أنظمة تنتج البطالة وتبررها

عصام شعبان حسن
2016 / 3 / 12


22 فبراير 2016

البطالة تزحف على الوطن العربي، وتنتشر بين شبابه، هذه ما توضحه مؤشرات البطالة في الوطن العربي. أعلنت أخيراً نتائج بحث القوى العاملة في مصر، وأظهرت المؤشرات أن نسبة المعطلين عن العمل بين الفئات العمرية من 15 – 29 عاماً تتجاوز 27%، بينما تتركز نسبة المعطلين بشكل أكبر في أوساط حاملي الشهادات الجامعية، لتصل إلى 34%؛ أي أن أكثر من ثلث من تلقوا تعليمهم بلا عمل. هذه النسب المخيفة لا تقتصر على مصر فحسب.

أوضاع الشباب التونسي تتشابه بشكل كبير مع أوضاع الشباب المصري، بل يمكن إجمالاً القول إن خطر البطالة يحيط بشباب الوطن العربي كله، وان كانت ترتفع بشكل أكبر في مصر وتونس وسورية واليمن والجزائر والسودان، إلا أنها ظاهرة متسعة ولا يستثنى منها حتى بعض دول الخليج التي يمتلك أغلبها معدلات دخل مرتفعة ومستوى معيشياً مرضياً للأفراد. الشباب المعطل قوة مهدرة لا يتم توظيفها، ومع وجودهم في دوائر البطالة تزداد نسب الإعالة في المجتمع، الأمر الذي يؤثر في انخفاض معدلات الادخار، فضلاً عن أن المعطلين عن العمل لا يمكنهم التخطيط لمستقبلهم أو إقامة علاقات اجتماعية مستقرة وتكوين أسر، وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى تفاقم أزمات الشباب.

فالعمل لا يلبي فقط الحاجات المعيشية ولكنه أيضاً يشبع الحاجة إلى التحقق والشعور بالإنجاز والرضا ويعمق الإحساس بالانتماء. تخرّج الجامعات والمعاهد ملايين الخريجين الذين لا تستوعبهم السوق، إذ ارتفع حجم قوة العمل في مصر خلال عام 2015 ليصل إلى 28.3 مليون فرد، بزيادة بلغت 2.4% عن عام 2014. وإذا فرضنا أن نسبة زيادة قوة العمل سوف تثبت لمدة خمس أعوام مقبلة، فهذا يعني أن أكثر من ثلاثة ملايين شاب مصري سيدخلون إلى سوق العمل، ما يشير إلى حصول نتائج كارثية. أين سيذهب هؤلاء المعطلون في ظل نظم اقتصادية لا تقوم بإنشاء أو دعم استثمارات تستوعب حجم قوة العمل المتزايدة سنوياً؟ ما مصير الدول العربية في ظل أنظمة حكم فشلت في تجاوز الأزمة الاقتصادية حتى بعد اندلاع الثورات ولم تلب مطالب الشعوب بتغيير البنى الاقتصادية وتوفير فرص العمل وتحسين الأحوال المعيشية؟ باختصار، السلطات القائمة لا تريد مواجهة البطالة بل تؤدي السياسات التي تتبعها إلى زيادة معدلاتها. فالتعويل على سياسات التحرير الاقتصادي وخصخصة القطاعات الصناعية لم يخلق أزمة في توفير السلع والخدمات فقط، ولكنه أدى أيضاً إلى تراجع موارد الدولة التي كان بعضها يخصص لدعم الاستثمارات التي تستوعب قوة العمل. هذه السلطات تعمل ببساطة لصالح قوى النهب المحلية والعالمية، لذا لن تقوم بتغيير سياستها الاقتصادية بسهولة، بل حركة المعطلين، والتي تشير الأرقام إلى انفجارها.

وليس هناك خيار آخر أمام ملاين المعطلين عن العمل سوى رفع مطالبهم بتغيير منظومة الاقتصاد بما يكفل فرص عمل ورواتب تحفظ كرامتهم. قد يقتنع المحبطون بأن أزمة البطالة يستحيل حلها، وهذا تصور صحيح لمن يريد تبني منهج السكون واستمرار نمط الاقتصاد القائم، لكن من يتطلعون إلى مستقبل مختلف يفكرون بطريقة أيسر وأسهل وأوضح. المجتمع المصري على سبيل المثال يعتمد اليوم على الاستيراد في معظم احتياجاته ومتطلباته اليومية، من معجون الأسنان إلى أقلام الرصاص التي يستخدمها طلاب المدارس

. ولم تشهد مصر إلى اليوم وصول أصوات اقتصادية تحدث قطيعة مع هذا النمط الاستهلاكي القائم على الاستيراد عبر إنتاج تلك السلع وتوفيرها للمستهلكين. يعلل مبررو الفشل ارتفاع حدة البطالة بأزمة الموازنة التي تجعل فرص تمويل استثمارات جديدة أو إنشاء قطاعات إنتاجية أمراً عسيراً، لكن في حقيقة الأمر أن الكثير من السلع المستوردة لا تحتاج إلى رأسمال ضخم تعجز الموازنة عن تلبيته، وهذه الموازنة المأزومة تلبي احتياجات أخرى لرجال الأعمال وتنهبها قطاعات محدودة على شكل أجور لا يفهم على أي أساس تُصرف. مثل هذه المشاريع غير المكلفة لها عوائد اقتصادية يمكن أن تساهم في حل مشكلة البطالة وتخرجنا من مستقبل مظلم لا نريده.


(باحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية)