قصة العجوز والأيباد!

توفيق أبو شومر
2016 / 3 / 21

اشتكى لي صديقٌ من والده العجوز، وقال:
لي أبٌ عجوزٌ، أقعدتْهُ السنون، وألزمتْه البيت، أما أنا، وأسرتي المكونة من ستة أفرادٍ أعيشُ معه في بيتنا العائلي الكبير.
صدّقْني إذا قلتُ لك، أنني وعائلتي نُعاني من نقده اليومي المتواصل، وتعنيفه للصغار والكبار، لدرجة أنني أستاءُ عندما أرى نفورَ أبنائي من جَدِّهم، وكان ينبغي أن يكونَ الجَدُّ أقربَ إليهم مني، وأكثرَ حُبّا لهم.
أتعرف متى نسمعُه يضحك ويبتسم فقط، عندما يزوره أحدُ أقاربه، فيتحول إلى إنسانٍ وديع مُسلٍ، نُحسَدُ عليه!
والدي يتحوَّل إلى صوتٍ قامعٍ، آمرٍ، ناهٍ، عند خروج الضيف، ويشرع في تعنيف الأبناء على أصواتهم، وعلى طريقة لعبهم، وعلى تقصيرهم في النظافة، وعلى لباسهم، وطعامهم، واستقبالهم لأصدقائهم، ولا يكتفي بذلك، بل إنه يُعنِّفُ زوجتي، ويُسبب لها الألم.
والدي ليس جاهلا، بل واعٍ ومثقفٌ، انتزعَ منه طولُ العمر صبرَه وجلَدَه، ولم تُبقِ له السنواتُ سوى العصبيةِ، وعباراتِ التقريع، والنقدِ الجارح!
ماذا أفعل؟
قلتُ له:
الأمر بسيطٌ، ما عليك إلا أن تحاول جذبَه إلى عالم الألفية الثالثة، إلى شبكة الكمبيوتر، افتح له صفحة في الفيس بوك، ودَرِّبه على تصفُّح المواقع الإلكترونية، أو اجعل أبناءك الصغار يُدربونه، ثم انظر مفعول هذه الوصفة؟
ابتسمَ صديقي، وكان يظنُّ أنني أُمازحه، ثم أعاد النظر في عباراتي، فوجدني جادا في طرحي، فقال: ما أكثر الأجهزة المحمولة في البيت!
نسيتُ الأمرَ أياما، إلى أن قابلتُ صديقي بعد أكثر من شهر، فبادرني بابتسامةٍ عريضة، وهو يقول: ألم يطلب والدي صداقتك في الفيس بوك؟!!
استعدتُ شكواه، وابتسمتُ:
هل أدخلته عالم الشبكة؟
نعم ، فمنذ شهرٍ تقريبا، لم يعد والدي عصبيا، بل استعادَ هدوءه وحلمه، ولم نعد نسمعُ أصواتَ التقريع والنقد واللوم، بل صرنا نراه منكفئا على جهاز الأيباد، يُتابع، ويكتب الرسائل والتعليقات، ويقرأ، حتى أنه نسي مواعيد الطعام المعتادة!
المهم في كل ما سبق، ليس أنه استعاد الهدوء والسكينة فقط، بل إن والدي العجوزَ استعاد حنانَه وعطفَه على أبنائي، بعد أن كانوا ينفرون من تقريعه، فاقتربوا منه، لأنهم تحولوا إلى معلمين له، بعد أن كان هو يُعلِّمهم!!
يتنافسون على تقديم الخدمات الإلكترونية، وحل المشكلات التي تعترض طريقة للدخول إلى شبكة الإنترنت!
ولأول مرة يبتسم في وجه زوجتي، حتى أنها قالت لي:
ما كنتُ أعرف أنَّ (للأيباد) فوائدَ إلا اليوم!
أضاف يقول بسرورٍ:
ما أروعَ نصيحتكَ، فقد رأيتُ بالأمس أروع صورةٍ، كنتُ أفتقدها منذ زمنٍ بعيد؛ كانت الصورةُ لوالدي العجوز، وهو مستلقٍ في الفراش نائما، وهو يحتضن شيئين، ابني الذي كان يُدَرِّبُ جدَّهُ الكهل على تكنولوجيا الألفية، وجهاز الأيباد.
إنها من أروع صور العصر!!