راب تونسي : رَادْستَارْ رَادِي

ضياء البوسالمي
2016 / 3 / 14

مقدّمة لابدّ منها : لقد كانت موسيقى الرّاب في تونس من أهمّ الوسائل التي ساعدت و ساهمت في إندلاع الثّورة و تحسيس المواطنين بضرورة الخروج إلى الشّارع و المطالبة بإسقا النّظام. أمّا بعد الثّورة، فإنّه يمكننا أن نلاحظ بسهولة ارتفاع عدد فنّاني الرّاب بسبب إنخفاض الضّغط و الرّقابة بعد الثّورة لا بل إنّ فنّاني الرّاب أصبحت لهم إمكانيّة الظّهور في الإعلام و التّكلم بكل حريّة (تجدر الملاحظة أنّ العديد منهم أيضا بقي مصرّا على مقاطعة وسائل الإعلام ). سنتعرّض – من خلال هذه السّلسلة من المقالات ”راب تونسي“ – إلى أبرز فنّاني الرّاب في تونس، و الإختيارات التي سأقوم بها هي مجرّد رأي شخصيّ لا يأخذ بعين الإعتبار لا نسبة المتابعة على اليوتيوب و لا نسبة الظّهور الإعلامي للرّابور لذلك عزيزي القارئ أعلمك – بصفة مسّبقة – أنّك لن تجد في سلسلة المقالات هذه العديد من الأسماء المعروفة.

فْلَيْ لاَ أَمَا ڨ-;-َدْ اٌلبْلاَء
أ
وّل رابور إخترت أن نبدأ معه هو رادستار رادي أو ”الرّاديكالي“ الذي كان يشكل ثنائيّا رائعا مع ”جي جي أ“ و لكن نتيجة للعديد من الخلافات إنطلق ”الرّادي“ في تحقيق مجموعة من النّجاحات بأغاني أحدثت ضجّة و جعلته من بين أبرز فنّاني الرّاب في تونس. و أسلوب ”الرّادي“ يتميّز أساسا بكلمات موزونة مع تكثيف الإستعارات و التّشابيه، قد يثير هذا إستغراب القارئ خاصّة و أنّ الكلمات في الرّاب هي بالدّارجة التّونسية التي لم نتعوّد أن تتضمّن صورًا شعريّة و كلمات موزونة و لكن أغاني ”الرّاديكالي“ تثبت عكس ذلك.
●-;- دُنْيَا : مطلع هذه الأغنية هو ديني وعظي بإمتياز (و هي خاصيّة نلاحظها في هذا النّص و نصوص أخرى من خلال التّأكيد على عدّة معاني كالتّمسك بالدّين و الإعتزاز بالعروبة و غيرها) يؤكّد من خلاله على أنّ اللّهث وراء الرّبح مع التّضحية براحة البال في سبيل ذلك هو سبب كلّ الأزمات التي نمرّ بها أي أنّ الخطر يكمن في رفع شعار الغاية تبرّر الوسيلة بصفة عامّة. ثمّ يتمّ التدرّج إلى الخاص عبر وصف لحالة المعاناة في البلاد مع إشارة إلى ما تمارسه دولة البوليس من قمع
بلادنا الاولى نساتنا باعت لا نهار شراتنا عبات في الحبس مساجين
و هو ما جعل الإنسان يعيش كالميّت ”الفقر بنادم رادمو“ و هي مفارقة ينتهي بها المقطع الأوّل مع عودة إلى المعجم الدّيني. أمّا المقطع الثّاني فهو يصوّر الفروق الطّبقية والتي تولّد مجموعة من الصّراعات بين أبناء المجتمع. يحتجّ ”الرّادي“ على أولئك الذين يعبدون المال و يدعو للثّورة على السّلطة و ”المستكرشين“:
بلاد لروحها ظالمَة ناسها بالهجّة حالمَة زوّالي فيها يفسخّوك حقّك ما نقلّك كالمَا كلها بالحالة عالمَة أما الصُّلاح قلال الرّاجل صَار توّة فال أهوال البلاد موشْ سالمَة كان الفاسد موالما الوقتْ بشر للبيع بقتْ بلاد شَعطات كان يأْس مقتْ أول مِسْمار في النّعش دقّت تحيَا على الفَضْلة فيها لقتْ خلّي تكبرالكروشْ كي رضيت الذّل كيفهم نافقت تي حلال فيكم كرتوشْ.
●-;- تَأَبَّطَ شَرًّا : من العنوان الذي يحيلنا على أحد شعراء الجاهليّة الصعاليك نفهم مرجعيّات ”الرّاديكالي“ التي تجعل نصوصه مفعمة بحبّ الثّورة و رفض الإنصياع و محاربة كلّ سلطة قاهرة و هي روح جاهليّة ميّزت الشّعراء الصّعاليك الذين يعتبرهم ”الرّادي“ مثله الأعلى. و منذ البداية وصف للحالة المزرية ”بلاد الدفنة بالحياة ناس موتى أما تتحرك“ (و هو نفس المعنى الذي تعرّضنا له في أغنية دنيا و لكن بأسلوب مختلف) ثمّ يواصل نقده لوسائل الإعلام معبّرًا عن رفضه للشّهرة و الظّهور و يشير إلى أنّ أسلوبه و أغانيه لا تعتمد على الإستعراض كما يفعل العديد من فنّاني الرّاب الآخرين.
نعمل راب للخير للصّحوة شماتة في الأعداء مش راب التّزبير والفحوى بزيزلات نساء فلي لا أما قد البلاء
في المقطع الأخير يُشبّه نصوصه بنصوص الشّنفرة و هو أحد أبرز الشّعراء في الجاهليّة [طبعا من البديهيّ أن يُفْهَمَ أنّ المقصود بوجه الشّبه بين نصوص ”الرّادي“ و نصوص الشّعراء هي مجموعة من القيم التي تغنّى بها الصّعاليك (رفض السّلطة و طلب الحريّة) و أُعْجِبَ بها ”الرّادي“ ووظّفها في فنّه] في الفيديو مجموعة من العلامات منها لباس الدّنقري تأكيدا على الإنتماء إلى الطّبقة الكادحة.
●-;- بُولِيكَا : يبدأ ”الرّادي“ بالتّأكيد – كالعادة – على طبعه الرّافض لكلّ سلطة تحاول أن تُخضعه و هو ثابت على مبادئه رغم العديد من العراقيل:
شاڨ-;-ور فصّالي تحبّوا تصنفوا منسي قد ما ضرب الرّاب معنّفوا كان مالوزير متلّفوا أما واصل بإذن الله بلاش لا سلطان لا جاه رغم انفو
و لا ينسى ”الرّاديكالي“ أن يشهّر بالسّلطة و يعلن رفضه للوضع متّهما – بلهجة حادّة – أصحاب الجاه و السّلطة معلنًا إنحيازه إلى أبناء الشّعب
عيشة قحبة وكان عالزمة فيها مطوّلة بلاد الشّر بخلاف الهمل قلي على شكون مفوّلة مخرّبة أعطال و بالك غدوة يصلح حالها ما لقينا حلّ عمّال يسوء الناس كالعادة مغوّلة آه يا دولة خلفً حكم تعدّى نافق قلي بلاد قلت حبس كبير عالي مافيه منافذ كل محكوم هايم لين تواتي منقلة عباد عمر مشنقلة تشوف الدنيا مالنّوافذ.
المقطع الثّاني هو نقد لوضعيّة الرّاب في تونس و لفنّاني الرّاب الذين نسوا رسالتهم الحقيقيّة و إهتمّوا بالأضواء و الشّهرة.
●-;- العرائس : كلاش لوسائل الإعلام التي يؤكّد ”الرّادي“ أنّها تتجاهل القضايا الجادّة و تساهم في تعميق الأزمة التي تمرّ بها البلاد ”مجتمع بلا عقول تقودو الميديا“، كما يهاجم الإعلامي نوفل الورتاني و يصرّ على مقاطعة برنامجه و وسائل الإعلام عموما معتمدا على اليوتيوب فقط لإيصال صوته و إنتشار أغانيه ”الرّادي ليكم ما يعوز بذراعو يوصّل مليون“ (الأغنية وصلت أكثر من مليون متابعة و هو دليل آخر على أنّ موسيقى ”الإندرغراوند“ لا تحتاج إلى وسائل الإعلام الرّسميّة لتنتشر و تصل إلى النّاس !)
●-;- تُغَنِّي اُلطُّيُور : في نصّ هذه الأغنية تكثيف من الصّور الشعريّة و تركيز على اختيار الكلمات المتناسقة. المقطع الأوّل فيه يؤكّد ”الرّادي“ تعاليه على الفوضى التي تعمّ البلاد و على بقيّة فنّاني الرّاب:
طاير بجوارحي باسط جوانحي الفوق في السماء نحوم فوق مسارحي الرّاد ساكن عالي لجبال لفوق كالنسر القتال عصافر شد العشوش ما تبارحي عندك توارخي في بلاد كاتمة نجمة تضوي سبل الناس في الظلمة العاتمة.
و الحقيقة أنّ الملاحظ هو أنّ هذه الصّورة قد وردت في شعر الشّابي (سأعيش رغم الداء والاعداء كالنّسر فوق القمة الشماء) ثمّ ينقل ”الرّادي“ – من خلال نصّه – إلى الواقع المرير أين يمكن أن نرى الفقر المدقع
قداش من منسي قداش من محروم مازال خلق يبات بالشرّ عنا كل يوم نعيش مهموم في بلاد نسايا تشوف غشاشر في عزّ القرّ تمشي حفايا حسبي مولايا
وكيلي في القوم الفاسدة في شعب راضي الذل راضي العيشة الميردا
يوجّه ”الرّادي“ أصابع الإتّهام إلى أصحاب السّلطة الذين نسوا أبناء الشّعب المهمّشين
لمغنى توا طارنا بلاد ضياقت ما تساعنا لحنا لا صغارنا بلاد لبطارنة عندك مسموعالكلمة زول تفنى في القاع ممنوع الحلمة دولة مفلمة
من بكري من عهد الجدود حكومة تصنع الأفلام أكثر من هوليود نقز الحدود ما يهم صحري بحري
قعدت فيها تلظم كوردة يلا إنتحري
بمرجعيّات مثل الشّنفرة و تأبّط شرّا، إستطاع ”الرّادي“ أن يتميّز بأسلوبه عن البقيّة إذ نلاحظ بحثا على مستوى الموسيقى و إبداعا على مستوى اللّغة كلّها عناصر موّظَفة للتّعبير عمّا يختلج في صدور الشّباب و ما يعانيه أبناء هذا الوطن من قمع و ظلم من طرف السّلطة. كلمات الرّاديكالي وسيلة لإعلان العصيان و التّمرد و رفض الخضوع و الإستسلام للواقع.