الكتاب المطرود من رحمة الأزهر 3-3

توفيق أبو شومر
2016 / 3 / 25

الإسلام وأصول الحكم، المؤلف، علي عبد الرازق
يُرجع الكاتب سبب العُدوان والبغي والطغيان إلى منصب الخليفة، ويورد من الشواهد التاريخية ما يؤيد أقواله، وكيف يتحول الخليفةُ من مفوض للسهر على راحة الرعية، إلى كارثة على أمَّته، ومصيبة على رعيته، وهو يُحدد النتائج الكارثية المترتبة على اعتناق نظرية الخليفة، فهو يقول مستعرِضا أحداث التاريخ:
"استباح يزيدُ بن معاوية دمَ الحسين بن فاطمة، بنت رسول الله، وانتهك حرمة مدينة رسول الله، واستحلَّ عبدُ الملك بن مروان بيت الله الحرام، ووطئ حِماه، حُبا في الخلافة، وكيف صار أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي سفَّاحا، وكيف حارب الصالحُ نجمُ الدين أخاه العادل، أبا بكر بن الكامل، فخلعه وسجنه، وامتلأت دولة المماليك والشراكسة بخلع الملوك وقتلهم، كلُّ ذلك من آثار حب الخلافة."
ويتحول المؤلفُ أيضا إلى عالم نفس، فيرصد أثر حب الخلافة على نفسية الخليفة، فيشير إلى أن الخلافة بمفهومها السياسي التوظيفي تُورِثُ الخليفةَ القسوة، والرغبة في الانتقام، الذي يصل إلى درجة التوحُّش، فيقول:
"يستحيلُ الملك سفَّاحا وشيطانا ماردا."
كما أنه يشير إلى أن مَن يتولى الخلافة والمُلك يَغضُّ النظرَ عن تعاقده مع الرعية، ويستحوذ على الخلافة، ولا يقبل بإنهاء تعاقده مع الرعية، لأن الخلافة والمُلك تتحول إلى رغبةٍ في الاستحواذ والسيطرة، ومن ثم التوريث إلى الأبد، وهذا بالتأكيد يُسبب النزاع والاقتتال، فهو يقول:
"المُلْكُ منصبٌ شريفٌ ملذوذ، لذا يقعُ فيه التنافُسُ غالبا، وقلَّ أن يُسلِّمَه أحد لصاحبه إذا غلب عليه"

يشرعُ المؤلفُ في مناقشة نظرية الخلافة، مستخدما ثقافته الدينية، وتجربته كعالم من علماء الأزهر، وجلوسه مفتيا في المسجد، ويشرع في مناقشة قضية إجماع أهل الحل والعقد، وفي هذا الإطار، فإنه يوردُ قصةً لإثبات نظريته في الخلافة، وأنها ليست مقدسة، وليست ركنا من أركان الدين الرئيسة، يورد المؤلف قصة فيصل بن الحسين بن علي، يقول:
"أبوه حسين، أميرٌ عربيٌ انحاز للخلفاء، وخرج على الترك، فقام أولادُه ينصرون جيش الحلفاء، امتاز فيصل بالزُّلفى من الإنجليز، فعينوه ملكا على الشام، وهاجمه الفرنسيون، فهرب إلى إنجلترا، وحملوه إلى العراق، ونصَّبوه ملكا عليه، وفرضوا على أهل الحل والعقد أن يُنصبوه ملكا، فهل هذا هو الإجماع؟!!"
لم يكتفِ بالقصة السالفة، فهو يؤكد بأن القرآن لم يُشر إلى الخلافة، كما أن الخلافة لم ترد في السنة، وهو يؤكد على ما يتردد في أوساط أنصار نظرية (الخلافة) باعتبار أنها فرضٌ واجبٌ لتأدية فروض الدين.
كما أن الإيمان بالخلافة أدى إلى فُرقة المسلمين، وأورد كعادته نماذجَ وأدلَّةً على ذلك، فهو يقول:
"إن الإيمان بوجوب الخلافة لتأدية فروض الدين ليست صحيحة، وما مِن حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ، ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك:
إن الخلافة كانت وما تزل نكبةً على الإسلام، وينبوع شرٍ وفساد، فقد تشظَّى مُلك المسلمين، في منتصف القرن الثالث الهجري، فصارتُ خُراسان لابن سامان، والبحرين للقرامطة، واليمن لابن طباطبا، وأصفهان لبني بويه، وحلب لسيف الدولة، ومصر للطولونيين والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين والمماليك، هوت الخلافةُ في بغداد في منتصف القرن السابع الهجري، حين هاجمها التتار، وقتلوا المستعصم، وبقي الإسلامُ ثلاث سنين بدون خليفة."
يؤكِّدُ الشيخ، علي عبد الرازق أقواله بالاعتماد على سيرة الرسول، فهو يؤكد بأن الرسول لم يكن مًلِكا، بل كان رسولا من الله، وهذا ما هو ظاهر في القرآن، فيقول:
- "هل كان الرسولُ رسولا فقط، أم مَلكا ورسولا؟
إن ظواهر القرآن تشير إلى أن النبي لم يكن له شأنٌ في المُلك السياسي، قال الرجلُ: أنا ابن امرأة من قريش، تأكل القديد بمكة، فهو لم يكن ملكا، ولم يطلب المُلك."
يعيدنا مؤلف الكتاب، الشيخ علي عبد الرازق إلى التاريخ من جديد، ويذكرنا بمنزلة الرسول، فهل هي منزلة دينية، أم دنيوية؟
فهو يؤكد على ما ذهب إليه بأن الرسول لم يكن له منصبٌ مدنيٌ وسياسي، فهو زعيمٌ دينيٌ، وهو أيضا لم يوصِ لأحد مِن بعده بالخلافة، أو الوراثة والحكم، ويستنكر أن تتحول رسالتُه بعد وفاته إلى سلطة مدنية وراثية، فرسالته السماوية انتهت بموته، وكذلك انتهت زعامته أيضا، ولا يجوز لأحد أن يخلفه، وكل مَن يأتي بعده، فهو زعيمٌ مدني وسياسي، فهو يقول:
"كانت وحدةُ العرب إسلامية، لا سياسية، وكانت زعامة الرسول فيهم زعامة دينية، لا مدنية، وكان خضوعهم له خضوعَ عقيدة، وإيمان، لا خضوع حكومة وسلطان، فإذا لَحِق عليه السلام بالرفيق الأعلى، لم يكن لأحدٍ أن يقوم مِن بعده، ذلك المقامَ الديني، وما كانت رسالته لتورث من بعده، فلحق بالرفيق الأعلى من غير أن يسمي أحداٍ يخلفه، ولم يشر إلى شيء يسمى دولة إسلامية، أو دولة عربية. انتهت الرسالة بموته، وانتهت الزعامة أيضا، وما كان لأحد أن يخلفه في زعامته."
اعتبر المؤلف فترة الخلفاء الراشدين، بأنها زعامة سياسية، فأبو بكر عنده ليس سوى( مَلِك) من الملوك، وليس خليفة للرسول، وهو يعتمد على عدة ركائز، أبرزها بيعةُ أبي بكر، فالبيعة التي تمت في السقيفة لأبي بكر ليست سوى بيعة سياسية، لا علاقة لها بالبيعة الدينية، ويشير إلى ما تخلل البيعة من (صفقة)، حين اتُّفق على تولية عمر بعد أبي بكر، وحين قال الأنصار والمهاجرون: منا أميرٌ ومنكم أمير يقول:
"لو كان من زعامة بعده، فهي ليست أقل، ولا أكثر من الزعامة المدنية، أو السياسية، زعامة الحكومة والسلطان، لا زعامة الدين، وجرى على لسانهم(عند موته) ذكرُ الإمارة والأمراء والوزارة والوزراء، وتذاكروا القوة، والسيف، والعزة والثروة، والعدد والمنعة والبأس والنجدة، وما كان ذلك إلا خوضا في المُلك، وقياما بالدولة، وكان من أثر ذلك ما كان من تنافس المهاجرين والأنصار، وكبار الصحابة، بعضهم من بعض، حتى تمت البيعة لأبي بكر، فكان هذا هو أولَ مَلِكٍ في الإسلام، فالبيعة، بيعةٌ سياسية ملكية.
- وحين قال المهاجرون والأنصار:" منا أميرٌ ومنكم أمير، وحين يجيبهم أبو بكر: منا الأمراء، ومنكم الوزراء، وحين ينادي أبو سفيان: والله إني لأرى عجاجة لا يُطفئها إلا الدم، يا آل عبد مناف: فيم أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان، علي والعباس؟
- رفض سعيد بن عبادة مبايعة أبي بكر، والدليلُ على أن حكومة أبي بكر مدنية، فقد استحلوا الخروج عليها."

يفكك الكاتب، مغازي هذا لقب (الخلافة)، وكيف استخدمه الخلفاء لمطاردة معارضيهم، فقد أتاح لهم هذا اللقب(خليفة) أن يسمي كلَّ من يخرج عليه: مُرتدا، على الرغم من أن الخارجين والمتمردين على نظام الخلافة، هم مسلمون، لم يخرجوا عن الإسلام، إذن فقد أتاح لهم لقب( الخلافة) أن يُخرجوا مَن يشاءون من الإسلام، ويكفروا من يعارضونهم. وأورد من أحداث التاريخ وقصصه ما يؤيد أقواله، كقصة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة، وأشار أيضا إلى أن استخدام الملوك والخلفاء لقب (خليفة الرسول) ليس سوى محاولة لوأد التمرد على السلاطين، بوسيلة سهلة ميسورة وهي أن يقتنعوا بأن الخلفاء والسلاطين، هم مندوبو الله في الأرض، وهم أيضا يرغبون في مصادرة تفسيرات الدين، فيفرضون عليهم تفسيراتٍ دينية خاصة حتى يبقوا طوع الملوك والخلفاء، يقول المؤلف:
- ارتضى أبو بكر لقب (خليفة) وبناء على ذلك سُمِّيَ الخارجون على حُكمه بالمرتدين، وكان كثيرٌ منهم مسلمين لم يخرجوا على الإسلام، حتى أن عليا، وسعد بن عبادة رفضا مبايعة أبي بكر، ولم يُسميا خارجيَيْن!
- فخالد بن الوليد قتل مالكا بن نويرة، على الرغم من أنه أعلن إسلامه، ورفض تأدية الزكاة لأبي بكر، فقطعت رأسه، وجعلت أثافي للقدر!
- وكان اللقب(خليفة رسول الله) سببا من أسباب الخطأ الذي تسرب إلى عامة المسلمين، فخُيِّلَ إليهم أن الخلافة مركز ديني، فمن وليه هو في مكان رسول الله، وكان من مصلحة الخلفاء أن يروجوا هذا الخطأ بين الناس حتى يتخذوا من الدين دروعا تحمي عروشهم، وتذود الخارجين عليهم، وما زالوا يعملون على ذلك من طرق شتى، فأفهموا الناس، أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله، ولم يرضوا بذلك، بل جعلوا السلطان خليفة الله في أرضه، وظلَّه الممدود على عباده.
- تلك جنايةُ الملوك واستبدادهم بالمسلمين، عَمُّوا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضا استبدوا بهم، وأذلوهم، وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم، وضيَّقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعا، حتى في مسائل الإدارة الصرفة، والسياسة الخالصة، ذلك، وقد ضيقوا عليهم أيضا في فهم الدين، وحجروا عليهم في دوائر، عينوها لهم، ثم حرموا عليهم كل أبواب العلم، التي تمسُّ حظائر الخلافة.
يشير الكاتب في خاتمة كتابه إلى أن الإسلام الصحيح بريء من لقب (الخلافة) الذي يعني التأخر واستعباد الرعية، والصراع المذهبي والعقائدي، وهو أيضا يؤكد على أن استخدام(الخلافة) يؤخر ركب الأمة، ويحول بينها وبين التحضر والثقافة والوعي، فالإسلام المحشوُّ بالتوظيفات والتفسيرات غير الصحيحة، هو من أبرز أسباب تقهقر المسلمين وتأخرهم، فهو يقول:
"والحق أن الإسلام بريء من تلك الخلافة، التي يتعارفها المسلمون، كما أن تدمير الجيوش الإسلامية، وعمارة المدن والثغور، ونظام الدواوين، لا شأن للدين بها، وإنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب، أو إلى قواعد الحروب، أو هندسة المباني، وآراء العارفين.
لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يُسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع، والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له، واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت عقول البشرية، وأمتن ما تجلَّت عليه تجارب الأمم، على أنه خيرُ أصول الحكم."
انتهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى