”إنتصاب أسود“ أو عندما تتحوّل الرّواية البورنوغرافيّة في تونس إلى سلاح ضدّ الرّجعية

ضياء البوسالمي
2016 / 3 / 14

لطالما كانت أولى كتابات الأدباء الكبار لحظة فارقة في حياتهم خصوصا و في تاريخ الأدب عمومًا. شخصيّا أعتبر أنّ أفضل كتابات نجيب محفوظ هي أوّلها أي مجموعته القصصيّة ”همس الجنون“ رغم أنّه حصل على جائزة نوبل بثلاثيّته الشّهيرة. و قد جاءت أولى أعمال أيمن الدّبوسي الأخصائيّ النّفساني و الكاتب لتحدث ضجّة مُتَوَقَّعَة و لتقحم ميدانا ظلّ مهجورا من طرف الكتّاب العرب ( خاصة في تونس ) و ذلك ربّما خوفا من ردّة فعل القرّاء و ما قد يصاحب هذا النّوع من الكتابات من إحتجاجات و مشاكل في مجتمعات مازالت تعتبر الجنس عائقا و من ”التَّابُوهَات“ التي يُمْنَعُ النّقاش حولها حتّى و إن كان ذلك في حلقات خاصّة.
رواية ”إنتصاب أسود“ تنقسم إلى 7 أجزاء/فصول تنقل يوميّات بطلها الطّبيب النّفسي الذي يحمل نفس إسم الكاتب و هو ما يجعل القارئ في حيرة منذ البداية فتختلط السّيرة الذّاتيّة بالخيال و هذا يميّز أسلوب الدّبوسي في الكتابة. و الحقيقة أنّه بالإضافة إلى ما سبق ذكره فيما يتعلّق بالأسلوب فإنّه يمكن أن نلاحظ أمرين : الأوّل هو أنّ المعجم الذي وظّفه الكاتب يجعلنا نتذكّر أهمّ الكُتب التي تعرّضت لهذه المواضيع في التّاريخ الإسلامي مثل كتاب الرّوض العاطر في نزهة الخاطر من تأليف الشّيخ النّفزاوي مع العلم أنّ هذا الكتاب لا يمكن تصنيفه كرواية إلاّ أنه من الواضح أنّ الكاتب عاد للإطّلاع على مثل هذه الكتابات. و أمّا الأمر الثّاني، فهو تأثّر الكاتب بالرّواية البورنوغرافيّة في الغرب ( الولايات المتّحدة و فرنسا خصوصا ) لأنّنا نجد صدى لكتابات رولان بارت و تشارلز بوكوفسكي و قد ساهم هذا الإلمام و المزج بين التّراث العربي من جهة والأعمال الغربيّة الحديثة من جهة أخرى في إضفاء رونق خاصّ على هذا النّص.
عن الثّورة الجنسيّة و أحلام أخرى !
لا تحدث الثّورات في الخفاء فالثورة و الكتابة كلتاهما لا تعرف السريّة.
نوال السعداوي
لقد سعى أيمن الدّبوسي – من خلال روايته – إلى التّأكيد على أنّ الثّورة التّونسية لا يمكن أن تُعْتَبَرَ ثورة كاملة ما لم تتحقّق الثّورة الجنسيّة التي يأمل الكاتب و أبناء جيله أن تحدث تغييرًا جذريّا في العقليّات و أن تحاول تغير نظرة العربي عموما و التّونسي خصوصا للجسد و الجنس. لهذا، كانت سياسة الصّدمة هي الحلّ يُصْدَمُ القارئ بالإباحيّة ثمّ يألفها و أخيرا يلتهم صفحات الرّواية إلتهاما ليستمتع بها و يُدْمِنَهَا. فتتدفّق المقاطع الإباحيّة المبثوثة على كامل النّص لتحقّق هذا الهدف ! لقد أبدع الكاتب في نقل و وصف أدقّ تفاصيل الأجساد و النّهود و هذا يظهر في أكثر من مقطع.
راح كريستوف يقبل و يدبر في هيلين من الخلف بينما هي على أربع تمصّ أيري من الجهة الأخرى. كنت حيانا أغلق فتحتيْ منخريها بسبّابتي و إبهامي فيظطرّها ذلك إلى شفط أيري مع ريقها في شهيق عنيف رافعة نحوي نظرة معاتبة فأمنحها إبتسامة مشجّعة مفلتا أنفها.
تنحيت عن فم هيلين و باشرتها من الخلف أقحمته عميقا في فرجها المنكشف في فحش خلاّب، عانقت المخدّة و راحت تعضّ على حواشيها مغمضة عينيها مسندة جانب وجهها على اللّحاف الأسود لتهبني كلّ خلفيّتها و ظهرها مبسوط أمامي تسري فيه هزّة النّيك و تنحدر عليه حبّات العرق كإنهيار ثلجيّ.
بروح ثورة ماي 68 جاء نصّ أيمن الدّبوسي مشحونا بإرادة تغييرالواقع و التّحريض على التّمرد و تحطيم الأصنام و كسر كلّ الحدود بتدنيس كلّ المقدّسات. ههنا تتحوّل الرّواية البورنوغرافيّة إلى وسيلة للدّعوة و الحثّ على الثّورة ضدّ كلّ سلطة أخلاقيّة، دينيّة أو سياسيّة، و هي كذلك وسيلة الكاتب لإعادة خلق مجموعة من المفاهيم و القيم الجديدة و المتحرّرة بعد القضاء على تلك القيم القديمة و البالية و الرّجعية. لقد وضعت هذه الرّواية المقدّس في موضع شكّ و إتّهام بصفته المحرّك الأساسيّ للرّجعيّة التي تقوم على تصنيف كلّ المسائل عبر ثنائيّة الحلال و الحرام. لهذا فإنّ الرّواية تعلي من شأن الجسد و تحثّ على الإقبال على ملذّات الحياة دون قيود، إنّها رواية مغرقة في الشّهوانيّة و الماديّة قاطعة مع كلّ ميتافيزيقا تحبس الجسد و تحرّم الجنس و اللّذة و بذلك تعيد الإعتبار لفلسفة الجسد التي كادت تندثر في مجتمعات تعاني من الإعاقات الدّينيّة.
”إنتصاب أسود“ تعتبر صرخة جيل لطالما حلم بالحريّة و الثّورة و الإنعتاق و التخلّص من العقد التي إستولت على العقل العربي منذ مئات السّنين، إنّها بداية ثورة و دعوة للإنفتاح على الآخر المختلف و ثقافته و جسده و هكذا يتمّ ”تناكح الثّقافات“ كما جاء على لسان البطل بطريقة ساخرة ليواصل بعد ذلك متهكّما هذا حجر الأساس في مشروع ساركوزي المتوسّطي !!


عنوان الرّواية : إنتصاب أسود
عدد الصفحات: 168
تاريخ الصدور : 2016
دار النّشر : منشورات الجمل/ بيروت