قدَرُ اليابانيين أن يلِدوا في زمن اللهب المقدس !

ليندا كبرييل
2016 / 3 / 16

يوم الجمعة 11 آذار ــ مارس 2016 ، أحْيَتْ اليابان الذكرى الخامسة لكارثة التسونامي . توجّهنا نحن فرق التطوّع إلى شاطئ البحر، مع جمع غفير من المواطنين، وعند الساعة 2،46 وهي اللحظة التي حصل فيها الزلزال، قُرِعت الأجراس في المعابد، ووقفت اليابان دقيقة صمت على أرواح الضحايا.
بعدها صدَحَت اليابان بِبَشَرها ووسائل إعلامها، بالأغنية التي نُظِّمت لأجل هذه المناسبة، والتي تذاع يومياَ من المحطة الحكومية NHK.
وقد انتشرت هذه الأغنية في العالم، وشاركت في أدائها فرق كورال أوروبية، أميركية، إسرائيلية، أندونيسية، مصرية ...

Hana wa Saku " Flowers will bloom "
الأغنية مترجمة إلى الإنكليزية في الرابط الأول:

https://www.youtube.com/watch?v=TwGh_kx37p0

نفس الأغنية التي أفضّل الاستماع إليها ( فرقة كورال يابانية) :
https://www.youtube.com/watch?v=qa6pU8D9dRM

أو (غناء فردي):
https://www.youtube.com/watch?v=LahJONm2ca4

تتداخل في حديثي عن ذكرياتي في ذلك اليوم الحزين، لقطات من حياة اليابانيين وثقافتهم، لم أضمّنها في مقالاتي الثلاثة المنشورة سابقاً.
الرجاء التفضل بالعودة إلى رابط المقال الماضي حول نفس الموضوع.

من بلاد الشمس المشرقة: كل فمتو ثانية ونحن بخير

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=508643

بعد الزلزال الرهيب الذي ضرب اليابان في 11 آذار - مارس 2011 ، أصبحت الحالة في هذا البلد المشرق، أقرب إلى صورة مأساوية بالأبيض والأسود وقد تقطّعتْ كل سبل الحياة بالإنسان.
الإشعاع النووي خيّم على الزرع والضرع، الأمواج ابتلعت البشر، وانقطاع الماء والغاز والكهرباء الطويل جمّد كل جهد لدفع العجلة إلى الأمام . شللٌ في الأيام الأولى لسائر المواصلات، نظراً لِما لَحِق من عطَب في الخطوط الحديدية، وشروخ في الطرقات البرية.

ولما بدؤوا بتسيير نصف طاقة القطارات والباصات بعد أيام قليلة من وقوع الزلزال، قررتُ أن أذهب إلى عرين الديناصور، حيث " مياغي Miyagi " تئنّ من جراحها، لأعيش أياماً في ظلال الزلزال.
أردتُ أن ألتقط لها خيطاً من مليارات خيوط الشمس التي انقطعتْ، لأُساهِم في ربْط الشعاع بأمّهِ .. فتعود كما كانتْ تتكلم : بلغة الشمس المشرقة.

لتجنّب المرور بمحافظة " فوكوشيما " المنكوبة بالإشعاع النووي، سينطلق الباص بنا في طريق عام، بسرعة 40 ك / سا، مُخترِقاً المحافظات الغربية، للوصول إلى محافظة " مياغي " في الشرق حيث يسكن فلذة كبدي.
أمامي ما لا يقلّ عن اثنتيْ عشرة ساعة لأصل هدفي . انطلقنا من العاصمة " توكيو " في السادسة صباحاً.

الطبيعة كما عرفتها : منفعِلة أبداً بالخضار . مزاد علني مدهش . كل مشهد يزايد على سابقه جمالاً ورونقاً . لكَ أيها السائح أن تتجه إلى أقصى الشمال، ولك اختيار أقصى الجنوب الياباني، وسوف تهتف تلقائياً : هذه هي الجنة !!
" سينداي Sendai " ما هي إلا أودة من الجنة !
تركتُ العنان لذكرياتي ترْعى في الجبال الخضراء . وراء كل شجرة ذكرى . شريط الماضي يسْتنطِقه مرْأى الجبال في (ناسو) . هل تتذكرين هذا المكان ؟
سقى الله تلك الأيام .. إيه ~ أتذكّر ..
يوم اشتركتُ منذ ستة عشر عاماً في رحلة لزيارة مدرسة المُعاقين .. كان مدهِشاً لي أن أرى المعاق ـ ذهنياً أو جسدياً ـ قادراً على العمل الشريف وتأمين حياته.
زيارتي إلى مدرسة المعاقين خلّفت نتائج رجّتني رجّاً، وكانت نقطة تحوّل في حياتي.

ذلك اليوم، التقيتُ في المركز بشاب مُعاق فقدَ رجلَيْه في حادث موتوسيكل، أورَثَه أيضاً عاهة دائمة في طرف فمه.
كنتُ أنظر إليه بتقدير وهو يتنقّل بمهارة فائقة من الكرسي العالي إلى الطاولة لتناول حاجة ما، فأسارِع إلى تقديمها له، فيرْجوني بكل أدب أن أتركه يتصرّف لوحده حتى يشعر أن بقية أعضائه ذات قيمة، ولا تنعدم لمجرّد أن عضواً في جسمه مُصاب !
ظننتُ أن الإنسان يتعلم من الأصحاء، فإذ بي أرى في محنة هؤلاء أكبر الحِكم.

استطاع " جون Jun " أن يقهر محنته وينتصر عليها بالحلم المبتسم . وما كان له الرجاء والأمل لو لم يجد المحبين حوله.
قال جون ضاحكاً :
ــ كنتُ من السرسرية .. شقياً، أعشق الخروج على القانون، سُجِنتُ مرتين، ولم أتربَّ إلا عندما لقنتني الحياة درسها الغالي، الذي لا تقدّمه للسادرين في المجون الخالي من الأعباء حتى يدفعوا الضريبة الباهظة ! وضريبة تهوّري كانت الحادث الرهيب الذي خرجتُ بعده معاقاً.
تمنيتُ الموت أول سنتين بعد الحادث، وأصابني الاكتئاب، لكن وقوف حبيبتي التي لم تتخلّ عني وتشجيع أهلي، جعلني أرتقي على مصابي . تزوجتُ العام الماضي والآن عندي طفلة رائعة . أنا فنان، عرضتُ لوحاتي في معرضيْن . أنا بيكاسو .. إيه نعم ! بيكاسو على حالي !! هاهاهاها ...

كان ( جون بيكاسو ) ورفاقه بوّابتي لأنطلق في ميدان التطوع، متعهّدة لوجه ضميري أن أهِبَ من وقتي ما يخدم الشريحة المُبتلِية من البشر . وجدتُ أن تحسين ظروف حياة الناس يزيد من استمتاعي بيومي، فأصبحتُ أرى سعادتي مرتبطة ومشروطة بسعادة الآخرين، واعتبرتُ سَعْيي إلى بهجة هؤلاء المعاقين نوعاً من الجهاد الجميل إلى الحياة . كان العمل معهم طريفاً وممتعاً، لا أنتظر من ورائه أجْراً أو مقابِلاً .. خدمة مجانية للشرائح الأقلّ حظاً في المجتمع، تعطيني سعادة داخلية ورضى النفس .. وبسْ !

العمل التطوّعي، ثقافة تحيا بالوجدان . لم يترسّخ في ضمير الفرد العربي رغم الزعيق المتواصل بشعارات الدين الأخلاقية.
قلتُ لسيدة عربية إني أعمل متطوّعة في مدرسة للمعاقين ذهنياً . فضربتْ بيدها على صدرها وصرخت : خادمة ؟؟ وماذا يضطركِ إلى هذا العمل ؟

النهضة العربية ستقوم على أكتاف أمثال هذه السيدة !
منظومة القيم الإنسانية تتمحْوَر حول تحرير الإنسان من نظرته الاستعلائية والتمييزية، التي ينفرد بها المجتمع العربي المتخلف إنسانياً وفكرياً وحضارياً.
لم ينظر مجتمعنا إلى المُعاق إلا على أنه مادة دسمة للسخرية، وعالة تدعو إلى الخجل ومحاولة إخفائها.
فإذا كان التأثيم الاجتماعي ينال ممنْ لا يشاركهم معاييرهم الثقافية، فهل ألوم سيدة لم تشذّ عن أخلاق مجتمعها على ردة فعل حمقاء منها ؟

غوصوا في ثقافتنا القميئة التي تليق بقطعان الماشية .. كل ما فضّلتْ هذه الثقافة على البشر العربي أنها منحت شرعية استقامة عمودهم الفقري !
ليس أكثر من العربي تخلّفاً في مجال الانتخاب الحضاري . إذ يستحيل على إنسان الشرق الفاسد خلقياً، التعاطف والتضحية ومساعدة الضعيف خارج طائفته.

خرجت من زيارتي إلى مدرسة المعاقين بنتيجة : أن معيار المجتمع المتحضّر يُقاس بمدى حماية الشرائح الضعيفة أو المستغَلّة فيه، وتقديم السبل لحياة كريمة، من خلال إدْماجها في عملية الإنتاج، مما يُشعِرها بأن فرصها في الحياة متكافِئة مع كل شرائح الوطن.
عندما يصبح بناء الإنسان هو الهدف الأكبر، حينذاك قولوا يا فتّاح يا كريم، وسوف يفتح لكم (سمسم) أبواباً لم تحلموا بها !

ولأني بالأساس قادمة من مجتمع يغصّ بالشرائح الضعيفة والمُستغَلّة، فقد لفت انتباهي من البداية دوافع سلوك الإنسان الآسيوي وعلاقاته بالآخر وببيئته، النابعة من قيم ثقافية وروحية قد لا يلتفت إليها الباحثون عن سر نهضة الأصفر الآسيوي.
خصائص نفسية وقيم روحية التصقت بالشخصية حتى أصبحت الهوية الذاتية، يتفانى المواطن في تحقيقها عن طريق إتقان العمل وتواصله مع الآخر وتأكيد مسؤوليته تجاه المجتمع.
لا يمكن تجاوز الدوافع الثقافية ونحن نتحدث عن تفانيهم في العمل . فكلما غاص الإنسان في تأملاته ساعياً إلى جديد يضيف إلى الحياة، اسْتنهضَ الأفكار، واسْتجلَى القيم المعرفية بقواه الذاتية، فيطبّقها واقعياً، منطلقاً من الدافع الروحي الذي يؤكد على أن تنمية المهارات ورفع نتائج العمل إلى درجة عالية من الدقة والإتقان، لا بد أن يخضع لتنمية القدرات النفسية الداخلية، ليتحقق الهدف من جدوى حضور غير عبثي في الحياة.

ياااه .. الطريق إلى " سينداي " ما زال طويلاً . لكن مبادرة جارتي في دعوتي للمشاركة في طعامها كسَرَ الصمت والملل، فوجدتُها تدور على الركاب بالضيافة فيتبادل الجميع مما معهم.
أقْدِمي يا ابنة العرب بمدّ يدكِ على الأطايب بدون دلال أو تردد ! وإلا .. راحتْ عليكِ ! فهذه فرصة لتذوّق - بالجملة - ما صنعتْه اليد اليابانية الماهرة ..
وزّعتُ ابتسامة شاكرة على الحضور، ثم تأمّلتُ المعروض .. فأعربتُ عن إعجابي بالذوق الرفيع الذي تشتهر به السيدة اليابانية في تزيين حافظات الطعام ( شاهدوا الصور)
http://www.123rf.com/stock-photo/obento.html
ثم أخذتُ بالاختيار، بيدٍ واثقة تعرف جيداً بطعم فمها، لا تمتدّ عبثاً لتتناول أول ما تقع عليه العين .. وإنما عين خبيرة تجيد التصويب على الأطايب !
خلال دقائق كانت الأحاديث تدور وأصبحنا كأسرة واحدة، نسرد همومنا مع الزلزال.

حكتْ لي جارتي فقالت :
ــ بيتنا في مدينة إيشينوماكي Ishinomaki ، كان مشهوراً بجمال حديقته التي تحوي أروع أشجار ال ( بونْساي Bonsai ) القزمة، التي يتراوح طولها بين متر كحد أعلى وخمسة عشر سم كحدّ أدنى، وقد ورثنا تربيتها أباً عن جد. ( شاهدوا الصور)
http://www.bonsaiempire.com/blog/top10-bonsai
هل تعرفين أن البونسايْ يعود تاريخه إلى القرن الثالث في الصين وإلى القرن الثاني عشر في اليابان ؟ البونسايْ يرمز إلى الخلود .. فطالما أن الأشجار مورقة ومزهرة على مدار السنة فهذا يعني أن مربّيها على اتصال دائم بالحياة.
تتوقف جارتي قليلاً ثم تقول بحماس :
ــ لا يعرف الهرَم الروحي منْ عاش مع البونساي . إنه انعكاسٌ للتناغم بين الأعلى المقدّس، والطبيعة بكل جلالها، والإنسان المبدع !
تتابع جارتي بحزن :
ــ كان في حديقتي خمسة وسبعون حوضاً من أشجار الصنوبر والتفاح البري والسرو وغيرها وبمختلف الأشكال الفنية، وبعضها يعود إلى قرن وأكثر من الزمن.
هزّتْ رأسها بأسف قائلة بصوت منخفض :
ــ ليتني أهديْتُ المركز الثقافي حوضاً تميّز بروعة شجرته وغرابتها . طلبوه مني .. لكني رفضتُ لعشقي الشديد لتلك الشجرة، عمرها مئة وخمسون سنة، كنتُ على الأقل أنقذتُها من إعدام التسونامي . يا لحماقتي .. اجتاح التسونامي بيتي الجميل بما فيه بينما كنتُ في زيارة لبنتي في " توكيو ".
ظننتُ أني أخفّف عنها وأنا أقول : يجب أن تسْعدي لسلامة عائلتك.
فردّتْ بألم واستنكار :
ــ فقدتُ خمساً وسبعين روحاً ! لم أفقد عائلة بل قبيلة بحالها !!

نزلنا في محطة للاستراحة.
كان هناك شخص يخطب في الحاضرين ، وهو ممسك بمكبر صوت يدوي.
انقطاع الحبال الكهربائية لا يعني انقطاع الحبال الصوتية أيضاً !
أخذنا نستمع إليه باهتمام.

كان يطلب من الجموع أن يهُبّوا للتطوع لمساعدة اللاجئين، فمنْ كان غير قادر فإنه بسلوكه الشخصي داخل بيته قادر على فعل الكثير.
تابع بتأثر :
ثلاث صواعق في آن واحد ؛ زلزال وتسونامي ودمار المفاعل النووي، وكلها جاءت معاً في طقس بارد مثلج، ليزيد من المصائب ويعيق أعمال الإغاثة . يجب أن نسعى للتخفيف من المصاب الأليم .. فلْنهِبْ بعضاً من المال أو الغذاء أو الملبس، هذا واجب علينا جميعاً تجاه أهل الوطن، وأدعوكم للاقتصاد في الطاقة الكهربائية والبترولية، لنوفّرها لمصانعنا التي توقفتْ وستُلحِق الكساد باقتصادنا والبطالة بأولادنا، وللاجئين القابعين في البرد والظلام ، ولسيارات النقل التي تمدّهم بالمعونات . كذلك الماء .. غلِّفوا صحون الطعام بورق النايلون لتوفير ماء جليِها، ولا ضَير علينا اللجوء إلى الطشت في حماماتنا والاستغناء مؤقتاً عن استعمال البانيو اليومي .. علّموا أولادكم أن يكون الماء النازل من الحنفية بسماكة قلم رصاص . المأساة فوق توقعنا والخسائر رهيبة.
بلدكم يناديكم .. هبّوا إليه . نحن نستطيع بالاعتماد على أنفسنا أن نفعل الكثير دون أن نمدّ أيادينا للآخرين.
إنْ لم تهُبّوا فهِبوا !
الوطن الذي وَهَبْناه في الماضي فبادلَنا العطاء لا بدّ أن ينهض ثانية، بادِروا إلى التقدِمة من أنفسكم حتى يكون الوطن مستعداً لردّ جميلنا بالجميل.
ارْتقوا على أحزانكم فالحاضر موجود والمفقود لن يعود.

يا لروعة هذا الشعب ..
قدَرُهم أن يلِدوا في زمن اللهب المقدس، مُطهّر النفوس من أدرانها، ومُعافي العقول من عللها !

فاتتْني اللحظة المناسبة للتصفيق، لكني قررتُ أن ألقّن الحضور (الصامت) درساً في تقدير الكلام الموزون، وذلك بانتهاز بارقة أخرى لاسْتحسانٍ أبدؤه أنا فيشاركني الجميع !
ومَنْ غيري قادر على اختطاف اللحظات الحماسية للتصفيق ؟
أليابانيون ؟ هه !
وهل تعلّموا وتدرّبوا في مدارسهم ومظاهراتهم وبرلماناتهم وخطابات رؤسائهم، أن يقرَعوا الأكفّ المفتوحة اللاهِبة بصوت جلل كما نفعل نحن العرب ؟

للأسف .. قطع سائق الباص عليّ رغبتي عندما نادانا للعودة لمتابعة السفر، فحرمَني من استعادة لحظاتٍ من هواية ماضية طالما مارستُها أيام المدرسة !
العرب .. يديرون خطوبهم بالخطابات ، والشعر والشعارات ، والتصفيق الصفيق !!
الياباني إذا تكلّم .. فلإسماع منْ به صمم ،
والياباني إذا سكت .. فلِرفْع ما منه سقط ،
وإن اعتراه الألم، فاعلمْ أن أوان العمل قد حلّ للحلم الآجل والعاجل.
كل دقيقة لها ثمنها، إن فتح فمه أو أغلقه.

لا مفرّ من الذكرى .. العبارة الأخيرة شدّتْني إلى ماضٍ، وجدتُ نفسي في لحظة أمسك بخيوط تربطني بأحداثٍ مفعمة بالحيوية، ما زلتُ أبتسم لها كلما تذكرتُ أبطالها.
{ يوم دعتني ( هادية ) إلى تناول الفطور .. لا لا ، ليس في بيتها .. بل في عملها، في مكتبها وفي قلب الشركة !
معليش ؟ !!
يييي ~~ ولا يهمّك .. نحن نجتمع بهاليوم على جاط تسقيّة وبيوم آخر على جاط حمّص وفول مدمس وتالت على مناقيش بزعتر وجبنة ... يللا ~~ حطّي بالخرج .. مين سائل ؟ كيف بتحبّي التسقية ؟ بسمنة ولاّ بالزيت ؟؟
زيت زيت، وكتّري لي الكمّون والحمص !
وذهبتُ .. واستقبلوني بالأهْلا والسهلا ..
وبدأنا .. كلنا شعب واحد هدف واحد، في عملية كرّ وفرّ على الفطور، تلاه لتعديل المزاج قهوة ملوكية، بعد أن طرقتْ الشلّة بطناً، ودقة عالخشب قُلنا لكل الأرغفة مرحباً، وما تركنا صحن مقبلات علينا عاتباً، وقششْنا حتى آخر لقمة في الجاط قشاً، وقطعْنا أمل ( أم خالد ) الخادمة بمطبخ الشركة أن تنتقي الباقي من صحوننا ليكون عشاءها، بعد أن لحسْنا الصحون لحْساً، وقضينا فوق الكل على القطايف والبقلاوة قضاءً مبرماً لا قيامة بعده !
هذه الوليمة اليومية مدعوّ لها الغريب قبل القريب . أما الغريب فإنه يصبح من أهل الخوش بوش بعد أن يقسم يمين الولاء لهذه السُفرة الموحّدة الجامعة الرسولية لكل أطياف وملل ونحل الوطن، إذ ليس هناك ما يؤلف قلوب العرب كبطونهم !
وهناك طرق ووسائل للدخول في هذه الزفة : إما بالدعوة المباشرة كما فعلوا معي، أو غير المباشرة كأم خالد الخادمة . فهي تروح وتجي على قولة : محل ما يسْري يمْري إلهي . ولما ترى أن الأفواه الرشيقة مشغولة ببطونها، والفرصة تكاد تفوتها، ترفع صوتها صائحة : إلهي يخللي هالحلوات ويبعت لهن عرسان على هوا قلوبهن. وهنا .. تتعالى أصوات العصافير لدعوتها، فتسحب ابنها خالد وينزلان معاً ومعنا في مدّ الأيادي للطعام وجزْرها للأفواه لنسْف الطاولة عن بكرة أبيها }.

طيب .. وهل تذكرين ؟ ولا أظنكِ قد نسيتِ ..
{ يوم اتصلتِ بابنكِ في عمله بالشركة اليابانية قبل انتهاء وقت العمل بربع ساعة لتسأليه فقط : ستاكل برا أم عاوز ساشيمي ( سمك نيء) ؟ فعاتبك ابنكِ هذا أنه ليس وقت السؤال هذا، والاتصال بالشركة للسؤال خارج العمل ممنوع، ولم يعطكِ الجواب ولمْ ..
حتى أقلب شفتي استهجاناً من ( هذا ) البلد الذي لا يعرف أين ومتى يأكل التسقية والمناقيش } !

ليس غريباً بعد سُفرة المؤلفة قلوبهم أن نسمع أن العربي لا يعمل إلا ستاً وعشرين دقيقة في اليوم !
العرب فرع من شجرة الإنسان لكنهم كالعرجون : جذع يابس خالٍ من الماء والحياة ، يريدون اجتياح العالم بعقلية عنترة أبو الشوارب وأخيه علي بابا والحرامية.

يتبع