روسيا في سورية: قوة كولونيالية عنصرية

ياسين الحاج صالح
2016 / 3 / 9

في تقرير صدر مؤخرا لأمنستي إنترناشنال حول ترحيل روسيا لسوريين، ورفض طلبهم اللجوء، نسبت المنظمة إلى دائرة الهجرة الروسية القول: "لا يوجد قتال في مدينة حلب، فقط الأكراد والأرمن والشركس وحدهم من بحاجة للحماية". ليس قلب الواقع رأسا على عقب هو وحده ما يميز هذا التصريح (حلب كانت بؤرة القتال وقت صدور تقرير أمنستي، وعرب مسلمون سنيون هم، أولا وأساساً، المستهدفون نسقيا، ومن يحتاجون إلى حماية في حلب، وفي سورية ككل)، بل ما يبطنه من وعي حاد بتمايزات السوريين الإثنية والمذهبية، ومن انحياز فظ إلى بعضهم ضد بعض. مسلك روسيا خلال أكثر من خمسة أشهر من حربها في سورية يعطي ما يكفي من انطباع بأنها في واقع الأمر تحارب السنيين السوريين.
وسبق لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن صرح لإذاعة كوميرسانت اف أم الروسية في آذار 2012 بأن: "الصراع يدور في المنطقة كلها، وإذا سقط النظام الحالي في سوريا، فستنبثق رغبة قوية وتُمارس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سنِّي في سوريا، ولا تراودني أي شكوك بهذا الصدد. ويقلقنا في هذا الوضع مصير المسيحيين، وهناك أقليات أخرى كالأكراد والعلويين وكذلك الدروز". الوزير الروسي يقرن بين ما يسميه "نظاما سنيا في سورية"، وبين القلق على "مصير المسيحيين"، قبل أن يذكر بـ"أقليات أخرى". لا يقول إن بلده لا يريد نظاما طائفيا في سورية، أو إنه يعمل من أجل المساوة بين السوريين بصرف النظر عن منابتهم الدينية والإثنية؛ ما يقوله موجه ضد السنيين السوريين، ويتوافق بدوره مع سياسة روسيا في سورية منذ بداية الثورة قبل خمس سنوات إلى اليوم.
ما يصدم في التصريحات الروسية ليس طابعها التقسيمي المميز للخطابات الكولونيالية في كل وقت، ولكن فجورها في الجهر بكراهية أكثرية السوريين الدينية، وعطفها المزعوم على أقليات البلد. ما الأصل في هذا المسلك العدواني المسعور؟
يمكن التفكير بعدد من العناصر. أولها علاقة حساسة ومتوترة بين المسلمين في روسيا، ومعظمهم سنيون، والسلطة الروسية التي تشك بولائهم لها. ولا يغيب عن ذاكرة نخبة الحكم الروسية، أنه كان للجهاديين السنيين الدور المباشر الأكبر في إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وبصورة ما في تفكك الامبراطورية التي كان فلاديمير بوتين عنصرا في مخابراتها قبل ربع قرن. وفي أوقات سابقة كانت اللينينية الروسية توجها تحديثيا نحو أوربا، ينظر إلى آسيا، وضمنا المسلمين، كشيء متخلف وإقطاعي، وفق مألوف الإيديوولجية التحديثية في كل مكان، بما في ذلك في بلداننا نفسها.
في المقام الثاني من المرجح أن غير قليل من المعلومات عن "النظام السني"، وعن حصر الحاجة بـ"الحماية" في "الأقليات"، وكذلك المنظور السياسي المتكون حول هذه "المعلومات"، مصدره سلطة الانتداب الأسدي التي تعمل موسكو على تمديد ولايتها في سورية. مسؤولو الدولة الباطنة في سورية الأسد، أعني المركب السياسي الأمني المالي المسيطر، شديدو الوعي بهذه الوقائع، وتحالفاتهم العسكرية في مواجهة الثورة منذ البداية تظهر مركزية هذا الوعي. ومن المحتمل جدا أنهم يشاركون نظام بوتين بمعلوماتهم، مع علمهم بأن ذلك النظام ليس أقل منهم سعارا في مواجهة أي مسلمين يحاولون لعب دور سياسي مستقل.
وهناك في المقام الثالث تشكل النظام الدولي الحالي حول "الحرب ضد الأرهاب"، وهو ما يضع المسلمين عمليا في موقع موقع المشبوهين العالميين، المحتاجين إلى تبرئة أنفسهم، الأمر الذي إن لم يشجع معلمتهم بقسوة، فإنه يثير أقل المقاومات في وجه معاملة كهذه. هذا البعد الديني- السياسي- الأمني للنظام الدولي لا يمكن إغفاله أو التقليل من شأن ما يترتب عليه من عواقب تزداد خطورة. المسلمون اليوم، والسنيون مهم بصورة خاصة، هم الشريحة الثقافية المعرضة للتمييز، ولعدم الاعتراض على ما ينالها من تمييز في فضاءات دولية كثيرة، كل الغرب وروسيا والصين وبلدان عديدة في العالم، بما فيها "الدول الإسلامية". هناك أشياء غير مرئية لعموم المهتمين، وليس لعموم الناس فقط، منها القوائم التي تعممها الشرطة الأوربية والانتربول الدولي، وهذه القوائم مكونة بصورة شبه حصرية من مسلمين، وكثيرون منهم يحجزون في المطارات أو يقضون أوقاتا متطاولة في "نظارات" ترحيل، وهذا حتى في بلدان مثل تركية. وعلى هذا المستوى هناك تنسيق مؤكد بين الأجهزة الأسدية في سورية والانتربول مثلا، ولا ريب أن التنسيق أعلى بكثير مع المخابرات الروسية.
السجين السياسي العالمي اليوم مسلم بصور أساسية، وسني. وليس لكلمة إرهابي أن تنفي هذا الوضع، بل مصممة لحجبه وتبريره في آن. هؤلاء سجناء سياسيون حتى حين يكون صحيحا أنهم مرتبطون بالقاعدة. هذا الوضع الشاذ وغير العادل ليس بسبب داعش والقاعدة، هذا هو ما ينتج داعش والقاعدة. وبالمناسبة، هذه السجون فرصة لـ"تَقعُّد" أو "تدعُّش" بعض من ليسوا كذلك أصلا.
وما يميز روسيا من فظاظة ضمن هذا الإطار يتصل بحقيقة أن البلد، وبلدان أوربا الشرقية كلها فيما يبدو، لم تعرف نقاشا حول العنصرية وحول الاستعمار، استعمارها الخاص. ليس التعالي الكولونيالي خافت الصوت في الغرب، ولا العنصرية متعددة الأشكال، مع غلبة الشكل الثقافي الديني المعادي للمسلمين اليوم، لكن في الغرب أيضا ظهرت مقاومات ضد العنصرية واعتراضات ضد الكولونيالية لم تشهد أوربا الشرقية، ولما تشهد مجتمعاتنا العربية وثقافتنا ما يناظرها. ويبدو أن هذه المقاومات في أدنى مستوياتها اليوم في الغرب ذاته، بفعل تشكل نظام دولي يجمع استقطابات الثروة والقوة و"الحضارة"، ودون أن تتشكل في وجهه حركات تحررية جديدة، ومع تدني الكمون الديمقراطي في العالم ككل. موقع المسلمين المتمرد و"الإرهابي" في هذا النظام ليس عرضياً، ولا هو متصل حضرا بمشكلات تخص دين المسلمين؛ إنه وثيق الصلة بتكوين النظام "االحضاري". العنصرية تنبع من بنية النظام وليست عارضا أصابه من خارجه.
روسيا هو "وجه المقابحة" في هذا العالم، بلد جمع بين الامبراطورية والامبريالية الداخلية (الشمولية) و"الرسالة الخالدة" بشكليها الأرثوذكسي والشيوعي، ولم ينظر في ماضيه يوما بجد. هذا البلد هو اليوم قوة استعمار عنصرية في سورية، يُمنح انتدابا دوليا على سورية بعد أن لم يعد الانتداب الأسدي قادرا على تأبيد نفسه.