من وراء تفجيرات بروكسل؟

عبدالخالق حسين
2016 / 3 / 25

في صباح يوم 23/3/2016، ارتكبت ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش) سلسلة من التفجيرات المروعة في بروكسل، عاصمة بلجيكا، والتي هي قلب أوربا وعاصمة الوحدة الأوربية أيضاً. بدأت بالمطار، وبعد ساعة ضرب انفجار آخر محطة مالبيك في مترو الأنفاق قرب مقر الاتحاد الأوروبي. وراح ضحية هذه التفجيرات 31 قتيلاً وأكثر من 250 جريحاً. وقال التنظيم في بيان على الانترنت، إن المواقع المستهدفة تم "انتقائها بعناية"، وحذرت من أن الأسوأ قادم "للدول الصليبية التي تحالفت ضد الدولة الإسلامية".

والسؤال هنا، هل حقاً أن هذه التفجيرات جاءت بسبب تحالف "الدول الصليبية ضد الدولة الإسلامية"؟ الجواب كلا، فالدول الغربية كانت قد غضت الطرف عن إرهاب داعش في أول الأمر، وألقت اللوم على بشار الأسد في سوريا أملاً في إسقاطه، وعلى الحكومة العراقية (التي يهيمن عليها الشيعة والموالية لإيران) على حد كليشتهم المملة كلما ذكروا العراق. ولم تتحالف هذه الحكومات ضد داعش إلا بعد سلسلة الهجمات الإرهابية المنسقة في باريس يوم 13 نوفمبر 2015، والتي راح ضحيتها 131 قتيلاً وأكثر من 700 جريح، وسبق ذلك هجوم على صحيفة شارلي إبدو الساخرة في باريس في 7 يناير 2015، أدى إلى مقتل 12 شخصاً وإصابة 11 آخرين، وغيرها كثير من الأعمال الإرهابية، لذلك فالتحالف الأوربي "الصليبي" ضد داعش جاء كنتيجة ورد فعل للإرهاب الداعشي وليس سبباً له.

لقد بدأت الأعمال الإرهابية ضد الغرب منذ التسعينات من القرن الماضي بضرب السفارات والمصالح الأمريكية في أفريقيا، ثم تكللت بكارثة 11 سبتمبر 2001، و راح الذرائعيون يختلقون المبررات للإرهاب، ويلقون اللوم على السياسة الخارجية لأمريكا وغيرها من الدول الغربية، وتعاطفها مع الصهيونية وإسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني ...الخ. بينما الحقيقة التي يتناساها هؤلاء عن عمد هي أن الإرهابيين ابتداءً بالقاعدة وانتهاءاً بلقيطتها داعش، لم تقم بأية عملية إرهابية ضد إسرائيل، أو ضرب مصالحها في أي مكان في العالم. لذلك فهذه الادعاءات باطلة والغرض منها تحريف الأنظار عن السبب الحقيقي للإرهاب ومن وراءه ويرعاه، ألا وهو دور السعودية في نشر التطرف الوهابي التكفيري ضد كل من لا يؤمن بهذا مذهبهم الفاشي المعادي للإنسانية.

فالجرائم الإرهابية الأخيرة ليست بنت الساعة، بل هي نتاج عشرات السنين من عملية غسيل أدمغة الشباب، ونشر التطرف الديني الوهابي في العالم وتحويلهم إلى روبوتات وقنابل بشرية موقوتة. وفي هذا الخصوص، نشرت صحيفة الإنتدبندنت اللندنية تقريراً مفصلاً قبل أربعة أشهر عن دور السعودية في نشر التطرف في بروكسل بالذات، وبمناسبة التفجيرات الأخيرة أعادت الصحيفة نشر التقرير وهو بعنوان: (هجمات بروكسل: دور المملكة العربية السعودية وصفقة الحصول على عقود النفط في زرع بذور التطرف في بلجيكا)(1). يروي الكاتب (Leo Cendrowicz) قائلاً:
((هناك عدة أسباب لماذا أصبحت بلجيكا مرتعا للإسلام الراديكالي. بعض الإجابات تكمن في زرع الدعاة السلفيين السعوديين في البلاد منذ الستينات من القرن الماضي، وحرصا على تأمين عقود النفط، قدمت بلجيكا في عهد الملك بودوان عرضا للملك السعودي فيصل، الذي كان قد زار بروكسل في عام 1967، وفي هذه الزيارة تم الاتفاق على إقامة مسجد في العاصمة، وتوظيف رجال الدين المدربين من السعودية والخليج. و في ذلك الوقت، كانت بلجيكا تشجع العمال المغاربة والأتراك أن يأتوا إلى البلاد كعمالة رخيصة. ان الاتفاق بين الملكين جعل المسجد المكان الرئيسي لعبادتهم.))

كانت في بروكسل بناية مهجورة بنيت على التصميم الشرقي عام 1879. لذلك منح اتفاق 1967 السعوديين استخدام هذه البناية لمدة 99 عاما، بدون إيجار (Rent-free lease). تم تحويرها من قبل السعوديين، وافتتح في عام 1978 باسم المسجد الكبير في بروكسل، إضافة إلى استخدامه مقراً للمركز الإسلامي والثقافي في بلجيكا (ICC).
وعلى الرغم من اعتبار المسجد الصوت الرسمي للمسلمين في بلجيكا، ولكن جاءت تعاليم السلفية المتشددة بتقاليد مختلفة جدا عن إسلام المهاجرين الجدد. اليوم هناك حوالي 600000 نسمة من أصول مغربية وتركية في بلجيكا التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون.

ورغم أن المغاربة من المذهب المالكي الأكثر تسامحا وانفتاحا من الإسلام الوهابي السعودي، إلا إنه تم إعادة أسلمتهم من قبل رجال الدين السلفية والمعلمين في المسجد الكبير. بعض المغاربة حصلوا على منح دراسية في المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية. فالسلفيون منعوا المغاربة من الاندماج في المجتمع البلجيكي، ونشروا بينهم التطرف الوهابي. وينقل الكاتب عن نائب برلماني بلجيكي قوله: "أننا كنا نعامل السعودية كدولة صديقة، ولكنهم استخدموا الإزدواجية في تعاملهم معنا، فهم يريدون التحالف مع الغرب عندما يتعلق الأمر بمحاربة الشيعة وإيران، ولكن لديهم أيديولوجية القهر عندما يتعلق الأمر بدينهم والتعامل مع العالم".

ويستنتج التقرير أن معظم الإرهابيين والمتطرفين المسلمين في بلجيكا هم خريجو الجامع الكبير الذي يديره السعوديون. وهؤلاء يستلمون أطفال المسلمين ويزرعون فيهم ثقافة الكراهية والتطرف والتكفير ضد أتباع جميع الأديان الأخرى، وضد المسلمين من غير السلفيين الوهابيين، وبالأخص ضد الشيعة، ويعتبرون قتل جميع هؤلاء ضمان لهم لدخول الجنة.

وأخيراً حتى الرئيس باراك أوباما أعترف علناً بدور السعودية في نشر التطرف والإرهاب في العالم، ولكن الإعلان وحده لا يكفي ما لم يتم أخذ إجراءات رادعة ضد مملكة الشر وإيقافها عند حدها وتحميلها تكاليف كل هذا الخراب الذي حصل في البلدان التي نالها الإرهاب السعودي مثل العراق وسوريا واليمن وتونس وليبيا ومصر والبلدان الأوربية والأفريقية الأخرى. فبدون تجفيف منابع الإرهاب ابتداءً من السعودية تبقى البشرية تعاني من هذا الإرهاب الوهابي المتوحش إلى أجل غير معلوم.

لذلك على الحكومات الغربية أن تصحو من غفوتها، وإذا ما استمرت في هذا الاستغفال والتغاضي عن دور السعودية في نشر التطرف الديني التكفيري مقابل المال، فإن مزيداً من العمليات الإرهابية في المستقبل، وهذا يؤدي إلى صعود اليمين الأوربي المتطرف ضد كل الجاليات الإسلامية في الغرب، والأبرياء هم الذين يدفعون الثمن في كل وقت.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــ
روابط ذات علاقة
1-
The Independent:
Brussels attacks: How Saudi Arabia s influence and a deal to get oil contracts sowed seeds of radicalism in Belgium
http://www.independent.co.uk/news/world/europe/brussels-attacks-saudi-arabia-influence-oil-contracts-sowed-seeds-radicalism-belgium-great-mosque-a6745996.html

2- د.عبدالخالق حسين: الوهابية، حركة فاشية دينية يجب تجريمها
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=749

3- كورتين وينزر: السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية
http://www.aafaq.org/malafat.aspx?id_mlf=11

4- د. أسامة فوزي: على هامش تفجيرات بروكسل الإرهابيه ... لله درك يا بشار الأسد
http://www.arabtimes.com/portal/news_display.cfm?Action=&Preview=No&nid=21150