تأصيل ثقافة القطيع

ميشيل نجيب
2016 / 3 / 17

عندما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسى أمام العالم العربى والإسلامى أن على الأزهر والدعاة ورجال الدين، مسئولية تجديد الخطاب الدينى كان هذا الإعلان أكبر خطأ مقصود او غير مقصود من رئيس جمهورية مصرى، هذا الخطأ الذى صنع من رجال الدين دكتاتوريين وأعطاهم الرئيس سلطة لا ينبغى أمتلاكها لخطورتها على المجتمع الثقافى، فالرئيس السيسى سحب مسئولية التجديد الثقافى والتعليمى من المؤسسات الأصلية صاحبة الحق فى صنع التجديد، فالثقافة والتعليم هما المصدر والمؤثر الأساسى الذى يروض ويطبع شخصية المواطن بصفات الإنتماء والهوية والمواطنةأ فأى خطاب دينى أو ثقافى يرجع إلى مواصفات صاحب الخطاب ودرجة تعليمه وثقافته.

دعوة الرئيس السيسى كانت تفويض علنى وسلطة بلا قيود لمؤسسة الأزهر والمتفرعين عنها، لتفعيل دور الدين ورجاله أكثر وإخراجهم من حالة الخمول والجمود الذى أصابهم وجعلهم مجرد موظفين ينتظرون نهاية الشهر لإستلام رواتبهم، والرئيس السيسى يعلم قبل غيره أن جامعة الأزهر ومجلة الأزهر على سبيل المثال لا على سبيل الحصر أكثر من نصفها ينتمون إلى الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى كما أكد ذلك أكثر من مسئول أزهرى، إذن من المستحيل أن تطلب من رجال الدين الذين رزقهم يعتمد أعتماداً كلياً على بغض وكراهية ولعن وقتال الآخر وتلك الأفكار هى لب الخطب الدينية التى تمثل التوابل والبهارات التى تثير شهية المستمعين، فلا يمكن أن يسمح الخطيب أن يهدم المعبد على نفسه.

تلك المسئولية التى ألقها السيسى على عاتق السلطة الدينية المقصود بها تجهيل المجتمع والتعلم من ثقافة القطيع، حيث السمع والطاعة والتلقين والإلقاء الخطابى هى سمات تلك الثقافة التى لا تتفاعل بالحوار، فالمشهد العام يمثل مجموعة من المؤمنين المستمعين فى الكنائس والمساجد والخطيب الذى يقود الجميع يلقى خطبته أو عظته، وعندما ينتهى منها يقود الجميع مرة أخرى فى طقوس الصلاة ويعنى ذلك اننا أمام ثقافة شمولية دكتاتورية تنسب الحق لنفسها فقط، فالواعظ والخطيب يمتلك الحق والحقيقة فقط أى عندما نحتاج لمعرفة شئ ما أو مشكلة ما علينا الذهاب إلى الواعظ والخطيب والمفتى والرئيس ( وبس_ فقط)، بعبارة بسيطة أن على القطيع أن لا يتعب عقله فى التفكير فى شئ ويجب التعود على ذلك وأن يترك المسئولية على الرئيس والخطيب والواعظ وغيرهم من قادة ونخبة المجتمع، وهؤلاء يعرفون نوعية أحتياجاته الثقافية والخطاب الدينى أو الثقافى الذى يحتاج إليه.

بطبيعة الحال ثقافة القطيع هذه ليس فيها معرفة أو تقدم وإبداع بل هى ثقافة الفرد الواحد الذى يملك كل شئ فى يده، ولم يخطئ من أسمى الشعب بكلمة( الرعية) لأن نشأتها عربية خارجة من البيئة البدوية القبائلية، لذلك الكل ينشأ على وجود راعى القبيلة ورعيته فلا مجال للأعتراض حتى لا يتهم بأنه يفكر ويدخل السجون بأعتباره كاتب ومفكر، كما نرى فى أيامنا هذه حيث أعطى الرئيس السيسى سلطة التجديد فى الخطاب الدينى فتوالت القضايا ودخول المبدعين والمفكرين السجون لآراءهم التى أعتبرها قادة القطيع إنها إزدراء وإهانة للأديان وللآلهة وللرسل، وفى الوقت نفسه يتم تأصيل ثقافة القطيع مع تحجيم لدور الثقافة الحقيقية فى المجتمع بل المثقفين أنفسهم أصبحوا يخافون من وصفهم بلقب المثقف.

عندما يعترف الغالبية بأن هناك تراجع كبير فى سياسات الدولة ويظلوا صامتين بدون ردود أفعال، فهذه السلبية تنتج سلبية أخرى من القائمين بالحكم ورأينا جيداً فساد الوزراء وعدم كفاءتهم والإختراق السلفة والإخوانى لمؤسسات الدولة سواء كانوا وزراء أو محافظين، أو رجال دين فى مؤسسة الأزهر نفسها لكن المشكلة كما قلت الآن أن الغالبية من الشعب والمسئولين الكبار يعرفون هذا، لكن أحداً لا يتحرك حتى وإن ترك البعض تكاسله ستكون النتيجة هى "زيادة الطين بلة" كما يقول المثل، وكل هذا نتاج التأصيل المستمر للدور الغيبى فى الثقافة المجتمعية ونجاح السياسات العليا للقيادات السياسية، والموت البطئ لحماس المواطن للدفاع عن حقوقه وحريته ومواطنته التى ترفض الفساد المستشرى فى مجتمع مصر الحضارة التى تحولت إلى مجتمع التدين!!

تأصيل ثقافة القطيع نجحت فى تشويه الهوية والإنتماء للوطن مما أنتج فقدان الإهتمام بالوطن ومؤسساته، وأصبحت الغالبية تبحث عن ما يخصها كأفراد أى تهتم وتسعى لشئونها الفردية، وأنتشرت اللامبالاة والتى تتمثل فى عبارات دارجة مثل: خليها تخرب_ وإللى يخرب يخرب_ وانا مالى..، أى أن الجميع يرون الفساد لكن أحداً لا يهتم بالقيام بدوره كمواطن فى إبلاغ السلطات المختصة أو توصيل صوت إعتراضه على ما يقع من فساد فى محيط عمله أو الحى أو القرية أو المدينة التى يعيش فيها، وإلا سيزداد المجتمع تخلفاً وإنحداراً.

مجتمع يتخلى ببطئ عن ثقافته الحقيقية وينأى بنفسه عنها فى سبيل إعلاء ثقافة القطيع الطائفية، هى الحقيقة التى تفتعلها الإدارة السياسية مع الإدارة الدينية التى تشاركها السلطة والحكم، وهى نتيجة طبيعية للفساد الصامت القائم على إثارة المشاعر الطائفية، فمتى ينهض العقل ويثور على ثقافته المتوارثة من قطيع يعمل على تخريب مجتمعه؟؟