في مدينة الموت: الأشباح أحياء بعقلهم يرزقون.

ليندا كبرييل
2016 / 3 / 20

أواصل حديثي عن الفترة الحرجة التي مرّت علينا، عندما أدّى أعنف زلزال ضرب اليابان إلى هيجان موجات المدّ البحري الهائلة ( تسونامي) ، وكانت واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية، ما زلنا نعاني من آثارها حتى اليوم.
الرجاء العودة إلى المقالين السابقين لربط الأحداث وشكراً .
1 . من بلاد الشمس المشرقة: كل فمتو ثانية ونحن بخير

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=508643

2 . قدَرُ اليابانيين أن يلِدوا في زمن اللهب المقدس !

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=509519


في طريقي الآن إلى محافظة " مياغي "، حيث وقع الزلزال المدمر في البحر على بُعْد 130 كم من شاطئ مدينة " سينداي " عاصمة المحافظة، حيث يسكن ابني.

الحياة شبه متوقّفة في عموم اليابان، وفي محافظات الشمال بشكل خاص، بعد انقطاع الماء والكهرباء والغاز، امتد لأسبوعين وأكثر في بعض المناطق، ولأكثر من شهر في مناطق أخرى، ونفاد الأغذية من منافذ البيع مع تعطّل حركة المواصلات.
اجتمعتْ الأفئدة على مساعدة الوطن لإنقاذ المشردين ؛ فانهالتْ على الملاجئ أكياس الأرز تبرعاً من الفلاحين، وأصبح الناس يستهلكون باقتصاد وحساب المونة في بيوتهم، ورغم أن الكهرباء والماء لم ينقطعا في المناطق الوسطى والجنوب، فإن الناس بكامل إرادتهم وبوعي مدهش، عادوا إلى عصر الاستِضاءة بالشموع والتدفئة بالفحم، في طقس بارد بلغت درجة حرارته 4 مئوية، لتوفيرها للملاجئ والمصانع التي توقفت عن الإنتاج !

زلازل مخيفة، فاليابان تقع في طوق النار، براكين تحرق الأرض وما عليها، أعاصير مرعبة تقتلع الأشجار الضخمة من جذورها، بلد يجمع كل مصائب الطبيعة.
ويبنون أعلى برج في العالم !!!

قبل وقوع الزلزال بأيام قليلة، كشف الإعلام عن أعلى مبنى في اليابان، وصل ارتفاعه إلى 634 م. في مارس آذار 2011 ، وسيتمّ افتتاحه في مايو ــ أيار 2012 ؛ إنه برج ( شجرة سماء توكيو ) Tokyo Sky Tree، وقد دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية، باعتباره أطول برج إذاعي في العالم، وثاني أطول مبنى بعد برج خليفة في دبي الذي يبلغ ارتفاعه 828 م. شاهدوا الصور :
http://mcha-jp.com/11503

ما أروع أن يتحدّى الإنسان الطبيعة بالإرادة والعقل والعلم.
ناطحات سحاب، وجسور عملاقة، وشبكات هائلة لخطوط القطارات العادية وقطار الرصاصة فائق السرعة، لم يهتز منها حجرة . فبعد زلزال ( كوبيه Kobe ) 1995، المدمر، وانقلاب الطريق السريع، صمّموا الأبنية الحديثة بحيث خضعت لحسابات صارمة لاستباق النوازل، وتأمين الإنسان وسلامته حال حدوثها، حسب معايير بالغة الدقة . لا يخلو الأمر من استثناء، فعقل الإنسان لا يستطيع أن يحيط بكل فنون جنون الطبيعة، والأهم هو التحرك الفوري للتفكير في حل المشكلة لتحجيم الخسائر الإنسانية.

ولكن .. ماذا حصل في بيتنا ؟ كيف سأجده ؟
منذ وقوع الزلزال وابني يبات عند صديقه . حدثنا أن خزانة المطبخ قد وقعت أرضاً وتكسّر كل ما فيها، كذلك تزعزع حائط الصالون، وتحطّم زجاج الواجهة الأمامية للبيت، ويتعذّر النوم في البيت بسبب برودته الشديدة.

مررنا بمخيّم في طريقنا إلى مياغي . كان المتطوعون الأجانب الذين جاؤوا من مختلف أنحاء العالم للمساعدة، يقومون بأعمال الإغاثة . مجموعة تطبخ، وأخرى ترصّ البطانيات في صناديق، وثالثة تنظّم عمليات السير بعد أن توقفت إشارات المرور مع انقطاع الكهرباء . لم أسمع أن العرب شاركوا هذا المهرجان الإنساني.

فجأة أوقفتنا سيارة الشرطة وغرّموا سائق الباص لتجاوزه السرعة المحددة 50 كم / سا ، قالوا إنه كان يسير بسرعة 60 كم !
الإبليس .. كاد يودينا في الهاوية .. ظنّ نفسه يقود طيارة !!

وأخيراً .. وصلنا إلى " سينداي Sendai " بعد مضي أربع عشرة ساعة في الباص.

ها أنذا أتوجّه إلى البيت مشياً على الأقدام في شوارع المدينة، التي تركتها قبل يومين من حصول الزلزال وأعود إليها الآن بعد أيام منه.
هي هي، لم تتغيّر . هل حقاً مرّ الموت من هنا ؟
كان الليل قد بدأ يخيّم على المدينة، والظلام ينبسط على كل أبنيتها، إلا من بعض الأعمدة المنيرة لزوايا الطرقات . لفت نظري وقوف الجامعيين المتطوعين من فتيات وشبان عند تقاطع الطرق، وعند مداخل ومخارج جسور المشاة، منعاً للحوادث مع انقطاع إشارات المرور . أما موظفو الأماكن التجارية، فقد انتقلت ساعات عملهم داخل المحلات المظلمة إلى خارجها، يتناوبون طوال الليل على حمل فوانيس مضاءة بالشموع حماية للمشاة، بدل أوقات عملهم الرسمي الصباحي الذي توقف.
مِن خيْرك نعيش، عافية لعقلكَ ونفسك أيها الإنسان الأصفر !

وصلتُ إلى البيت مرهقة .
كان ابني ينتظرني والفانوس بيده عند أول الدرج . تأمّلتُ وجهه الحبيب مبتسمة فشعرتُ رغم الظلمة بقسماته تضطرب، ثم اقترب مني وعانقني وألقى برأسه باكياً على كتفي قائلاً بصوت مخنوق : " تاكيشي " مات يا أمي !
دفعتُه عني مصدومة بالخبر : تاكيشي .. تاكيشي ؟؟؟
هزّ رأسه بحزن شديد، فأحطتُ ظهره بيدي وأسندتُ رأسي إلى كتفه، فأسند رأسه على رأسي ودخلنا البيت.
لم يأكل شيئاً، ولم يكن أمامنا إلا النوم في البرد والظلمة الحالكة . وضعتُ رأسي على المخدة ورغبتي في النوم شديدة، لكني سمعتُ نحيبه من الغرفة المجاورة على صديقه الذي تدرّج معه في الفصول المدرسيّة، ثم تابع مع أبيه في صيد الأسماك على مركب ابتلعته الأمواج مع منْ فيه في يوم الموت الأكبر.
مات صديق أبنائنا، صديق طفولتهم وشبابهم.

حالما بزغ الضوء، بدأتُ أتفقد أحوال بيتنا.
صعقتُ وأنا أرى البناء المقابل لبيتنا من شرْخ واسع في جدار الصالون ، وانهيار الجزء الأعلى منه، اتجهت إلى المطبخ .. كان المشهد يبعث على البكاء.
بكاء ؟؟ ألا تخجلين ؟!! الناس يموتون في البحر، والمشردون في الملاجئ وأنت تريدين البكاء على زجاجات الزيت المسكوب ؟ وعلى خزانة وقعت بمحتوياتها فتبعثرت في أركان الغرف ؟ آه يا إلهي ~ باب الشرفة مائل ويضغط على حائط الغرفة المجاورة .. أمامنا عمل طوييييييل ~ طويل.
ظل الجدار المشروخ على حاله، حتى جاء دورنا لإصلاحه على حساب الدولة بعد خمسة شهور.

وماذا عن أصدقائي ؟
نبدأ بالخبر الأهم :
عائلة جارتي بأفرادها الثمانية، أنقذتْهم طائرة الهيليكوبتر وهم متعلّقون بأغصان شجرة، بينما التسونامي تحتهم يطيح بالبيوت ، بالسيارات ، بالأبنية ، لكنه لم يطِحْ بتلك الشجرة !!
شكراً يا شجرة ، شكراً يا الأغصان يا العظيمة ، شكراً يا هيليكوبتر !
شكراً للعقول التي ركنتْ إلى العلم فاخترعتْ الهيليكوبتر وحافظتْ على الشجرة.
كان عُرْساً وزّع الناس ( الناس وليس أصحاب الحادثة ) الطعام والشراب على اللاجئين في المدرسة القريبة، احتفالاً بعودة أصحابهم سالمين.
قلْ لي أيها التسونامي ، ما حِيلتك والشجر لا يَلِد إلا الحياة ؟؟
أنت الهابِط المنبطِح على أنفاس الكون .. وهو المُثمِر المُحْيي لها !!

اتصلتُ بمركز رعاية المعاقين للسؤال عنهم .. لا أحد يرد . طيب .. صديقاتي ؟ بخير .. " يوكو " و " مينامي " فقط لم يُعرف عنهما وعن عائلتَيْهما شيء حتى الآن وأمْرهما مقلق.

ذهبتُ إلى مركز التطوّع لأقدم خدماتي . الجميع أصدقائي . في العام القادم، ستمضي عشرون سنة وأنا أعمل في التطوع معهم . النسبة الكبرى من المتطوعين من الرجال الذين تجاوزوا سن التقاعد، ومن السيدات.
ثقافة عمل الخير راسخة باذخة في هذا المجتمع .
الجانِح للدَّعة والراحة .. إنسان مرذول !

ثماني سنوات مرّتْ على إقامتي في أندونيسيا لعمل مؤقت . أتاح لي اختلاطي مع شعوب آسيا الشرقية والجنوبية، أن أتلمّس بوضوح واحدة من أهم النواقص الخطيرة المتمكّنة من المجتمع العربي : انعدام ثقافة التكافل والتراحم .. مع أننا نصدع الرؤوس يومياً بهاتين الكلمتَين بالذات، إلا أنهما ظلّتا بلا روح، تصلحان ككل الشعارات الدينية والسياسية، للزخرفة والدعاية التلفزيونية والضحك على ذقون البسطاء، لا أكثر !
وللعلم .. أكثر الناس بسطاء.
يكاد الاستثمار الإيجابي في الإنسان ينعدم في مجتمعنا الشرقي للأسف.

فرَزوني لمدرسة قريبة من البيت.
كان العمل في مجموعتي أن نضع علب طعام جاهزة في صناديق، تنقلها سيارة إلى الملاجئ . كذلك توفيراً للمياه، كنت أبلّ مناشف قطنية 25 × 25 سم في سطل ماء وأعْصرها عصراً خفيفاً لمسح الوجه واليدين . منذ لجوء السلطات المسؤولة لتبريد المفاعل النووي في فوكوشيما المجاورة، والمياه شبه مقطوعة.

تقشّفُ اليابانيين في استعمال موارد الطبيعة ليس بسبب المحنة، وإنما ثقافة ؛ عقلية لا تعرف هدْر عطايا الطبيعة واستخدامها بسفَهٍ . إنه إجلال للطبيعة الوهّابة، والحسّ بالامتنان والفضل لها ؛ فنحن لا نعيش للاستهلاك كالكائنات الدنيا، وإنما نستهلك لنعيش ونبدع تحقيقاً لمعنى حضور الإنسان في الحياة الفانية، ليسعد منْ سيأتي بعدنا.

هبّ الجميع لإنقاذ البلد المكلوم ، فكنا نرى طلاب المدارس الإعدادية واقفين على ناصيات الطرق وبأياديهم صناديق التبرع . وقفتُ أراقب أكثر من مئة شخص يقفون بالدور لتمتدّ أيادي الخير، حتى سألتُ نفسي : ألمْ تتعب ظهور وأعناق هؤلاء الطلاب من انحناءة الشكر الطويلة ؟
المجمعات الاستهلاكية التزمتْ بصدق شديد، بإبراز مصدر المواد الغذائية بعد أن لحق الإشعاع النووي الزرع والضرع . ماذا يمنع التاجر من أن يكتب على كيس الطماطم مثلاً ( أوكيناوا المنشأ ، وهي البعيدة عن تأثير الإشعاع النووي) ترويجاً لبضاعته ؟ لكنه الصدق الذي يولّد الثقة بإنسان الوطن . كذلك وضعتْ المجمعات الاستهلاكية عند مداخلها الكمامات الواقية مجاناً، وأنشأ بعضها حمامات متنقِّلة يستطيع الإنسان أن يأخذ دوشاً ساخناً لمدة محددة قدرها سبع دقائق مقابل سعر زهيد رُصِد لضحايا الزلزال، وبعضها الآخر قدّم ما يعادل عشرة دولارات يومياً لكل لاجئ يحمل بطاقة خاصة، مع كرْت للاستحمام مجاناً في حمامات السوق.

أخيراً .. وصلني خبر أن مركز رعاية المعاقين انتقل إلى مكان آخر، نظراً لخطورة البقاء فيه بعد الزلزال.
توجّهتُ إلى العنوان الجديد.

عند زاوية الشارع كدتُ أقع من الدراجة وأنا أراوغ القادمة من الاتجاه الآخر مسرعة . صرختْ تناديني بعد أن تجاوزتْني، فالتفتُ إليها : " هاناكو " ؟
سألتها بلهفة عن ابنة أخيها التي ولدتْ قبل الزلزال بأسبوع.
فدمعتْ عيناها واضطرب صوتها وأجابتْ : أخي .. جرفه التسونامي مع زوجته. انتظرتها حتى مسحتْ دموعها فقالتْ :
" كان التسونامي قد بدأ يجتاح القرى ويبتلعها، والناس يهربون إلى أعلى مكان مستطاع . ساعدتُ والديّ العجوزين وأنا أوصي أخي أن يحمل بناته أولاً إلينا، ثم يساعد زوجته المريضة . حمل أخي البنتيْن الكبرى والوسطى في الوقت الذي بدأنا نشاهد الأمواج تقترب، فصرخْنا نستعجله، فاستطاع إنقاذ الوليدة وسلمنا إياها .. وما أن عاد ليحمل زوجته حتى داهمهما التسونامي ، رأينا أخي يقاومه بكل جهده بضع ثوانٍ ثم يغيب ".
أغمضتْ عينيها وتنهدت بألم قائلة :
" أنا مسؤولة عن البنات الآن، ولعلمك التسونامي جرف مع ما جرف، الحب الكبير والعشق، فقد تركني خطيبي .. الحق معه، منْ يقبل الزواج بهذه الظروف ؟ لكنْ .. اِعلمي أن الحب : كلام فارغ ، فااااارغ " !

تركتني وأنا أسير واجمة، لم يغادر أخو ( هاناكو ) تفكيري في آخر مشهد له عندما زرتهم قبل أسبوعين للمباركة بولادة الطفلة الثالثة.
{ عاد أخوها من الحقل، وما أن رآني حتى خبطَ قدمه بالأرض ووقف وقفة عسكرية ويده فوق حاجبه وهتف : سلامو أليكم ، كيف هالُكي ؟ وفي حركة سينمائية ضرب كفّه اليمين فوق عضلة ذراعه الأيسر، واقترب مني وهو يهز سبابته المرفوعة في الهواء بقوة قائلاً : أنا لا أنجِب لليابان إلا فخر اليابان !!
ثم نظر إلى زوجته وتابع : لولا الأنثى .. من أين كنا أتينا نحن الرجال ؟ كانت تريد صبياً، لكني أقنعتها أن (القاعدة) يمكن أن تقف على ركيزتين لكنها ستكون أكثر ثباتاً لو أصبحت ثلاث ركائز.
نفضتْ زوجته كفها في الهواء قائلة : روح بقا اعملْ لنا قهوة واحمل الحلويات من الخزانة، فأجاب ضاحكاً : أكلتها ! فغضبتْ وقالت : ماذا نقدم للضيوف ؟ قال ببرود : عندنا من الحقل فجل وخيار وخس ، صرخت زوجته : أهبل ! فأسرعَ وركعَ عند سريرها ومسك يدها قائلاً بصوت حالم : نعم .. أنا أهبل ولم تحبه إلا أميرة }.
كانت أمتع الأوقات عندي زيارة بيت هذين العاشقين.

وصلتُ إلى مركز رعاية المعاقين . ابتسمتُ وأنا أقرأ إعلاناً أنهم أنقذوا كلباً لرجل أعمى في الرمق الأخير.
http://vb.n4hr.com/136681.html

وقفتُ أمام لوحة تبرز أسماء ضحايا التسونامي ، المعروفة حتى تلك اللحظة في مياغي وحدها.
تتبعتُ ببصري الأسماء فلم أعرف أحداً منهم ، وكدتُ أن أصرف نظري عن اللوحة في اللحظة التي خيّل لي أن اسماً بين الأسماء الأخيرة كأني أعرفه.
تراجعتُ خطوة لأتأكّد.
رفعتُ يدي أغطي شفتي المرتجفة وأنفاسي المضطربة في صدري، ولم أعد أستطيع السيطرة على ارتعاش عضلات وجهي . وضعتُ سبابتي تحت الاسم ثانية وأنا آمل أن أكون على خطأ .. ومن بين غلالة الدمع قرأتُ اسمه مع اسميْن يلحقانه بنفس الكنية . أسندتُ رأسي للحائط أشهق ، لا ألحق مسح دموعي لتنهمر متلاحقة.

شعرتُ بيد حانية على كتفي وصوت نسائي حزين يقول :
" منْ ؟ جون بيكاسو * ؟ المسكين ذهب مع زوجته وابنته صباح يوم الزلزال إلى ( إيواتي Iwate ) لتناول الطعام مع أصدقائهم ، فجرف التسونامي سيارتهم وهم في طريق العودة ".
مسحتْ السيدة " ساتو " مديرة المركز عينيها وقالت :
" ماذا تفعلين إذاً لو كنتِ مكاني وأنا أرى بأم عيني ثلاثة من أفراد عائلتي يغرقون " ؟
أنتِ أيضاً ؟ أكاد لا أصدق ..

مسحتْ ساتو أنفها بظهر كفها وتنهّدتْ قائلة :
" ما أفدحها من خسارة مادية ومعنوية وثقافية ونفسية ... آآه ~
عندما انطلقتْ صفارات الإنذار هربنا إلى رأس تلة قريبة مع جموع الناس الخائفة . تخلّف زوجي وابنتي وابنها ذو الخمسة عشر عاماً ، في الوقت الذي بدأ التسونامي يطيح بالبيوت . صرختُ من الأعلى زاعقة بحفيدي أن يتسلّق عمود الكهرباء الأقرب إليه، وفعلاً تمكن من ذلك، والأمواج الهادرة تجرف البيوت والسيارات ومراكب الصيد كأنها لعب أطفال . ظل عمود الكهرباء صامداً والفتى يصرخ بخوف شديد : أنقذوني ~~
اللحظة التي التقطتْه ورفعتْه طائرة الهيليكوبتر كان عمود الكهرباء يتخبّط في الموج، أصيب حفيدي بصدمة عصبية وهو الآن في المستشفى " .

بدل أن تبكي هي كنتُ أنا الباكية !
جاء آخرون ومرّوا أمامنا مسرعين بلا مبالاة . حدّقتْ في وجهي وألقتْ بحكمتها البوذية التي لقنتها إياها الحياة فقالتْ :
" البكاء قد يريح القلب، لكن غلالته ستحرمكِ من تلمّس أنوار المستقبل . القبض على الآتي يتمّ في الحاضر .. الآن فقط ، فإن ذهب الحاضر أصبح ماضياً وفلتتْ لحظة المستقبل منك . نحن لا نحبّ أن نكون ذليلي عواطفنا.
أترينَ هؤلاء ؟ كلهم فقدوا عزيزاً، فإن كان الموت قد قلّم أغصاننا فإن نمو الشجرة يزداد، ولا يفيض إنتاجها إلا مع عملية التقليم " !!

انتهينا من حديث الموت .. فلْنقبضْ على الحياة.
نقطة على السطر.

البحر لحْن سماويُ المقام ، لغته الأم في طبقتها الرفيعة تراجيدية مَوَّاتية تتحدّى الحياة . لغته الثقافية في طبقتها الدنيا إبداعية خصبة تتحدّى العدم . عرفها الفينيقيّ عندما خاضَ سكون البحر، وجعله ينطق بلغة الابتكار المحليّة الحيّة، لا بجمود لغة الآلهة .
انطلق الإنسان منذ بدء الخليقة من أكواخه وأزقته، ليلقّن البحر أولى دروس التحضّر ولغة التعاطي مع المستقبل ، ولم يخلُ الأمر على مرّ التاريخ من إدراك الإنسان للقوة التدميرية، التي يحملها تمرّد البحر بين فترة وأخرى، فيتلقّاها في فرّه منه ثم يكرّ عليه منقضّاً على هيجانه.

التسونامي ضرب جنوب وشرق آسيا في مرتين تاريخيتيْن :
ديسمبر 2004 في أندونيسيا ، ثم مارس 2011 في اليابان؛
رغم هذه المأساة الرهيبة فقد جعل منها الإنسان لحظة ميلادية، شارك الكون كله صدْحاً واحتفالاً ، بمقدرته على الالتحام بالمصاعب، والاستمرار كما كان منذ فجر التاريخ . وسيظلّ !

-;- جون بيكاسو : ورد ذكره في المقال الماضي .