاعات الداخلية والخارجية ، التي دارت رحى الحرب ، بذريعتها ، ومن أجلها ؟ ..
لا أحد يقدم على الإجابة على السؤال ، إن لم يكن واثقاً بمعطياته حول الحرب ، وأي نوع من الحروب هذه الحرب ، وبالتالي أي نوع من المفاوضات ، والحلول ، هي مطابقة لظروف ومستحقات هذه الحرب المحلية والإقليمية والدولية .

ورغم أن التكرار هو ممل عادة ، لكنه أحياناً يحمل وجهاً آخر ، يلبي ضرورة التأكيد للإقناع . ولتوضيح الوجه المقصود هنا ، يتطلب الأمر قليلاً من التمهيد الموضوعي :
عندما يقع نزاع داخلي دموي ، حول السلطة ، أو حول إعادة رسم خريطة البلاد ، حسب نزعات وطموحات أقليات دينية أو قومية ، وتحدث عبر صديق ، أو مباشرة ، لقاءات وتفاهمات تؤدي إلى حل ، يسمى هذا الحل حلاً وطنياً ، قد يكون حلاً إجرائياً أو قانونياً أو دستورياً .. يوقف الاقتتال ، ويحقق الدخول في حياة سلمية آمنة بين أبناء البلد الواحد .

وحين يكون النزاع بين الوطن ودولة أخرى ، سواء أكان اقتصادياً ، أو سياسياً ، أو جغرافياً ، وسواء أكان مسلحاً ، أو يهدد جدياً بحرب بين البلدين ، وتحدث عبر وسطاء مفاوضات ، للتوصل إلى معاهدات ، تضع حداً للحرب ، يسمى هذا الحل .. حلاً سياسياً .

وحين تختلط عوامل الأزمة الداخلية ، مع مطامع دول أجنبية ، وتشترك هذه الدول مباشرة في النزاع الدموي الداخلي ، وتوظفه في خدمة أهدافها ، ويسلم أحد طرفي النزاع الداخلي قياده ومصيره للدول الخارجية ، ويتحول النزاع إلى عدوان خارجي ، تفقد اللقاءات ، والحوارات ، والمفاوضات ، معاييرها في النزاعات الداخلية ، وفي الحروب بين بلدين أو أكثر ، وتستدعي معايير وآليات مختلفة ، مطابقة ، وأولها ، معايير محددات الخصومة والخصوم ، والصراع والعداوات .

ولما تصبح الأزمة الداخلية جزءاً من مكونات صراع دولي ، منقسم لإعادة توزيع المصالح والنفوذ ، تسود قوانين هذا الصراع في حركة مفاعيل وتداعيات الجزء المعني ، ويستعصي إيجاد مخرج لنزاعات الجزء ، دون أو قبل ، توصل المتصارعين الدوليين ، إلى حدود وضع هذا الجزء في معادلة القسمة الدولية المنشودة بتفاهمات واتفاقات سرية .

بالنسبة للحالة السورية الكارثية ، التي وصلت إلى ما وصلت إليه ، نتيجة تعنت القوى السياسية في خلافاتها ، المتمثل برفض المخرج الديمقراطي العادل ، الجامع لوحدة الصف الوطني ، واتكاء البعض ، خارج الحكم ، عمداً وانحرافاً ، والبعض الآخر ، داخل الحكم ، تقية وضرورة ، على الخارج ، والانخراط في صراعاته ومساراته الإقليمية والدولية ، يستطيع أي متابع موضوعي منصف القول إنها حالة مركبة من كل حالات ومواصفات الصراعات المحلية ، والحربية البينية ، والدولية ، التي تشترك فيها مفاعيل هذه المستويات الصديقة والمعادية .
ما أدى إلى إطالة أمد الحرب ، وتعدد قياداتها ، وآفاقها ، وإلى استعصاء إيجاد مخارج لإنهائها ، من خلال اتفاق الأطراف المشاركة فيها . أكثر هذه المخارج تعقيداً واستعصاء ، هو ما يتعلق بمفهوم الحل السياسي ، لاسيما بين أطراف النزاع الداخلي المتعددة الارتباطات والأهداف والخلفيات والمسؤوليات ، إن في مسؤولية تفجير وتأجيج الجريمة الوطنية الكبرى ، أو في مسؤولية الجري وراء السلطة أكثر من الجري لإنقاذ الوطن من احتلال وحوش وجيوش الإرهاب الدولي .

في البدء احتضنت ما سميت " مؤتمرات أصدقاء سوريا " التي ضمت كل أعداء سوريا ، احتضنت المعارضة المتكئة على الأجنبي ، ثم قامت جامعة الدول العربية بفصل الدولة السورية من الجامعة ، وإحلال " الائتلاف الوطني المعارض " محلها . ما أدى إلى فقدان هذه المعارضة لقرارها الوطني المستقل . ومع حمل هذه المعارضة السلاح وتحالفها مع الجماعات الإرهابية الدولية المسلحة ، فقدت دورها المؤثر في المسار السياسي الوطني. وبخضوعها لإملاءات وأوامر الدول الإقليمية والدولية التي احتضنتها ، فقدت دورها التفاوضي كمعارضة ممثلة للشعب السوري كما تزعم . وصارت ممثلة للقوى الدولية المرتبطة بها ، وبما يخدم أهداف هذه الدول ، في صراعاتها مع قوى دولية أخرى . وفي المقابل عزز قادة الحكم تحالفاتهم ونسقوا معها تحركاتهم وأهدافهم .

هذا الكلام عن الخلفيات الدولية ، لحركة القوى السياسية السورية التفاوضية ، ليس كلاماً جزافاً . وإنما هو مكشوف ومعروف . فعلى المستوى السياسي والإعلامي الإقليمي والدولي ، باتت تسمى الأمور بأسمائها .. من هم حلفاء الحكم .. وميادين مشاركاتهم ودعمهم للدولة السورية .. ومن هي الدول التي ترتبط بها المعارضات ، وتتلقى منها الإملاءات . بل ويقال علانية .. هذه المعارضة موالية لتركيا ، وهذه لقطر ، وهذه للمملكة السعودية ، أو إسرائيل ، أو أميركا ، وفرنسا ، والدول الأوربية النافذة . ما يعني أن من يجلس حول طاولة المفاوضان في فيينا ، أو جنيف ، هم وكلاء لمالكي القرار الأصلاء في الدول الأجنبية . أي أن ما ينتج عن مثل هذه المفاوضات ليس قراراً سورياً محضاً .. وإن سميت المفاوضات التي تأتى عنها .. مفاوضات سورية ـ سورية . إذ لو أن السوريين كانوا يملكون قرارهم حقاً ، أو كانوا فعلاً متمسكين به ، لما كانوا بحاجة إلى ، جنيف ، وفيينا ، واستانبول ، والقاهرة ، وموسكو ، وباريس ، ليجتمعوا فيها ، ولا بحاجة لوزراء أجانب ، يتقنون فن الجري السياسي الماراثوني ، بزعم البحث عن حل سياسي سوري . فدمشق هي أقرب .. وللسوريين قدرة على التفكير.

وهنا بالضبط يكمن الجواب على إطالة أمد الحرب .. وميوعة .. وفشل التوصل إلى حل وطني سوري ..

وهنا بالضبط تكمن غربة القرار السوري ، لأن هناك معارضين سوريين ، ما زالوا يستجدون الدعم الأجنبي ، ويتحمسون لهذا التصريح الجارح للكرامة الوطنية أو ذاك ، ولخسارة جيش بلادهم أحياناً هنا أوهناك ، ولتقدم الجماعات الإرهابية الدولية المسلحة فوق أرض وطنهم ، لأن ذلك في حساباتهم الغبية يعزز من دورهم التفاوضي ، ويقربهم من الاستحواذ على السلطة .
بيد أن الواقع ، يوماً بعد يوم ، يبرهن على أن هكذا معارضات .. وهكذا عقول تفاوضية .. قد انتهت . وذلك لأسباب عدة أهمها . إفلاس مشروع أردوغان العثماني المتخلف ، ومشروع آل سعود الوهابي الرجعي ، ومشروع إسرائيل التقسيمي التدميري ، وتراجع الهجومية الأميركية والأوربية ، على سوريا والشرق الأوسط ، بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا ، وتوقيع الاتفاق النووي الإيراني ، وبعد ضربات داعش في قلب أوربا ، والأكثر أهمية ، هو تقدم وانتصارات الجيش السوري في جبهات عدة ، الذي أدى لتغيير الخريطة الميدانية وموازين القوى في الحرب السورية لصالح انتصار سوري كامل .

والسؤال الهام الآن : من بقي المعارضات ، التي مازالت متأكدة أن المفاوضات ستوصلها إلى السلطة ؟ ..
لقد قدمت سوريا تجربة وطنية .. وقتالية دفاعية .. وإنسانية حضارية .. فريدة في تاريخها كله ، في مقاومة الانقسامات الداخلية المريرة المدمرة ، وفي التصدي للغزوات والاعتداءات الإرهابية الدولية الهمجية ، وفي الحفاظ على هويتها العلمانية الحضارية . ولمواصلة هذا المسار التاريخي المشرف الكبير .. تستحق سوريا في غمرة الدفاع عنها ، الالتزام بمعايير شفافة تحقق وحدة أبنائها .. نابعة من هذه القيم .. ومطابقة لها .

لقد صدق الجندي السوري المقاتل الذي وضع سلاحه ودمه رهن سلامة وطنه ووحدته .. أكثر من المعارض الطامع بالسلطة عبر الارتباط بالأجنبي ، والإرهاب الدولي ، ولعبة التفاوض .. و بأي ثمن .

إن " جنيف 3 " أمام امتحان شاق .. بالنسبة للمفاوضين الجادين واللاعبين .. وللأمم المتحدة .. وللقوى الدولية الراعية للمفاوضات .. وهو كيف سيتم التعامل مع المعطيات والقيم التي راكمتها الحرب الوطنية السورية .. وانتصارات الجيش السوري المتلاحقة وآخرها انتصاره الأسطوري الرائع في تدمر . وأمام سؤال :: هل تنجح المفاوضات بإنهاء الحرب بحل سياسي سوري .. أم ستسرع المعارك الميدانية إنجاز حل عسكري حاسم .