المهمّشات فى فصول الاحتجاج العربي

عصام شعبان حسن
2016 / 3 / 12

عصام شعبان

لم تلق مساهمات النساء في الحركات الاجتماعية الاهتمام الكافي، رغم ما قدمته النساء العربيات من تضحيات، وخوضهن العديد من المعارك، لم تهمّش النساء، بل تم تهشيمهن. لعل أحد أسباب هذا الغياب، أن من يكتب عن الحراك يتوقف عند رصد أشكال الاحتجاج الذي تنتجه مؤسسات سياسية أو تنظيمات نقابية، في المقابل، فإن النسوة اللواتي قدن فصولاً من الاحتجاج لم تنلن الحظ نفسه من الاهتمام.

تقع غالبية مساهمات النساء في الحراك في خوضهن معارك تتعلق بمطالب اقتصادية واجتماعية، أو حتى حراك ضد الاعتقال والتعذيب، وغالبية البطلات اللواتي قدن الحراك لا ينتمين إلى مؤسسات تمارس دعاية أو تعريفا بدور هؤلاء القياديات. باختصار، لم تلق أدوار النساء الاهتمام ذاته الذي يناسب أدوارهن. لا بل يغلب على نظرة المهتمين بالحركات الاجتماعية، الاقتناع بأن المهمشات غير مؤثرات في الصراع السياسي الذي تخوضه النخب السياسية، وقادة الأحزاب والجمعيات، لا بل يرى البعض أن وجودهن في دائرة الضوء غير مسموح به أساساً.

ارتبط تجاهل دور النساء في النضال الاجتماعي بغياب القوى السياسية التي تعبر عنهن، فلا روابط تجمعهن، ولا كتل سياسة حقيقية تساندهن، لا بل إن العديد من الفاعلين السياسيين يستغربون، ويفاجأون بالطاقة الكامنة في الطبقات الاجتماعية المسحوقة التي تعاني الفقر وتدني مستوى التعليم، فيقفون مندهشين من التحركات الجزئية التي تقودها نساء مناطق الأطراف والأحياء الفقيرة.

على سبيل المثال لا الحصر، تناقش النخب المصرية قضية ارتفاع أسعار السكن، وتحويله إلى سلعة وأداة للاستثمار والربح، عبر إقرار قوانين تحرر العلاقة بين المالك والمستأجر كقانون الإيجار الجديد. وكذلك استيلاء المستثمرين على ملايين الأراضي بتسهيلات حكومية. وكذلك يناقشون خطط الاستيلاء على المواقع العمرانية المتميزة في قلب المدن والتي يسكنها الفقراء.

في المقابل، شهدت محاولات الاستيلاء على الأراضي التي يسكنها الفقراء مئات التظاهرات والاعتصامات. وتصدرت النساء في مناطق قلعة الكبش والدويقة وماسبيرو لهذا المخطط، ورفعت شعارات "لا للإخلاء والترحيل، نعم للتطوير". واستطاعت النساء مواجهة مخططات المستثمرين والدولة التي تحابيهم. ثلاث نسوة من قلعة الكبش تعرضن للمحاكمة بتهم التظاهر في العام 2008، ناهيك عن حالات الاعتداء والحبس التي تعرضت لها نساء الدويقة وماسبيرو.

وفي المصانع، قادت النساء الاحتجاجات العمالية، وبرز دورهن في قطاع الغزل والنسيج، وقبلهن برزت عاملات الغزل والنسيج في مصانع الإسكندرية، مئات الكوادر النسائية تصدرن المشهد، لكن تجاربهن لم تُدرس بشكل كاف، ولم تمنح الكتابات أو الأبحاث لهن الدور المستحق.
في أتون الثورة، خرجت النساء الفقيرات اللواتي اخترن خوض معاركهن ضد النظام وشاركن في الثورة، لكن عدسات الكاميرات وأقلام الكتاب ظلت تنشد معزوفتها في غزل يطاول الطبقة الوسطى.

في تونس، كانت تحركات أمهات العاطلين عن العمل في الحوض المنجمي أولى حلقات الاحتجاج، حين شاب الفساد مسابقة التشغيل. فقد ذهبت أمهات الشباب العاطل عن العمل، والذين تجاوز بعضهم 35 عاماً للاحتجاج أمام أبواب المصانع والمجالس البلدية ترددن: "نريد الشغل لأبنائنا". كما تعالت صرخات الأمهات: "علمنا أولادنا وهم الآن عاطلون، بائسون، بلا عمل وبلا مستقبل، تحملنا العناء في تربيتهم وتعليمهم ولا نطيق الحزن في أعينهم".
شجعت أمهات وأخوات العاطلين عن العمل، أهالي سيدي بوزيد، لينطلق الحراك الثوري، ويتطور سريعاً بمشاركة باقي الجهات خاصة بعد انتحار البوعزيزي، وحتى قبله شهدت تونس حالات انتحار عديدة ارتبطت برفض الشباب لواقعهم. احتجوا ضد المجتمع والسلطة، شعرت النساء بالحزن على المنتحرين، ومن يعيشون الانتحار وهم أحياء.

في الأيام الأولى للثورة المصرية المجيدة، انتشر فيديو لأم تقول لأبنائها "ما تخفش إحنا نازلين عشان مستقبلنا ومعندناش إللي نخاف عليه". لا تخلو كل وقائع الاحتجاج العربي من النساء. النساء الفقيرات تحديداً شكلن بنضالهن شعلة للتضحية.

كما تظاهر أهالي منطقة الدرب الأحمر في القاهرة ضد واقعة قتل أحد أعوان الأمن لسائق شاب، إذ تقاضى السائق بدلاً من أجرته على نقل بضاعة رجل الأمن، رصاصتين في الرأس جعلتاه جثة هامدة. انطلقت نساء الدرب الأحمر إلى جانب الشباب تطالبن بمحاكمة القاتل، تهتفن ضد الحكومة ووزارة الداخلية، وتوجهن رسائل غاضبة ضد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فلم يكن جزاؤهن سوى القتل والتشريد.
شهدت القاهرة في الأسبوع ذاته أيضاً، مظاهرات الأطباء ضد واقعة الاعتداء التي تعرض لها طبيب في مستشفى المطرية. ووقفت القيادية النقابية منى مينا تتحدى والجمعية العمومية للأطباء اعتداء أجهزة الأمن على الأطباء أثناء تأدية عملهم، قائلة: "إن لم ندافع عن كرامة الطبيب، فكيف نؤدي واجبنا ونعالج المرضى".

منى مينا، وجميع المكافحات ضد السلطوية ووقائع التعذيب والاعتقال، نساء يستحققن كل التقدير والاحترام. نساء يصنعن التاريخ الذي لا يريده البعض أن يولد، ويستنكف البعض الكتابة عنه.
التحية واجبة إلى منى مينا وكل النساء اللواتي نعرفهن، وإلى الذين لم نتمكن من معرفتهن، فهن يدافعن عن كرامة كل المجتمع وحقه في الحرية والتعبير ولقمة العيش.
(باحث في الأنثروبولوجيا في جامعة القاهرة)