من بلاد الشمس المشرقة: كل فمتو ثانية ونحن بخير

ليندا كبرييل
2016 / 3 / 10

في ذلك اليوم .. صمتتْ اليابان صمتاً أعمى، ظن الجميع أن لا قيامة لها بعده.
وكما قامت بعد كارثة القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي، بدأت تقوم اليوم بالجهاد والتحدّي، من اللعنة الذرية الثانية التي أصابتْها في فوكوشيما.

قُدِّرُ لي أن أعيش تلك التجربة المريرة . وهذه مقتطفات من ذكرياتي في ذلك اليوم المشؤوم، مُستَقاة في معظمها من ثلاثة مقالات نشرتها في ذلك الحين، أتحدث فيها عن انطباعاتي التي خلّفتها الكارثة الكبرى التي عصفت ببلاد الشمس المشرقة، فأحالتْها إلى بلاد العتمة والظلام، وذلك في 11 آذار - مارس 2011 بعد ظهر يوم الجمعة الساعة 2,46 ، عندما تعرّضت اليابان لهزة أرضية عنيفة تُعتبَر الأقوى في تاريخها الطويل مع الزلازل . نجم عن الهزّة شقٌّ في قاع البحر، اندفعت في إثْرها موجات تسونامي عاتية، وصل ارتفاعها في بعض المناطق إلى أكثر من عشرين متراً، تتمتع بقوة شديدة، قضت على الأخضر واليابس، وجرفتْ الأحياء والأشياء، لم تصمد أمام عُتُوّها سفينة صيد ضخمة، أو جسر، أو قطار، أو طائرة هيليكوبتر، وعشرات الآلاف من البيوت.
وكان أخطر ما أصاب اليابان، تحطُّم المفاعل النووي في محافظة فوكوشيما.

الدولة مع كل عظمتها واستعداداتها للمفاجآت القاسية وسيطرتها الدائمة عليها، عجزت في البداية عن الإمساك بزمام المصيبة الأضخم بعد كارثة القنبلة الذرية.
إنها كارثة وطنية لا سابقة لها تعاني من آثارها حتى اليوم . وإن كان الحدث أكبر من أن تحيط به الجهود على ضخامتها، فالدولة تحاول تدارك الثغرات والمصائب بمقدرة مذهلة حقاً، تواجهها النفوس الصلبة بجسارة وشجاعة لا مثيل لها.

خمس سنوات مضت على تلك المصيبة الفادحة . سمعنا خلالها عن حوادث موت فجائية، أو انتحار، لمنْ لم يحتملوا صدمة أن يخسروا كل شيء في الحياة، ومن أُدخِل مستشفى الأمراض العصبية . ظروف مؤثرة مفعمة بالأحزان حقاً .
وإن كانت هذه المناسبة المؤسفة قد أضافت الخبرة الثمينة للجهات المسؤولة، في استنباط الحلول بتبصّر وروية للحفاظ على الثروة الإنسانية، فإنه لا مفر من الإعتراف أن بلاء الطبيعة قد خلّف عاهات نفسية ليس من السهل السيطرة عليها.

نعم ! رب ضارة نافعة .
فالسلام الذي اختارته اليابان بطواعية بعد الكارثة الذرية في الحرب العالمية الثانية، كان الرافعة إلى الأعلى والدافعة إلى المجد الدولي.
أتاحت لها المحنة التي نزلت بها، ما لم تكن لتتيحه الظروف في الأحوال العادية، فتفجّرت المواهب وصُقِلت الأفكار . كان احتجاز اليابان لمشاعر الغليان الحربي، إجتيازاً نحو الفوران النهضوي، وامتيازاً منحته بسخاء لدول الجوار الآسيوي بشكل خاص، مكفِّرة بذلك عن ماضيها العدواني الأسود، ومنطلقة من قناعة مفادها : إنهاض دول الجوار يشكّل جزءاً أساسياً من تحقيق صالحها، سترى نتائجه الإيجابية في جيل أبنائها أو أحفادهم ، لتؤكّد تلك البقعة من العالم معجزة الإنسان الأصفر الجديد.

في رحم الرزايا تتخلّق المزايا ، وفي عين الإعصار تختبئ الشمس ، والمتصالحون فقط مع الحياة هم منْ ينطلقون في تعمير العالم.

كتبتْ لي الأقدار أن أعيش في مساحة جغرافية تصالحتْ عليها المصائب وسَخَت الطبيعة بالنوائب . فمن الزلازل والبراكين إلى الفيضانات والأعاصير إلى شحّ بالثروات إلا من نعمة الإنسان المعمّر للكون.
إنه الوعي عندما يتيقّظ على الرزْق والرزْء القابعَيْن كليهما في منطقة الظلام، فيقلبهما من حالة إلى أخرى، من الموت إلى الحياة.

في حين أني قدمتُ بالأساس من بقعة جادتْ عليها الطبيعة بالعطايا، وبخلتْ بنعمة الإنسان المتبصّر المتحلّي بطوية طيبة مسخَّرة لمنفعة البشر.
قد يُهيأ لكم بكل ما قستْ الطبيعة على اليابانيين، أنهم المُبتلون وأنتم المتنعِّمون . والحق أنه لا توجد نقطة في العالم إلا ويلحقها الهلاك . فالطبيعة توازن نفسها بنفسها، ما تعطيه باليمين تأخذ بمقداره باليسار، بيدها أو بيد عدوّها الإنسان.
الأرض دائرة، والمصائب تدور معها على الجميع بشكل أو بآخر.

{ وقفتُ أمام موقد الغاز أنتظر غليان الماء لتحضير الشاي لثلاثتنا . الضحكات تتعالى والقفشات تتوالى . فجأة .. تراقصتْ شعلة النار . ظننتُ أن ريحاً هبّتْ، لكن اضطراب توازني وأنا واقفة، هيّأ لي ثانيةً أن ضغط دمي المنخفض سبّب لي دوخة بسيطة، في نفس اللحظة التي جاءني إنذار داخلي، بإلقاء نظرة على جهاز التنبيه المرتبط بموقد الغاز، وإذ .. بجرسه يرنّ بقوة فجأة والشعلة تضطرب ثم تنطفئ.
صرخْنا : زلزال !!
انبلعت الضحكات . كانت الأرض قد أخذت تهتز بنا أفقياً، ثم صعوداً وهبوطاً، بشكل لم نعرفه من قبل يشتدّ مع كل تكّة ، فجحظت العيون وتوقفت الشهقات في الصدور، ثم انطلقتْ في صيحاتِ رعبِ الإدراك المنذِر بالخطر، مع ميلان شديد بالبيت ذات اليمين وذات اليسار وقرْقعة الأبواب المتكسّرة وتحطُّم النوافذ وتساقُط القرميد.

هرعنا للهروب من باب الخروج فإذ به قد مالَ وتعسّر فتحه . لم يكن الظرف يحتمل أدنى تأخير، فكل فمتو ثانية هي لصالح الحياة.
بينما كان زوجي يساعد العجوز في اجتياز النافذة، كنتُ أعتمد بيديّ على مصراع شباك آخر، ثم أقف على حافته وأقفز من علو أكثر من مترين قفزة ثابتة، أقف بعدها كالألِف ! ويا للمفارقة .. إذ لم أنسَ وأنا بين مخالب الخطر، أن أؤكد لرياضيّة أيام زمان ( أنا ) أنَّ آثار العهد الرياضي الشاب ما زال يجري في عروقي ! وإنْ كان كعْبا قدميّ في الأيام التالية تورّما، وأصابني العرج، وأطرافي ازرقّتْ، وجسمي قد تضعضع كل جزء منه ! لأتثبّتَ ثانيةً أن تلك القفزة الرائعة لم تكنْ إلا شهقة الشباب الرياضي الأخيرة !

وقفنا مع الجموع الهاربة من الموت المتراقِص في ساحة حديقة مجاورة، والأرض ما زالت تهتز بعنف، وقطع القرميد والتراب يتساقط من سقوف البيوت كالمطر . لم نرَ زلزالاً كهذا في حياتنا . اختنقتْ الدهشة لتصبح رعباً حقيقياً.
ما إن هدأ الزلزال وبدأنا العودة لتفقُّد أضرار بيوتنا، حتى ارتجّت الأرض ثانية بقوة لا تقلّ عن الأولى، فأسرعْنا جزِعين إلى الحديقة ننتظر رحمة من الطبيعة، تخفف عنا هذه الصاعقة المفاجِئة بين صارِخ من فزع وجامِد من هلع !

اعتدنا أن تخرق الطبيعة بين حين وآخر سقفاً جديداً من هبّاتها المجنونة . لكن .. أن ترفع فوق ذُرى التوقعات لحظةً مزلزِلة ثم تتابع الاختراق لتصبح لحظة أسطورية، فهذا كان مذهلاً حقاً !!
يا شيطانة ! أنتِ الطبيعة الخلّابة للنظر، وأنتِ أنتِ الجلّابة للخطر ! أنتِ الضاربة للوعْد والسعْد، وأنتِ أنتِ الضاربة بالعهد !

بات المكان لا يتحمّلنا .. برا أم جوا ؟ وقوف أم قعود ؟ كلام أم سكوت ؟ حركة أم سكون ؟

انقطعت الكهرباء بعد لحظات من هيجان الزلزال الرهيب الذي بلغت شدته لأول مرة في تاريخ اليابان تسع درجات ! أحدهم يحمل الترانزستور ومنه نستقي الأخبار : وقع الزلزالان في محافظة " مياغي - سينداي Miyagi – Sendai " وعشرات القتلى !!؟
التفت قلبي بعنف صوب الشمال حيث يقبع فلذة كبدي الأصغر . أعتقد أن وسع عينيّ لا يعود إلى الوراثة بقدر ما يعود إلى المفاجآت المتوالية التي طبعت عينيّ بوسع مزمن !
ارتفع صياح سيدة أن خرطوم مياه الحقل المجاور قد انفصل عن الملقّم، وأخذت المياه المندفعة بقوة من الفوهة الواسعة تغمر بيتنا الذي يقع مقابله، فأسرع زوجي ليقفز فوق السور ويغلق الحنفية الكبيرة، ولولا ذلك لقُدّر لنا ما لا تحمد عاقبته.

جاءنا هاتف مطمئن من ابننا الكبير في " توكيو " يفيدنا أن وسائل المواصلات بأنواعها متوقفة تماماً.
الزلزال لم يخلف القتلى والجرحى والمفقودين فحسب، بل خلّف أيضاً عشرات الألوف من الركاب العالقين في المحطات، فافترشوا الأرض في طقس بلغت درجة حرارته 4° . المحظوظون منهم وجدوا مكاناً في مركز إيوائي أو أوتيل، فاضطر ابني للعودة إلى بيته سيراً على الأقدام، كما فعل معظم الموظفين العاملين في العاصمة الساكنين خارجها.
وصل ابني إلى بيته بعد ست عشرة ساعة !
المهم .. وصل بخير . ولكن .. ماذا عنك أيها الحبيب الصغير وأنت هناك في عين الزلزال ؟؟ أمَا من لحظة تطمئن قلوبنا ؟

تجمّدنا في ساحة الحديقة و(الحسناء الكروية) ما زالت تتثاءب وتتدلل وترفض الخلود إلى النوم، وتأبى إلا الرقص على أعصابنا، لا نلحق أن نزفر اطمئناناً حتى نشهق هلعاً من تثاؤباتها المتكررة.

وقفنا في لحظةٍ صمتتْ فيها الطبيعة حائرين فيما نفعل ؟ فكانتْ فرصة لنتأمل بعضنا البعض . مشهد عبثي توفّرت له العناصر المسرحية الهزلية بامتياز !
فإن كانت رفيقتي قد خرجت بفردة حذاء رياضيّ سوداء وفردة أخرى من شحاطة حمراء، فإن جارتنا ذات الأقدام الصغيرة خرجتْ منتعلة حذاء زوجها الضخم ! الخطر يحيط بنا ونحن نضحك ..
أما الحاضرون فقد زيّنوا الموقف بطرافة غير متوقعة.
كان يبدو أن جارتنا السبعينيّة تحضّر نفسها لموعد، فخرجتْ ولفافات الشعر على رأسها، وقد رسمتْ بقلم الكحل الأسود خطاً غليظاً على حاجبها الأيسر وعلى عينها ورموشها عندما فاجأها الزلزال، فبقي الجزء الأيمن من وجهها دون رسْمٍ ، لتظهر بعينٍ سوداء كبيرة وأخرى كالحمّصة بالكاد تُرى، وبحاجب كثيف كالسيف المسلول في عرض جبينها والآخر الأيمن لا ظهور له !
أما كاهن المعبد الذي نراه دوماً بثوب الكهنة المزركش وبوقار يميّز وجهه، فقد خرج بثيابه الداخلية الطويلة، وبيده بنطاله يحاول لبسه وهو يعتذر للحضور !
ولم يبقَ إلا جارنا المذيع بتلفزيون المدينة ليكمل المشهد . عرفْناه دوماً، المتأنِّق بربطة العنق والبدلة، وما رأيناه قط إلا بشعره الأسود الفاحم ، فإذ به يخرج لحظة الزلزال مهرولاً، ومن شدة فزعه لم يتنبه وهو يمرّ تحت شجرة، فعلقتْ باروكته بغصن شجرة، لتظهر صلعة لماعة مع بضع شعيرات بيضاء في أم رأسه !
كنْ ( قبَضاي ) أيها المتفرّج ولا تضحكْ .. !!

لكن الشيطان الإبليس كان يتابع هِزاره معنا، عندما خرجتْ جارة معروفة بأطوارها الغريبة القريبة من بعض الجنون، ولم يحْلُ لها إلا في تلك اللحظة، أن تقيم الدنيا وتقعدها على الجموع الفارّة من صاعقة الزلزال.
فقامتْ تصرخ بالناس وأطفالهم ألا يقفوا تحت بلكونها وأمام بيتها، لأنها تريد سقاية حديقتها وإلا رشّتهم بالماء . فانبرى لها رجل دائم التشاجر معها يثنيها عن نيتها، ويدعوها للخروج خوفاً على حياتها، فالظرف لا يحتمل هذراً.
لكنها بوجه حافل بالغضب، خرجتْ من باب دارها، وبدأت تنهال عليه باللعنات. الإثنان يتناوشان بينما الأرض بدأت ترتج بالزلزال .. ؟ لعله العاشر ! وشياطين جهنمات الكون تلهو بنا . أسكتتْهما انتفاضة الأرض الأخيرة، فعادت السيدة إلى بيتها مرغمة، ثم بدأنا نسمعها تغني، وصوتها النشاز يعلو شيئاً فشيئاً في اطمئنان الواثق من لحظة حياته وما بعدها . يا لقلبها الهادئ !

ماذا جرى معك أيها الحبيب الصغير وأين أنتَ الآن ؟؟

بدأتْ وفود البيوت القديمة المنكوبة تنكبّ على الملاجئ، وجميع المحطات الإذاعية تلاحق الحدث الأضخم، وتحذّر الناس على طول الشواطئ اليابانية من أمواج التسونامي الهائلة التي أطلقها الزلزال . وما أن سمعتُ أن قوارب صيد جنحتْ بها الأمواج في مدينة " كيسينّوما Kisennuma " حتى قفزت صورة صديقتي ( كيميكو) إلى ذهني حيث يقع بيتها هناك على البحر مباشرة . المذيعة تؤكد أن الأمواج توغّلت في اليابسة مسافة خمسة كيلومترات، مُطيحة بكل ما قابلته في طريقها، ومسبِّبة لأضرار فادحة في مجمع " فوكوشيما Fukushima" النووي وارتفاع الانبعاثات الإشعاعية !
ما هذا القدر الذي يلاحق بلعنة الذرّة هذا البلد، الذي أعلن الاستسلام ورفضه الحرب وكرهه السلاح ومقته العدوان ؟

انبسطت العتمة على الكون . ها قد ودّع الليل نصفه الأول ولم تصلنا الكهرباء بعد. اتجهنا إلى الملجأ وقد حمينا رؤوسنا بالقبعات الخاصة بالزلازل، وبيدنا البطانيات من بيوتنا والظلام يشمل كل شيء . الكل يحمل الصناديق المعدّة للأزمات الصعبة ؛ فيها بعض الأطعمة الناشفة والماء والدواء وجهاز ضوئي محمول يُشحَن يدوياً . وضع الجميع أجهزة الترانزستور في أركان القاعة الضخمة لسماع الأخبار . الموبايلات مشغولة .. والكهرباء مقطوعة .. والأخبار تقول إن المواد الغذائية نفدت من السوق، ومعاناة شديدة في تموين المحلات نظراً للشلل الذي أصاب المواصلات ، والمذيع يطلب من الناس التعاون ، وعدم التبذير في المواد الغذائية والطاقة الكهربائية والمائية.

ارتسم الخوف على الوجوه ونحن نسمع أن التسونامي يشمل اليابان من شمالها إلى جنوبها، ويحيط زنار الخطر الشديد محافظات الشمال ، وبشكل خاص محافظة " مياغي ".
مياغي .. يقولون مياغي .. يا إلهي !! الشركة التي يعمل بها ابننا تطل على شاطئ البحر ، فكيف لا نجزع ؟ أين أنت أيها الابن الحبيب ؟

بدأتْ أطرافي ترتعد، ورفيقي يبدو مبلبل الخاطر زائغ العينين ، وإن كان يحاول جاهداً أن يُظهِر تماسكاً.
كلما تركتُه بعد كل زيارة له، كان ابني يستاء أن أموّنه ببعض المأكولات سريعة التحضير، فكنتُ أعود في الزيارة التالية لأحملها معي إلى بيتي كما اشتريتها !
لا هو تراجع عن التعبير عن استيائه، ولا أنا كففتُ عن عنادي المضحك هذا ! لأعود وأشتري كميات جديدة له ، مسجِّلة بعض الملاحظات والإرشادات لتوفير الوقت عليه، مشفِقةً على عودته من العمل متأخراً جائعاً، ومقدّرة أنه ربما .. ربما يجدها إنقاذاً له ذات مرة.
كمْ غاضَبَني وضجرَ من تصرفي هذا ! كمْ ~
وكمْ عاندْتُه ولم أردّ عليه ! كمْ ~
وكمْ تمنيتُ أن يأتي يومٌ يشكرني على جميلي هذا ! كمْ ~~~

في ظلمة الليل البهيم البارد خرج الديناصور من البحر . لم تلبث أخبار التسونامي أن غطّت على غيرها من أخبار ضحايا البيوت المنهارة والحرائق المشتعلة .. لنلتفِت بفزع إلى مصيبة لم تدع حتى لأخبار المفاعل النووي أن تشغلنا !
خنقاً غرقاً حرقاً !! يا لهذا الموت البشع !

في الثالثة صباحاً وصلتنا الكهرباء، ونحن حتى تلك اللحظة لم نرَ شيئاً عما يحصل في الشمال المصاب . تحلقنا بلهفة حول تلفزيون بشاشة كبيرة . كانت مشاهد الأمواج الهائجة الكاسحة مخيفة مرعِبة، هي تبتلع القرى وتجرف البيوت والسيارات والقوارب والقطارات، فرّقتْ أوصالنا ومسحتْ الحياة من على وجوهنا.

فجأة .. في لحظة أعادتْ قلوبَنا من بين أرجلنا إلى مكانها الطبيعي، تمكّنتْ رفيقتي من الاتصال بابني . فجّر صوته مكامن الدمع في عينيّ أبيه، واختنق صوتي وأنا أسمعه يقول : شكراً أمي على ما تركتِه لي من مأكولات ، كمْ ستنقذني في أيام القحط القادمة .. كمْ ~~ !!!
لم يكن هناك أدنى إشارة تنبئ أننا سنتعرّض لمحنة مروعة، فما الذي دفعني لشراء كميات كبيرة من الأطعمة له هذه المرة بالذات ؟؟
حسناً فعلتِ أيتها الأم العنيدة !!
لولا أن جعلتِ أذناً من طين وأذناً من عجين .. ماذا كان حلّ به الآن ؟؟

خجلتُ أن أظهر اطمئنان قلبي أمام زميلتي القلقة على زوجها . متزوجان من سنتين ولديهما طفلة . لا يكاد زوجها يفارق تفكيرها، إن سكتنا جالَ في خاطرها، وإن تكلمنا فالحديث عنه . لم نستطع أن ننام تلك الليلة إذ لم تهدأ الزلازل ، وبدأت أقدام الديناصور تخبط من محافظة إلى أخرى }.

أول مرة يشمل اليابان زلزالٌ على هذه المساحة المكانية الهائلة، فنحن ما زلنا بعد مرور اثنيْ عشر يوماً على الكارثة نشعر بالزلازل بين حين وآخر.

سيحدّثنا التاريخ طويلاً عن بعد ظهر يوم الجمعة 11 آذار - مارس 2011 الساعة 2,46 وسيؤرخ لليابان بالعبارة المعروفة :
ق . ز - ب . ز قبل الزلزال - بعد الزلزال.

منذ أن وعينا كانتْ أيام الجمعة تحلّ في حياتنا أسبوعياً، فنلقي بنظرة عابرة عليها كأي يوم آخر في الأسبوع، أو قد يفوز الجمعة من بعضنا بشيء من الاحتفال ب ( العادة الروتينية )، حتى فقد جمعة هويته وقتلت ( العادةُ ) كل جميل فيه.
لكنه هذا العام لم يكن كأيّ جمعة أخرى مضتْ في التاريخ .
منذ أول ليلة له في سنة 2011 لم يعدْ يأتي ويذهب كأي يوم آخر :
كان يوم الإرهاب في الجمعة الحزينة في مصر ..*
كان يوم الانتفاضة وشهداء ثورات العرب ..
كان يوم التسونامي وتسرّب الإشعاع النووي ..
كان جمعة الأحداث العظمى !
وفي كل جمعة آلامٍ مرّتْ على البشرية ، خرج الإنسان مُعافى ، بفضل الضمائر المخلصة والنوايا الشريفة .. وإن نالتْه الأحزان والآلام التي هي ضريبة التجارب.
خرج ( جمعة ) هذا العام بحقيقة ستملأ تاريخاً بأكمله.

يتبع

* تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية و سط الاحتفالات بليلة رأس السنة، بعد حلول السنة الجديدة بعشرين دقيقة .

فيديو-مشهد-مُخيف-لاختفاء-مدينة-مياكو-اليابانية بعد أن-داهمتها-أمواج-تسونامي-عام-2011

http://sa.arabiaweather.com/content/