الكراهية والحقد لاتقاوم التقسيم:

فلورنس غزلان
2016 / 3 / 18


يكثر اللغط ويرتفع منسوب السباب والشتائم مغموسة بحبر الكراهية مثقلة بأطنان من الحقد الأعمى الباذر للشقاق والغارق حتى الرأس في وحل اللاوطنية ...هنا تقف جحافل تلعن الأكراد، وهناك تقف جحافل تلعن العرب، وبينها مجموعات شتى تشرعن الهوية الطائفية وتبني على ضوئها كل العلاقات والمستقبل !، فيشرعن هذا لنفسه ويبيح لطائفته الإبحار في قطع الأعناق والأرزاق ، يحلل لنفسه ويحرم على غيره، هذه النماذج المُكَهربة والممغنطقة عاطفياً لاعقليا بالطائفية والمذهبية، التي تعزل نفسها وتقولب الوطن برمته حسب هواها...تبث سموم الحقد والشوفينية العمياء قومية كانت أم مذهبية..تغذي انتماءها للجماعة الصغيرة وتبتر مع الوطن مع الهوية والانتماء لسوريا أم الجميع.
لاشك أن الكثير من الأصوات ترتفع ضد الفيدرالية الكردية وإعلانها عن نفسها....ليكن ...فهل تعتقدون أن بإمكانكم ذات يوم قريب إقامة وإعادة سوريا الواحدة كما كانت أو كما يحلم كل طرف منكم؟..فهل مازال بينكم سني يتزوج من شيعية أو علوية أو درزية أو مسيحية أو العكس؟
هل مازال لدى ابن دمشق الجرأة والثقة والإحساس بالأمان ..للتصييف في ريف اللاذقية وطرطوس أو السكن والحياة؟ وهل بإمكان العلوي أن يعود ليقطن مع عائلته في حي من أحياء دمشق أو حلب .....في ظروف قادمة مختلفة عن حكم الأسد ووجوده هو وطغمته على رأس سوريا الغد....دون نظرة كراهية أو تصرف حاقد؟ ، وهل نستطيع إقامة علاقات اجتماعية طبيعية بالسهولة التي نأملها وكناها؟
ماحصل خلال خمسة أعوام وما لعب عليه النظام وغرقتم في وحله وسقطتم في مصائده وحبائله ، بل عمقتم ما أراد زرعه ووسعتم الهوة وقطعتم كل جسور التواصل وبنيتم على الجدران مداميكاً تزيد من العزل وتقلل من فرض التآخي والمحبة...كل هذا لايمكنه أن يزول بجرة قلم لقرار، أو بتوقيع لمفاوضات جنيفية تفرضها مصالح الدول التي تسعى اليوم لإيجاد حل...أي حل ...يريح العالم من أفواج اللاجئين المهدِدين لأمن وأمان واقتصاد الدول الغربية...يحتاج الأمر لإعادة بناء العقل والوعي لإعادة روابط المحبة والوطنية ..لإعادة الثقة بين المواطن وأخيه، لبناء جسور التواصل الأخوي الثقافية ، الإنسانية، الوجدانية ...الوطنية ، التي قضى عليها النظام الأسدي الاستبدادي، وعمل على هدمها وتدميرها خلال نصف قرن من الزمان ، دَّرب وجند لها آلافاً من البشر، أدلجهم وجيشهم وشحنهم ثم وَظفهم في هذه المهمة القذرة...كي يعيش ويبقى ويتسيد ، وإلا لماذا قامت ثورتكم؟!...لكن طول مدة الحرب الطاحنة ولعب مصالح دول المنطقة عليها وتدخل الغريب والقريب ...والمستفيد لبقائها والعيش على أطراف الفوضى والتشتت ...زاد من عمق الهوة وصَعَّب من المهمة التي يقع علينا واجب ردمها وتقريب المواطن من أخيه وإيجاد فرص للتسامح وفرص لبناء صرح المواطنة، وهذا يتطلب جهوداً مضنية لم تعمل عليها الأحزاب التقليدية ولا المنظمات التي قامت وتقوم على أطراف وحساب الثورة...كما لم يشتغل عليها مثقفونا بالشكل الكافي والمطلوب ، نحتاج لإعادة بناء الجسور وردم الهوات والحفر التي اصطادنا النظام ومازال يصطاد الكثيرين منا ونسقط بسهولة في حبائلها.
أن تقام فيدرالية في شمال شرق سوريا ...كفرصة سنحت لمقيميها ...لايعني أنها تمتلك كل مقومات العيش، فهل لديها عوامل الحياة والنجاح في ظروف المحيط والمنطقة والمستقبل؟...ثم من يدري ماذا يخبيء لنا الغد !...المباحثات والمفاوضات القائمة، وما يمارسه العالم من ضغوط للخروج بحل" لايميت الذئب ولا يفني الغنم"، ربما تأتينا بفيدرالية مركزية تبني ولاياتها على أساس طائفي ، لكني أعتقد حتى لو تم فرضها ....ألايمكن للمستقبل أن يُفضي إلى تفاهم على وحدة وإعادة روابط تجسد الوعي الأساس الذي قامت عليه ومن أجله الثورة وضحى رعليها الأول بالغالي والنفيس كي نعيد لسوريا ألقها وحريتها وديمقراطيتها ولمواطنها كرامته؟!.
في النهاية لغة العقل لو طغت واستخدِمت وفتحنا أمامها نوافذ وأبواب الوطنية والأخوة ..بدلا من إشعال الفتن والحروب التي نعيشها منذ خمسة أعوام ولم تؤدي إلا إلى المزيد من الخراب والدمار والموت لكل نوع من أنواع الحياة ولم توصلنا لهدفنا المأمول ...فهل اكتفينا وسنكتفي؟
ــ باريس18/3/2016