مخاطر وتداعيات الهجمة الخليجية المتصاعدة

بدر الدين شنن
2016 / 3 / 14

ربما أدرك القليل في البدايات ، من أهل الرأي والسياسية ، أن ما سمي بالربيع العربي ، بقيادة الإمبريالية والرجعية وممارساته ، ليس خياراً عربياً تقدمياً يقارب معنى الثورة .. ليس هو الخيار الذي تنشده الجماهير العربية . بل هو نكوص تراجعي يعوق ، لزمن مديد النهوض الوطني القومي ، ويخدم في مآلاته المشروع الرجعي الإسرائيلي . لكن لا أحداً كان يستطيع الادعاء ، أنه يعرف تفاصيل مسار هذا الربيع المريب ، ومن هم مفاعيله من طيبي النوايا ، والمرتزقة ، وكيف سيلعبون أدوارهم . بل إن الذين اشتغلوا في الأشهر والسنوات الأولى ، لم يكونوا يعرفون أن أداءهم الغبي المميز ، والمدعوم بالإعلام الفضائي والورقي والإلكتروني المتآمر ، والكهنوتي المنافق ، سوف يجري لاحقاً ، تحت تأثير التفاعلات الموضوعية في الداخل والخارج ، دون محسنات إعلامية مبهرة ، ومباركة كهنوتية خاشعة ، وملونات ليبرالية لامعة ، لأنها ستتساقط .. وتنفضح .. وعليهم أن يلعبوا .. هكذا .. على المكشوف .. منغمسين بوقاحة في استغباء الشعوب .. واستجحاش أنفسهم .
ما يتطلب طرح عدد من التساؤلات ذات الصلة :

هل يجرؤ أحد على القول أنه كان يعرف ، أن حاكمي دولة قطر السابقين ، الحمدين من آل ثاني ، كانا سيتنحيان ، وهما في ذروة صعودهما " الربيعي " عن الحكم ، للشيخ تميم بن الشيخة موزة ، وهو لم يتقن بعد لعبة كرة القدم ، وفي لحظة بلغ رصيدهما فيها ، تنحية ثلاث رؤساء دول في تونس ، ومصر ، واليمن ، والاشتراك الفعال في ذبح رئيس دولة رابع في ليبيا .. وأطلقا مع أقرانهما الخليجيين وتركيا وأميركا ، جيوش الإرهاب الدولي في سوريا لتدميرها .. وذبح بشار الأسد .؟

وهل لأحد ، أن ينفي أو يؤكد ، لماذا تم استعجال تصريف ما تبقى من عمر الملك عبد الله آل سعود ، دون انتظار آليات عزرائيل المتخلفة ، وإعلان شقيقه سلمان ، المصفرة ورقته في " شجرة الأعمار " سلفاً وبوضوح ، لتنصيب ابنه محمد ، ولياً لولي العهد ، وتفويضه بإدارة شؤون الحرب ، والسياسة الخارجية ، واللعب المغامر بالدولة السعودية ، وأن يجعل الدولة السعودية سيدة الخليج المطلقة ، ودول الخليج تطيع وتخضع ، دون أي تحفظات .. مع تعليق السؤال : من .. وماذا .. وراء محمد بن سلمان هذا ؟ .

وهل كان يخطر ببال أحد ، أن يفرض مجلس " التآمر " .. التعاون الخليجي ، بقيادة ولي ولي العهد السعودي ، سيطرته على جامعة الدول العربية .. والجامعات العربية .. والشؤون الداخلية العربية .. والأقمار الصناعية .. والفضائيات العربية .. ويهمش دولة مثل مصر ، وهي وحدها أكثر عدداً ، وقوة ، من دول الخليج العربية مجتمعة . وبين الدول العربية كلها . ويهمش دولاً بأكثرية دول مرتزقة في جامعة الدول العربية ، مثل الجزائر وسوريا والعراق ولبنان ؟ .

وهل هناك من يزعم أنه قد حسبها صح ، من السياسيين المتحمسين للديمقراطية ، والليبرالية ، بقيادة الفاشية الخليجية ، من المعارضين المتشددين .. والمعارضين المعتدلين ، أن خسائر نسائم ربيعهم البشرية من القتلى والمصابين والنازحين والمهجرين ، ستبلغ أكثر من عشرة ملايين بريئاً . والخسائر المادية ، التدميرية ، واللصوصية ، وتعطيل السياحة ، ومعظم حركة الإنتاج الصناعي والزراعي ، والشلل شبه التام للتجارة ، في البلدان التي عمت فيها كوارث الربيع ، هي أكثر من تريليون دولار . وذلك ثمناً لإبعاد رؤساء مستبدين ، وتوليهم هم السلطة ، فكان البديل سيطرة الإرهاب ، والرجعية ، والتطرف الديني والسياسي ، الأكثر سوءاً من الاستبداد . وكان لهم سلال المهملات .. والوصول بهم لهذه المرحلة ، حيث لا قيمة ولا رأي لهم ، ولا حتى هامش لإثبات الذات ولو شكلياً ؟ .. وفي دوامة البحث عن جواب على هذه التساؤلات .. يبادر البعض ويتذاكى ، ويقول بخبث ووضاعة .. لقد خدعنا .. لقد كذبوا علينا .

* * *

مع قدوم عام 2016 ، بدأت السنة الأولى لمرحلة الإنشاء والاستثمار في البرنامج الربيعي السيء الذكر ، ومن البديهي أن يقوم ذلك ، على ما أنجز في مرحلة " 2011 ـ 2015 " ، من متغيرات في البلدان التي اجتاحتها الكوارث والتداعيات المرحلية الأولى ، في السلطة ، وفي بنى الدولة والمجتمع ، وكذلك في البلدان المتضررة المحيطة بها ، وعلى استحقاقات التدخل العسكري الروسي في سوريا ، والاتفاق النووي الإيراني ، وتقدم الجيش السوري ، والاضطرابات المتفاقمة في تركيا . ولابد أن يتم تجديد الشحن السياسي والشعاراتي ، وإعادة تشكيل مفاعيل القوى التي عليها أن تؤدي في المرحلة الجديدة أدوراً حاسمة . ، محلية وإقليمية .

المحور الرئيس في المرحلة الجديدة ، هو المملكة السعودية بقيادتها الجديدة المغامرة ، وتبوأ مجلس التعاون الخليجي ، مكانة ودور التحالف العسكري " ناتو عربي مصغر " في المشرق العربي والخليج ، ما تطلب .. وساعد على ذلك ، هو تحجيم الدور التركي ، الذي كان الأبرز ، في منظومة قوى التدخل العدواني في سوريا والبلدان العربية الأخرى ، وذلك بفعل المتغيرات الشرق أوسطية ، والداخلية التركية ، وتحجيم دور قطر بعد تنحي الحمدين . والسيطرة الخليجية التامة على جامعة الدول العربية .

والهدف المحوري الجديد ، هو إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي ، المرجو تحقيقه ، لضمان استقرار دول الخليج واستدامة هيمنتها على الشعوب والدول العربية والمنطقة . ما يستدعي بإلحاح إنهاء دور ووجود المقاومة الفلسطينية والعربية ضد إسرائيل ، وتجنب إحراجات صداماتها المتواصلة مع الإسرائيليين وحرفها عن مخططها الإقليمي والدولي .كما يتطلب القضاء على أية حركة نهضوية قومية عربية ، لأنها لن تكون إلاّ حملة مشروع القضاء على إسرائيل وتحرير فلسطين . ويتطلب أيضاً القضاء على أي نوع من حضور وحركة اليسار الثوري المقاوم ، إذ لن يكون اليسار العربي الناهض يساراً حقاً ، إن لم يكن مع الشعب الفلسطيني ، لاستعادة حقوقه في وطنه فلسطين .

ما يعني أن القوى التي انجذبت في ربيع " 2011 ت 2015 " قد تقلص دورها وانتهى . وانتهت لعبة الديمقراطية الخليجية المخادعة تماماً . ومن كان مخدوعاً ، بكرم الدول الخليجية الديمقراطي قد يقبل المتابعة في اللعبة الجديدة ، ومن كان على نية حسنة سيصدم ، لأن كل القوى المصنفة ، أو تصنف نفسها معادية للمشروع الإسرائيلي ، الوطنية ، والديمقراطية ، والقومية ، واليسارية ، صارت عند السادة الخليجيين وأزلامهم من الحكام العرب ، صارت قوى معادية ينبغي القضاء عليها .

* * *

وفي تركيب العقيدة السياسية الجديدة ، تصبح كل قوى المقاومة والنضال القومي التحرري الوطني الديمقراطي ، قوى معادية عند سادة العرب الخليجيين الجدد ، وتوضع كل هذه القوى برسم المكافحة والقضاء عليها ، تحت مسميات مختلفة . لكن المفضل الدارج منها ، هي تهمة الإرهاب . وفي هذه العقيدة لا فرق بين أي من هذه القوى وبين حزب الله ، الذي جند نفسه للقتال ضد إسرائيل ويتقدم صفوف المقاومة العربية .

إن العقيدة السياسية الخليجية في المرحلة الجديدة ، التي حددت أعداءها ، بالقوى العربية الرافضة للمشروع الإسرائيلي ، قد أعادت الاعتبار لهذه القوى ، التي تشتت ، وأضاعت البوصلة ، والهوية ، أمام انبهار العولمة ، والرايات الخليجية الديمقراطية المزيفة ، والليبرالية المفوتة حتى في مصادرها ، ووضعتها أمام مسؤولية ضرورة العودة للنضال الوطني القومي التحرري والتقدمي بمضمون ديمقراطي وعدالة اجتماعية . وأمام مسؤولية إعادة بناء عقيدتها السياسية أيضاً . وأن لا تتردد في وضع فلسطين في مقدمة أولوياتها الموازية لتحرير سوريا والبلدان العربية من احتلال الإرهاب الدولي . لأن الموقف من فلسطين ومن المقاومة المقاتلة ضد المروع الإسرائيلي والإرهاب الدولي ، هو مفصل الافتراق بين الوطنية والخيانة .. بين الشرف والعار .. بين النهوض والانحدار .

إنهم يعدون الساحات لذبح المقاومة .. اليوم حزب الله ، وغداً الجهاد الإسلامي .. وبعد غد .. الجبهة الشعبية ، والجبهة الديمقراطية وبقية قوى النضال العربي القومية والديمقراطية واليسارية . والرد على ذلك هو إعداد كل الساحات .. لمواجهة التخلف .. والجهل .. والخيانات الجماعية .. والظلم التاريخي المتجدد .