هَلْ يُدْرِكْ اَلْسُّوْدَانِيُّوْنْ (حَقِيْقَةْ) أَفْعَاْلْ اَلْبَشِيْرْ ؟!

فيصل عوض حسن
2016 / 3 / 23

هَلْ يُدْرِكْ اَلْسُّوْدَانِيُّوْنْ (حَقِيْقَةْ) أَفْعَاْلْ اَلْبَشِيْرْ ؟!

د. فيصل عوض حسن

كتبتُ مقالاتٍ عديدة عَن أزمات السودان المُتزايدة والمُتسارعة وهواننا الداخلي والخارجي، وأطماع الآخرين الذين استغلُّوا ضعف وخنوع البشير وأخطائه، فتَكَالبوا على بلادنا يقتطعون منها وينهبون خيراتنا ويقتلون أهلنا، كمصر التي احتلَّت حلايب وتَوغَّلَت جنوباً بجهة وادي حلفا، ومَنَعَتْ صيد الأسماك ببُحيرة النوبة السودانية لغير المصريين، بخلاف الأراضي التي مَنَحَها لها البشير وأزلامه بشمال السودان وبالنيل الأزرق، حتَّى مياهنا الإقليمية بالبحر الأحمر لم تَسْلَمْ من التغوُّلات المصرية. تُنافسها في هذه التغوُّلات إثيوبيا، التي أقامَت سد النهضة ببني شنقول السودانية، واحتَلَّتْ الفشقة وتقتل السودانيين يومياً بالمناطق الحدودية بما في ذلك القضارف، وتستغل ميناء بورتسودان وتعمل لبناء ميناءها الخاص (داخل السودان)!
يحدث كل هذا بمُباركة البشير الضعيف استجابةً لابتزازات الدولتين، وهي أمورٌ خطيرة تُهدِّد بقاء السودان كدولةٍ وكيان، وأستهدف بمقالتي هذه مُواصلة التوعية بما يفعله البشير وعصابته قبل فوات الأوان، حيث كَشَفَت صحيفة الحياة اللندنية في 20 مارس 2016 عن انتهاء ترسيم الحدود البحرية بين السعودية ومصر، وسيتم التوقيع على الاتفاقية مطلع أبريل القادم خلال زيارة ملك السعودية لمصر. ووفقاً لإعلان احتجاج مصر على مرسوم الرياض عام 2010، فإنَّ مُثلَّث حلايب يقع ضمن حدودها، مما يعني ضمنياً (إقرار) السعودية وتأييدها لهذه الحدود، بما يتقاطع ودورها كوسيط بين السودان ومصر لحسم موضوع حلايب كما أعلن البشير سابقاً. وبمعنىً آخر، نحن أمام احتمالين لا ثالث لهما، إمَّا أنَّ البشير (كاذب) بشأن (توسُّط) السعودية لحسم موضوع حلايب مع مصر وهو الاحتمال الأقرب، أو أنَّه طلب فعلاً (توسُّط) السعودية ولكنها (تَجَاهَلَتْ) طلبه تبعاً لمصالحها، وفي الحالتين السودان وأهله هم الخاسرون!
قد ينبري من يُدافع ويُبرر بأنَّ موقف السودان ثابت، ولا علاقة له بأي اتفاقات ثنائية مهما كانت وغيرها من التبريرات الهايفة، نقول على الأقل استفسار الدولتين (بقوة) عن هذه الحدود، ودعم ذلك بشكوى (رسمية) لدى الجهات العدلية الدولية، وهو ما لم ولن يحدث. ففي الوقت الذي ملأ البشير وإعلامه المأجور الدنيا ضجيجاً بشأن حلايب واسترجاعها، أقرَّ وزير خارجيته للمصريين في ديسمبر الماضي بأنَّهم لم يشتكوا مصر دولياً، وأنَّ شكوى السودان (قديمة) منذ الخمسينات، بما يُؤكِّد كذب البشير وانكساره للغير وتخليه عن السودان وأهله لينجو برقبته! ودونكم أنَّ جدول أعمال زيارة السيسي الوشيكة للسودان، حسبما أعلن وزير إعلام عصابة البشير لقناة الشروق يوم 20 مارس 2016، خلا تماماً من أي إشارة لحلايب أو أراضي السودان التي تحتلها مصر، ويُركِّز فقط على تطورات ملف سد النهضة، ونكاد نجزم بأنَّ سدود الشمال (الشريك وكجبار ودال) وأراضي النيل الأزرق، ستكون أحد محاور النقاش المُرتبط بسد النهضة! فالمصريون أو غيرهم (لو أرادوا بيع المياه) هم المُستفيد من هذه السدود وليس السودان، خاصة (كجبار ودال)، بخلاف (تعويض) مصر بأراضي النيل الأزرق لزراعتها مطرياً (بدلاً) عن أراضيها التي ستبور عقب قيام سد النهضة ونقص المياه، بما يعكس (وَضَاعة) و(انحطاط) البشير وأزلامه، واستحقار مصر والسعودية للسودان وأهله!
ومن جهةٍ ثانية، تَواصَلَ انبراش البشير وعصابته لإثيوبيا (أسوةً) بمصر، حيث أعْلَنَتْ (سونا) في 20 مارس 2016 عن اتفاقٍ بين السودان وإثيوبيا لتعزيز ما وصفوه العلاقات الاقتصادية المُشتركة، ومشروعات ربط (الطرق والسكك الحديدية)، و(زيادة إستيراد الكهرباء) من إثيويبا، و(إستخدام الموانئ) وإنشاء منطقة حرة بين البلدين، وهنا يتَكَشَّف حجم الكذب والتضليل الإسلاموي! ففي الوقت الذي عَلَتْ فيه أكاذيب المُتأسلمين بفوائد سدَّ النهضة خاصَّة الكهرباء، نجد بأنَّ اتفاقيته (خَلَت) من أي إشارة أو (التزام) إثيوبي بمَنْحْ السودان كهرباء من السد و(حجمها) أو (سعرها)، أو متى (ستُنْشَأ) خطوط نقلها داخل السودان ومن الذي سيَتَكَفَّل بإنشائها. وإلا فأين هذا الاتفاق ولماذا لم (يُوثَّق)؟! وفضلاً عن هذا، فإنَّ زيادة استيراد الكهرباء الإثيوبية، تعني (فشل) سد مروي الذي تبارى البشير وإعلامه المأجور بمدحه، كما يُؤكِّد فشل (تعلية) خزَّان الروصيرص، وعدم جدوى السدود المزعومة سواء ستيت وعطبرة أو سدود الشمال (الشريك وكجبار ودال)، وأنَّ لها أهدافاً أُخرى (غير مُعْلَنَة)! وسواء كان هذا أو ذاك، فإنَّ زيادة استيراد الكهرباء، يُؤكِّد أنَّ البشير وعصابته يُضلِّلون السودانيين.
وقمَّة التضليل، تتجلَّى في اتفاقهم استخدام الموانئ لأنَّ القاصي والداني يعلم (انعزال) إثيوبيا بحرياً وافتقارها للموانئ، مما يدفعها للاستعانة بالمُوانئ المُجاوِرَة. ولو قالوا بأنَّها تبادُل منافع، نقول بأنَّ إثيوبيا وبإقرار مسئوليها وأزلام البشير، تستخدم (فعلياً) ميناء بورتسودان فما هي عوائد هذا الاستخدام وأين ذهبت؟! أمَّا مسألة السكك الحديدية والطرق، فهي في حقيقتها لصالح إثيوبيا وحدها، ونقل أغراضها من وإلى الميناء (الإثيوبي) الذي وافق البشير الضعيف على بنائه (داخل السودان)! ويعني التهام إثيوبيا (عملياً) لكل المناطق التي ستعبرها هذه الطرق، ويُفسِّر توغُّلاتها المُستمرَّة داخل الأراضي السودانية، وعدم اكتفائها بالفشقة وما حولها من أراضي! مع مُلاحظة أنَّ الاتحاد الأفريقي، وبإقرار وزير خارجية البشير خلال ديسمبر الماضي، قرَّر بأنَّ هذا العام 2016 هو آخر موعد لـ(حَسْمْ) الحدود بين دول أفريقيا، مما يعني (عملياً) فُقدان السودان للأراضي التي تحتلها كلٍ من مصر وإثيوبيا، وهذا يُفسِّر تلكُّؤ إثيوبيا في ترسيم الحدود واستمرار توغُّلاتها هي ومصر داخل السودان! فهل رأيتم أكثر من هذا الانحطاط؟ وفي الواقع، لا أخفي عَجْزِي الحقيقي عن وصف ما يفعله البشير وعصابته بالسودان، فمهما (طَوَّعْتَ) الحروف وانتقيت أقوى العبارات، أجدها قاصرة أمام فجورهم الذي فاق حدود التصوُّر، وتَجَاوَزَ قيم النخوة والعزة والكرامة والوطنية.
إنَّ ما نستنتجه من العرض أعلاه الذي اجتهدتُ في ضغطه واختصاره، ليس فقط انحطاط البشير وعصابته المأفونة وأزلامه من الإعلام المأجور، إنَّما أيضاً إدراك حقيقة من نصفهم بالأشقاء الذين يسعون (فقط) لإشباع أطماعهم في السودان (الهامِل) على عهد المُتأسلمين. ولا أعني مصر وإثيوبيا وحدهما، وإنَّما السعودية أيضاً، التي أثبتت سعيها لمصالحها فقط، حتَّى لو كان ذلك على حساب بقاء السودان (كدولة وكيان وشعب)، وهو موضوعٌ آخر سنُفرد له مساحة خاصة.
الحقيقة القاسية التي يجب التعامل معها بعقلانية وتدبُّر، هي حاجتنا الماسَّة لإجراءات عملية وواقعية عاجلة، لإنقاذ ما تبقَّى من السودان الذي يحيا واقعاً مأساوياً تحت حكم المُتأسلمين، والمُفاوضات والحوارات الـ(هَشَّة) الجارية الآن ما هي إلا مُماطلات لاكتساب الوقت، وارتكاب المزيد من الجرائم، واقتسام الغنائم بين المُتاجرين بالسودان وأهله، وهو ما (تُؤكِّده) الأحداث المتلاحقة! أمَّا إنقاذ السودان، فلا يكون بالشعارات والخُطَبْ والبيانات والصور الجماعية، وإنَّما بأفعالٍ حقيقية لها نتائجها الإيجابية والملموسة.
لقد آن لنا العمل بمبدأ (إما معنا أو ضدنا)، ولا مجال للرمادية و(مَسْك العصاية من النص)، تمشياً مع ما أعلنه أحد المُتأسلمين قبل أقلَّ من أُسبوع، إذ قال مُخاطباً إحدى مجموعاتهم أنَّهم (وطني وشعبي) يُواجهون عدواً واحداً (اللي هُمَّ أهل السودان)! فليكن هدفنا واحدٌ أيضاً، وهو اقتلاع المُتأسلمين من جذورهم، واسترداد أراضينا المُحتلَّة وقبلها كرامتنا المُهدَرَة دولياً وإقليمياً وداخلياً.. وللحديث بقية.