لماذا الفيدرالية الكردية الآن في سوريا ؟

بدر الدين شنن
2016 / 3 / 21

أحدث إعلان الفيدرالية الكردية في شمال سوريا ، اختراقاً في الأوضاع السورية عامة ، و " مؤتمر جنيف 3 " خاصة . وذلك بإضافته بعداً قومياً للصراع الجاري على ، وفي سوريا ، ومحاولة إعادة رسم الخريطة السورية على أسس عرقية . وطرح أسئلة هامة ، على مستوى المثلث الكردي ، في سوريا ، وتركيا ، والعراق ، ومستوى الحرب السورية وتداعياتها ، وكذلك على مستوى التجاذبات الإقليمية المتوترة .. وهي :

1 = لماذا أقدم المجتمعون في الرميلان ، وفي طليعتهم " حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني ، في ( 16 ـ 17 ـ / 3 الجاري ) على إعلان فيدراليتهم في شمال سوريا " روج آفا " ، في وقت يحصلون فيه على كامل حقوق المواطنة السورية ، ويضمنون تحقيق خصوصيات الكرد التاريخية والثقافية ، بما يعزز وينمي الشخصية القومية الكردية ، بعد انتهاء الحرب ، من خلال شبه إجماع سياسي ، على بناء سوريا ديمقراطية علمانية معاصرة ؟ ..

2 = لماذا إعلان الفيدرالية في شمال سوريا ، فيما تقوم كوادر " حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني " فعلاً بإدارة المؤسسات الحكومية ، بعد انسحاب الجيش السوري من المناطق المتواجدين فيها ، حيث باتت المسألة مسألة وقت ، لترتيب البيت السوري . وربما يحصل برنامج " مجلس سوريا الديمقراطية " ، الذي شاركوا في صياغته وإقراره ، المتضمن " إقامة دولة اللامركزية الديمقراطية وبناء سوريا حديثة بجيش واحد ،ضمن الوطن السوري المشترك ، على موافقة مقاربة له من قبل القوى السياسية السورية الأخرى ؟ ..

3 = لماذا جرى تجاوز الدولة ، وأبسط المبادئ الدستورية ، وعدم احترام المؤسسات التشريعية ، التي يمكن أن يتم عبرها ، التوافق ، أو عبر مقتضيات الدستور الذي سيتم تجديده ، تحقيق الفيدرالية ، ومستواها ،وشكلها ، ومضامينها ، ضمن الدولة السورية الواحدة .. وإذا كان قد حصل هذا التجاوز عمداً ، أين سيصنف هذا التجاوز ونتائجه في ظروف الحرب ؟ ..

4 = لماذا أهمل دعم الشعب السوري وقواه السياسية لهذه الخطوة ، وصودرت الحقوق السياسية والدستورية للشعب السوري ، في إعادة بناء عقد اجتماعي جديد في البلاد ، يتضمن المساواة في حقوق وواجبات الأفراد والجماعات ؟ ..

5 = هل تم تقدير منسوب التفاعلات الإقليمية مع ، كردستان الغربية " روج آفا " ، ومواقف الدول الكبرى ، التي تعمل الآن على وقف الحرب ، وإزالة آثارها ومخلفاتها الكارثية ، ووقف تداعياتها المفجعة ، وانتقال سوريا إلى الحوار والحل السياسي ، وضمان وحدتها وسلامة أراضيها ؟ ..

6 = هل يمكن حقاً الرهان ، على دعم مسعود بارزاني ، وحزب العمال الكردستاني التركي ، لإنجاح مشروع كردستان الغربية ، مقابل رفض حكومي وشعبي سوري واسع ، وعدم تقبل إقليمي ودولي ، لهذا المشروع ، الذي اعتبر تهديداً لوحدة وسلامة الأراضي السورية ؟ ..

* * *

هناك أمور عدة تطرح نفسها في هذا السياق ، ربما تساعد في التعاطي معها ، على إضاءة خلفية ، وأهداف ، وارتدادات إقامة كردستان الغربية في شمال سوريا . لعل أهمها .. المكان .. والبنية السكاني .. والثروات الطبيعية .. والظروف الحربية القائمة وما تتضمنه هذه الظروف من ملابسات ومفاجآت ، لاسيما في إعادة الانتشار والتحالفات .

* المكان الذي ستقيم " روج آفا " كيانها الفيدرالي عليه يقع على حافة الحدود السورية التركية على امتداد ( 600 كم ) ، ويشكل الممر الرئيس لعبور المقومات الجهنمية من رجال وسلاح لحرب الإرهاب الدولي على سوريا ، وتركيا في الوقت الراهن تخوض حرباً مع حزب العمال الكردستاني التركي ، وهي ترفض بقوة قيام كيان كردي سوري على حدودها الجنوبية ، لأن هذا الكيان سيكون بطبيعة الحال حليفاً للكرد في تركيا .

* البنية السكانية التعددية في شمال سوريا ، التي لا يشكل الكرد الغالبية فيها ، لا تسمح للكرد بامتلاك تقرير المصير الفيدرالي للمنطقة ، دون موافقة مكونات الغالبية الأخرى ، وخاصة العرب ، الذين يتمسكون بالهوية العربية السورية ، والذين لا يمكن إلحاقهم تعسفياً بالفيدرالية الكردية .

* تحتوي الأراضي السورية ، التي ستقوم عليها الفيدرالية الكردية ، على أهم منابع واحتياطات الطاقة السورية ، وعلى أهم الأراضي الزراعية ، لاسيما الحبوب والقطن .

* اتخذ قرار إقامة الفيدرالية الكردية في شمال سوريا ، دون قرار من " مجلس سوريا الديمقراطية " الذي يشكل من اتخذوا قرار الفيدرالية جزءاً من المجلس ، ما يهدد بتفكيك هذا المجلس التحالفي ، وإحداث فراغ سياسي لا يخدم الحل السياسي ومقترحات وطموحات التغيير والتقسيمات السياسية والإدارية في سوريا .

* جاء إعلان الرميلان الفيدرالي ، في ظروف تخوض سوريا فيها حرباً ، ضد الإرهاب الدولي ، التي لا تسمح موضوعياً بنقاش سياسي دستوري ، حول أشكال بناء الدولة ، حسب أهواء وطموحات بعض مكوناتها . وإنما تتطلب توحيد القوى والأطياف السورية كافة ، للتصدي لأعداء البلاد ، والحفاظ على وحدتها وسلامة أراضيها .

* * *

ثمة معلومات من المفيد التعامل معها ، لدى قراءة إعلان " روج آفا " لإضاءة الإجابات على الأسئلة المذكورة آنفاً :

ــ يوجد في سوريا ( 15 ) حزباً كردياً ، أبرزها " حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني بقيادة صالح مسلم .. ويعتبر امتداداً لحزب العمال الكردستاني التركي ..
ـ منذ عسكرة المعارضة ، جرى إرسال الجنود السوريين المنشقين عن الجيش السوري ، إلى كردستان العراق ، حيث تم تدريبهم ، ليتسلموا بعد ذلك الإدارات والدوائر الحكومية في المناطق الكردية في شمال سوريا .
ـ جرت معركة " الشدادي " في الحسكة بقوات مشتركة من الجيش السوري ومن وحدات حماية الشعب الكردي .
ـ أزمة الحضور الكردي في " جنيف 3 " كانت حصراً حول تمثيل " حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني ضمن وفد " مجلس سوريا الديمقراطية المعارض .
ـ عدد الكرد في العالم ( 26.712000 ) مليون . 56 % في تركيا . ـ 16 % في إيران ـ 15 % في العراق ـ 6 % في سوريا وهم من الكرمنجية .
ـ يشكل الكرد 8 % من سكان سوريا ، ويقدر عددهم حوالي ( 5 ’ 1 ) مليون .
ـ إجمالي عدد القرى في محافظة الحسكة ( 1717 ) قرية . القرى العربية ( 1161 ) قرية . القرى الكردية ( 423 ) قرية . وبقية القرى مختلطة ، كرد وآشوريين وسريان وعرب .
ـ يعيش معظم الكرد السوريين في شمال شرق البلاد ، مثل الحسكة ، والقامشلي ، وديريك ، وكوباني " عين العرب " وعامودة ، والقحطانية ، والمالكية ، وعفرين . وهناك عدد كبير من الكرد يعيش في المدن السورية الأخرى وخاصة في دمشق وحلب .
ـ كان لدى قسم كبير من الكرد في شمال سوريا مشكلة ، هي عدم تمتعهم بالجنسية السورية ، وحرمانهم من حقوق المواطنة وخدمات الدولة . وذلك نتيجة اعتبارهم مهاجرين غير مسجلين في قيود الدولة السورية . لكن مع بداية الأزمة أصدرت الحكومة السورية قانوناً بتسجيلهم ومنحهم الجنسية السورية .
ـ قام الجيش السوري مؤخراً بالانسحاب من بعض المناطق ، التي يقطنها الكرد شمال شرقي سوريا وشمال غربها ، وتسليم إدارتها إلى " حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني ، الذي قام بإنزال الأعلام السورية ، ورفع أعلامه الكردية مكانها على المؤسسات والمباني الحكومية ، كما قام بتغيير أسماء الشوارع العربية بأسماء كردية .

* * *

لم يبرز أي تأييد دولي لإعلان الرميلان الفيدرالي وتقسيم سوريا ، وإنما جرى التأكيد على وحدة وسلامة الأراضي السورية .
لم تؤيد القوى السياسية المعارضة في مختلف أطيافها ، وقوى كردية ، هذه الفيدرالية . وفي مقدمها ، هيئة التنسيق ، والائتلاف الوطني ، وتيار قمح ، وجبهة التحرير والتغيير ، والحركة الوطنية الكردية للتغيير . ورفضتها الحكومة السورية شكلاً وقانوناً .

في اللحظة السياسية السورية ، التي اخترق فيها إعلان الفيدرالية الكردية في شمال سوريا .. تحضر شخصيتان كرديتان خالدتان في التاريخ السوري والعربي ، قدمتا نمط الشخصية الكردية العزيزة المحترمة ، سورياً ، وعربياً ، وإسلامياً ، هما " صلاح الدين الأيوبي ، وإبراهيم هنانو " .

أهم الإنجازات التاريخية العظيمة التي قدمها صلاح الدين ، كانت في الظروف التي كانت فيها البلاد تواجه العدوان الصليبي العنصري الدولي وهي ، أنه وحد سوريا ومصر . ولم تظهر في أقواله وممارساته ، وهو في قمة الحكم والسلطان ، أية نزعة قومية محدودة الأفق أو شوفينية في التعامل مع شعبه ومحيطه . واستخدم ذكاءه وشجاعته ونفوذه في كل الأوساط والمستويات ، في الحرب ضد الغزاة . وحرر القدس . وبرز قائداً وطنياً وعالمياً حكيماً . وإبراهيم هنانو حرق أثاث منزله حتى لايفكر بالعودة إلية قبل الانتصار على المحتلين ، وقاد الثورة الشعبية الأولى ضد الاحتلال الفرنسي .. لتحرير سوريا .. كل سوريا ، ورفض مع القيادات الوطنية الأخرى تقسيم سوريا إلى أربعة أقسام تحت اسم حكومات المديرين .واحتراماً لنضاله الوطني انتخب رئيساً للكتلة الوطنية التي كانت تقود النضال من أجل حرية واستقلال سوريا . وقد كرمه الشعب السوري ، بأن واراه الثرى إلى جانب سعد الله الجابري والجندي المجهول .

وبحضور هاتين القمتين الوطنيتين الخالدتين ، تصعب المقارنة بين زعماء إعلان الرميلان ، الذين أشهروا بدء مرحلة تقسيم سوريا ، وبين إبراهيم هنانو وصلاح الدين الأيوبي . كما يصعب تحمل أن يكون الرفاق الكرد ، الذين كانوا ، وبعضهم ما يزال من أعمدة الحركة الوطنية وأحزاب اليسار ، شركاء في إعلان الرميلان ، المعاكس لمنطق التطور التاريخي العلمي والحضاري ، الذي يسير نحو توحد الشعوب والأمم والتكامل الإقليمي والكوني ، والذي بهذه الظروف بالذات ، يثير العديد من الأسئلة المعلقة ، ويتعارض مع المصالح الوطنية العليا المشتركة .