رأي في الفكر الطائفي

محمد الكحط
2016 / 3 / 27

رأي في الفكر الطائفي
التطرف والإرهاب

بقلم: محمـد الكحط

الفكر الطائفي هو فكر لذا علينا معالجته بالفكر، وهو فكر متخلف له جذوره في التاريخ، ويمتد الى عصور ما قبل الأديان، وكونه متطرفا يعني انه يمارس العنف، وحتى في عصر الإسلام كان هذا الفكر موجوداً بقوة، بسبب التخلف من جهة والفقر المدقع من جهة أخرى، ما يعني محدودية الوعي الإنساني، فلم تترسخ القيم الإنسانية بشكلها المعاصر، بل كانت شريعة الغاب هي السائدة.
والإرهاب لا دين له ولا وطن وهزيمة التفكير الإرهابي هي مسؤولية كل الحكومات والشعوب لأن الإرهاب له هوية واحدة فقط هيّ الإرهاب.
اليوم هذا الفكر ضمن الإسلام السياسي والعنف، والمتمثل في المنظمات المسماة بالجهادية وهي منظمات إرهابية، تمارس العنف والسادية الخارجة عن المألوف، فما هي أسباب انضمام الآلاف من الشباب إلى هذه التنظيمات والاندفاع بهمجية وعنف في التعامل مع الأخر. وما المعالجات الممكن وضعها للقضاء على هذه الأفكار...؟
ليس بالأمن والعسكرة وحدهما يمكن مواجهة العنف والتطرف، بل نحتاج أيضا الى مواجهة الفكر بالفكر..
وقبل هذا وذاك توفير فرص عمل للشباب العاطلين عن العمل، فالبطالة في أوساط الشباب والتمايز الطبقي، تدفع العديد من الشباب إلى الارتماء في أحضان بعض هذه الجماعات الإرهابية، بسبب الرغبة في الكسب السريع.
كذلك نحتاج الى تفعيل التربية بروح المواطنة، فالإنسان كائن اجتماعي يتأثر بالبيئة وبالمجتمع الذي يعيش فيه، ولربما لم تتهيأ المؤسسات التعليمية الى هذا المستوى، لذا يأتي هنا دور منظمات المجتمع المدني والأحزاب الوطنية، فالمدرسة لا تملك الكوادر المؤهلة بالعدد الكافي لذلك. ونؤشر التأثير الديني السلبي المفروض أحيانا في بعض الأماكن، وفي العديد من المدن العراقية، ما يحد من الطروحات الفكرية التي تنتهج المواطنة كأساس لبناء المجتمعات الحديثة.
فهناك ضرورة للتثقيف والتوعية الوطنية لبناء مواطنين يعرفون حقوقهم وواجباتهم. وكذلك فصل الدين عن الدولة، وعدم زج الدين في آليات السياسة والسلطة والحكم في الدولة بشكل مباشر، فذلك سيؤثر على أداء الدولة كمؤسسة جامعة للجميع ومنصفة في ما بينهم، وعكس ذلك فإن المجتمع يسير إلى التفكك، ما يفتح الباب واسعا لنشاط التيارات المتطرفة التي تستغل هذه الثغرات والتفرقة فتنمو وتشكل خطرا كبيرا على الدولة وعلى المجتمع.
إن نموذج داعش حول الحكم الإسلامي وإقامته ما يسمى بـ ((دولة الخلافة)) في هذا العصر، بات يشكل تحديا حقيقيا للتيار الإسلامي المعتدل، نظرا لما يثيره من شكوك حول صلاحية المشروع السياسي الإسلامي الذي تنادي به الحركات الإسلامية المعاصرة، وجعلت الكثير ينفر من الإسلام، فلم يعد الاسلام هو الحل في نظر هؤلاء، وليس هنالك من أمان وحرية وعدالة ورفاهية كما تدعي جماعة الإسلام المعتدل، ان الناس اليوم من ايزيديين ومسيحيين وشبك وصابئة، بل وحتى المسلمين يهجرون ليس فقط من الأماكن التي يحتلها داعش، كالموصل مثلا، بل يغادرون من جميع أنحاء العراق وسوريا ومن مختلف الأديان والطوائف، فقد أعطت داعش نموذجا ليس فقط سيئا عن الإسلام بل نموذجا مرعبا عن الوحشية واللا إنسانية. وشوهت كل القيم.
فأين روح التسامح التي ينادي بها المسلمون مع مختلف أصحاب الأديان والمذاهب في إطار المجتمع الإسلامي الكبير. وخصوصا ان داعش يستند على آيات في القرآن وبعض الأحاديث والفتاوى لبعض الفقهاء قديما وحديثا. نعم ان داعش يسيء للفكر الإسلامي.
لكن هنالك أسبابا موضوعية وأجواء سياسية أدت إلى نشوء داعش وأمثاله من أفكار متطرفة، منها البيئة السياسية الناشئة عن الدكتاتورية والاستبداد السياسي للأنظمة الحاكمة، وعدم الاستقرار الأمني والاجتماعي في هذه البلدان.
والقمع من قبل الأنظمة الحاكمة ضد المعارضين السياسيين. التخلف الحضاري وانعدام الشفافية وغياب العدالة الاجتماعية واستشراء الفساد المالي والإداري، ما ادى إلى تفاقم حالة الفقر والبطالة المتفشية خاصة في صفوف الشباب.
أما الأسباب الذاتية، التي تتعلق بالإسلام والموروث والتراث الفكري والفقهي له، وطبيعة الخطاب الإسلامي الذي يغلب عليه بصورة عامة الجانب العاطفي والمثالي، إضافة إلى الكثير من الفتاوى غير المسؤولة الداعية إلى التشدد في الدين وتكون مبعثاً على التطرف، وتغذي روح التشدد في الدين وبالتالي اللجوء إلى استخدام العنف وممارسة "الإرهاب".
ان نموذج الدولة المدنية هو الحل، والتي تقوم على مبدأ المشاركة الإيجابية والمتوازنة وتتوفر في ظلها الديمقراطية والتعددية والحريات العامة.
وللأسف المجتمع العراقي قد أرهقت كيانه الحروب العبثية، ومزقت نسيجه السياسات الهمجية، إلى الحد الذي لم يكن بوسع منظماته المدنية أن تبادر إلى تأسيس هوية وطنية لتكون بمثابة الأساس لدولة معاصرة، ما يتيح للجميع فرص الارتقاء بوعيهم التقليدي إلى مستوى إدراك ولائهم الوطني، لهذا كانت التشكيلات الطائفية والقومية والقبلية، هي الملاذ الوحيد والملجأ الأخير الذي يؤمن لهم حاجتهم المادية كأشخاص ويعزز ثقتهم بأنفسهم كمواطنين.
الخروج من هذا الوضع يتطلب انتفاضة الروح الوطنية وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة والقبول بإرادة الشعب.
ان أسلوب الإرهابيين في قتل المدنيين الأبرياء كوسيلة لإرهاب الشعوب والحكومات لتغيير سياساتها، هو مسلك مرفوض قانونياً وأخلاقياً فالرأي الآخر المخالف يجب أن يواجه بالمنطق والحجة ولا يجوز مطلقاً قتل صاحب الرأي الآخر بهذه الطرق.
ثمة سؤال يطرح نفسه عن علاقة هذه التنظيمات الإرهابية بالتدخلات الاجنبية.
نعم ان الدول التي لها مصالح في هذه البلدان بسبب منابع الطاقة أو غيره، فأنها ربما تلجأ الى تغذية الطائفية، وفق سياسة "فرّق تسد" وهذا ما يؤكده المبشر لورانس براون الذي يقول:«يجب ان يبقى المسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير»، حسب نظرية صراع الحضارات، وهكذا نجد مواطني دول أوربية وغربية في صفوف داعش، حتى أن بعضهم من غير المسلمين، ما يعني وجود من يدعم هذه التنظيمات الإرهابية تنفيذا لمخططات سياسية، لكن ذلك لا يجري بعيدا عن جذور موجودة لنشوء هكذا أفكار في هذه البلدان.
ومن خلال نظرة سريعة حول مواجهة قوات التحالف لقتال داعش في العراق وسوريا، لا نجد الجدية الحقيقية في ذلك القتال، فلو رغبت في القضاء الفعلي عليه لكانت قد انتهت منذ زمان، لكن الواقع والتصريحات التي يدلي بها كبار المسؤولين الغربيين يؤكدون ان هذه الحرب ستطول سنوات وسنوات، وكأنهم برمجوها لتكون كذلك لإنهاك هذه البلدان وتدمير اقتصادها وبناها التحتية، ومنظومة القيم الاجتماعية، وهذا ما يحصل اليوم، في العراق وسوريا وليبيا.
لذا من الصعب إعفاء أمريكا وكل قوى التحالف من كل ما يجري وكأنه بعيدا عن التخطيط من قبلهم.