اليمن السعيد بين الأمس واليوم حوار مع الدكتور خليل عبد العزيز أجراه محمد الكحط

محمد الكحط
2016 / 3 / 7

اليمن السعيد بين الأمس واليوم

حوار مع الدكتور خليل عبد العزيز
أجراه محمـد الكحط

الوضع الحالي في اليمن السعيد، يضع العالم أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية، فهذا البلد الفقير اقتصاديا، والمتدني علميا وتكنولوجيا بحاجة الى مد يد العون له في كافة المجالات، لا إرسال الدبابات والطائرات لتدمير ما موجود فيه من بنى تحتية بسيطة وقتل وتشريد أبنائه ولا ندري ما هي الشرعية والدفاع عنها والتي يتحدث فيها البعض من الذين يساهمون في هذه الحرب المعلنة ضد اليمن، وهم أنفسهم يحاربون الشرعية في سوريا وموغلون في دعم جهات تحارب النظام القائم في سوريا وعلنا يدعمون من يقف ضد الشرعية، ونحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن نظام ما بقدر ما نتحدث عن واقع مأساوي تعيشه اليمن وشعبها، ومشاكل اليمن قديمة قدم التاريخ، وكانت في فترة تتصدر أحداثها الوضع السياسي العربي، عندما وقفت بعض الدول العربية يوما لمحاربة هذا البلد، وكثير هي الأحداث المتتالية بعدها، وفي لقاء مع الدكتور خليل عبد العزيز والذي كان يوما ما قريبا من ملف اليمن وأحداثه وقياداته السابقة، لنلقي نظرة سريعة على خلفيات هذا الصراع.
وتوجهنا له بالعديد من الأسئلة منها:
- ما هي ظروف اليمن وطبيعة علاقتكم باليمن سابقا، وكيف تم التعامل مع تلك الأحداث؟
- كيف جرت الأمور وما هي خلفية كل ذلك؟
- بين ظفار وحضرموت أيام وظروف معقدة، يمكن القاء الضوء على ذلك؟
- كيف يمكن ربط الأحداث بين الأمس واليوم؟
- ما المخرج الممكن من الوضع الحالي في اليمن؟
وغيرها من الأسئلة، وكانت حصيلة اجابات الدكتور خليل عبد العزيز كما يلي:
((منذ أيام الدراسة كنا نسمع دائما أسم اليمن السعيد، وللوهلة الأولى يسود الاعتقاد بأن السعادة تعم جميع مرافق الحياة في البلاد، وان المواطنات والمواطنين يعيشون في رفاهية وظروف معاشية واقتصادية ممتازة، وعندما تقرر الذهاب الى عدن عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وكنت ضمن وفد رسمي علمي سوفيتي، ((حيث سافرنا عام 1971 مع الاكاديمي باباجان غفوروف مدير معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية والدكتور سعيد كاميلوف الباحث العلمي والمختص باللغة العربية))، كنت فرحا للتعرف على هذا البلد السعيد كما كان يوصف في الأدبيات.

الدكتور خليل عبد العزيز والأكاديمي باباجان غفوروف مدير معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية مع رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الأسبق سالم ربيع علي
منذ اللحظات التي كانت تحلق فيها الطائرة في سماء المدينة أصابتنا الدهشة والمفاجئة، رأينا تلالا سوداء بالقرب من المحيط الهندي، وليس هناك أي أثر للخضرة والحدائق، ماعدا بعض الأشجار القليلة المتناثرة هنا وهناك في تقاطعات الشوارع، فور وصولنا عدن شاهدنا الفقر والبؤس في كل الأماكن التي مررنا بها، قالوا لنا بأن هذه التلال والجبل الأسود قد تكون جراء انفجار بركان كان يقذف بحممه النارية ولغزارتها تكون هذا الجبل الذي هو عبارة عن أكوام ضخمة من المعادن لا تنمو على سفوحه الأشجار والخضرة، ومع ذلك جرت محاولات فردية كثيرة لزراعة بعض المزروعات على سفوحه.
كان الهدف الأساسي للزيارة هو الالتقاء والاستماع لقادة الحزب الحاكم والحكومة وخططهم لبناء اقتصاد وطني، ومشاريعهم في القضاء على الفقر والجهل والتخلف في بلادهم.
تحدث الينا كل من عبد الفتاح اسماعيل الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني وسالم ربيع علي رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وعلي ناصر رئيس الوزراء وغيرهم من القادة والمسؤولين، وبالمناسبة فأن كل هؤلاء لم تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاماً أو أكثر من ذلك بقليل. كان واضحا بأن البلاد تحيط بها دول معادية بشكل صريح لتطلعات الشعب اليمني في بناء دولة ديمقراطية حقيقية.
كانت السعودية وسلطنة عمان والقسم الشمالي المسمى بـ (الجمهورية العربية اليمنية)، على قلق وخوف دائم من وجود هذه الدولة الجديدة على حدودهم، وعزمها على بناء مجتمع جديد، وكانت اليمن الديمقراطية تتلقى العون والمساعدات العسكرية والاقتصادية من الاتحاد السوفيتي والمانيا الديمقراطية ودول المعسكر الاشتراكي، ولابد من القول ان هذا البلد كان فقيرا ومتخلفا في كافة المجالات، والأهم من ذلك هو انعدام الكوادر الوطنية والمتعلمة، لذلك بادر السوفيت والدول الاشتراكية على فتح جامعاتهم ومعاهدهم العلمية لأكبر عدد ممكن من الطالبات والطلبة اليمانيين لتلقي التعليم والعلوم ليكونوا كوادر المستقبل في البلاد.
ان التخلف والنعرات العشائرية والطائفية السائدة في البلاد، كانت بشكل واضح وعلني بين قادة الحزب والدولة من خلال أحاديثهم وعلاقاتهم وتصرفاتهم الرسمية والشخصية، لقد قال لي الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني عبد الفتاح اسماعيل وهو من مواليد اليمن الشمالي ومن طائفة اليزيدية والذي كان يواجه بعداء من قبل زملائه القادة والمسؤولين من المنحدرين من العشائر في اليمن الجنوبي في حديث خاص: ((كن حذرا في أحاديثك وعلاقاتك مع المسؤولين والوزراء عندنا لأنهم جميعا عنصريون ولا يمكن، إلا ان يكونوا أعداء لك لأنك فقط عراقي، ولون بشرتك يختلف عنهم..)).
هذه الخلافات أدت الى مآسي وقتال دموي بين قادة الحزب والدولة وكان ضحيتها في البداية أول رئيس لليمن الديمقراطية قحطان الشعبي الذي زج بهِ في السجن، ثم تبعه الرئيس سالم ربيع علي الذي تم إعدامه رميا بالرصاص في ساحة أحد القصور الرئاسية في منطقة المعاشيق في عدن، وبحضور زملائه.
وفي صدام دموي آخر تم القضاء على عبد الفتاح اسماعيل الأمين العام للحزب، وعلي عنتر وزير الدفاع والمئات من القادة المدنيين والعسكريين.
كل ذلك كان نتيجة الصراعات على خلفية النعرات العشائرية والطائفية.
كان شعار الوحدة اليمنية طاغياً على عقول وتفكير الجماهير والقادة، كانوا يعتقدون أنها المخرج الوحيد للقضاء على التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وبالرغم من المعرفة الدقيقة بأن قادة الجمهورية العربية اليمنية لهم مواقف معادية لكل شعارات الديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية ويتمسكون بحزم بالنعرات الطائفية والانتماءات العشائرية، والرئيس السابق علي عبد الله صالح تزوج عدة مرات من نساء عشائر متنفذة، والهدف من ذلك ضمان ولائهم وتأييدهم له.
كانت السعودية ومنذ الاطاحة بالحكم الامامي في اليمن الشمالي وإقامة الجمهورية، تقف بقوة وحزم ضد أي توجه عصري لبناء المجتمع المدني ومحاولة التخلص من العشائرية والطائفية، لذلك ساعدت مجموعات كبيرة من العشائر بالمال والسلاح في مقاومتهم المسلحة للنظام الجمهوري وأول رئيس للجمهورية عبد الله السلال.
ولازال حكام السعودية يقتطعون أجزاء واسعة من الأراضي اليمنية الواقعة على الحدود مع السعودية، ويعتبرونها أراضي سعودية، وهذه المناطق المحتلة وحسب المعطيات الجيولوجية الموثوقة تمتلك آبارا من النفط والغاز، وباحتياطي كبير لعشرات الأعوام القادمة.
وبسبب الفقر وحاجة السعودية للأيادي العاملة الرخيصة، هاجر ونزح الآلاف من اليمنيين من شمالها وجنوبها الى السعودية.
تمكن التيار الوحدوي من تحقيق انتصار تاريخي كبير بالإعلان عن الوحدة بين جزئي اليمن، وشارك مسؤولون حزبيون وقادة من اليمن الجنوبي في الاجهزة القيادية في اليمن الموحد بقيادة علي عبد الله صالح، والذين تم طردهم في السنوات اللاحقة، ومن المؤسف بأن الأغلبية من المسؤولين الحزبيين السابقين في اليمن الجنوبي، يعيشون برعاية دول مثل السعودية وسلطنة عمان ودول الخليج الأخرى، وينفذون ويأتمرون بتوجيهات وأهداف هذه الدول التي كانت ولا زالت معادية لمصالح الشعب اليمني.
كان قادة اليمن الشمالي يهدفون بالدرجة الأولى من اتمام الوحدة بين الشطرين الى الاستفادة القصوى من ميناء عدن الدولي واستغلال الطاقة العاملة الرخيصة، ولم يكن في تفكيرهم أو خططهم العمل من أجل رفع مستوى الجماهير الشعبية، وبالتالي القضاء على كل الأصوات الداعية لبناء المجتمع الديمقراطي المدني، ولا بد هنا من القول بأن القوى الديمقراطية الحقيقية في البلدان العربية كانت ترى في تجربة اليمن الديمقراطية بارقة أمل وتفاؤل للسير في الطريق الديمقراطي، وجعلها مناراً لكل الشعوب العربية، لذلك بادر الحزب الشيوعي العراقي بإرسال الكوادر العلمية والاقتصادية الى عدن بأعداد كبيرة للمشاركة في عملية بناء المجتمع الجديد، ومن جهة أخرى، للحفاظ على على هذه الكوادر الكفوءة من مطاردات النظام الدكتاتوري الصدامي. لقد تم التعامل مع العراقيين شأنهم شأن الكفاءات اليمنية من حيث المرتبات الشهرية، وتأمين وسائل العيش. لكن للأسف كانت السلطات اليمنية تمارس سياسة غير عادلة، حيث تم حشر كل شخصين أو ثلاثة من حملة الشهادات العليا في غرفة واحدة وفي ظروف غير طبيعية، كان ذلك يجري في الوقت الذي كانت الجهات المسؤولة توفر شقق سكنية ورواتب كبيرة للقادمين والمتعاقدين من الدول الأخرى، والذين تقل كفاءتهم وقدراتهم كثيرا عن الكوادر العراقية، ولم يتم تقدير هذه الكوادر وتضحياتها التي قدمتها لهذا البلد الفقير.
ان ما يجري اليوم على الأراضي اليمنية ما هو إلا تنفيذ عملي لقمع كل توجه مشروع لبناء وطن حر تتوفر فيه امكانيات العيش للجميع، ان الأعداء الحقيقيين لليمن هم السعوديون الذين يمارسون الآن ويومياً القتل وهدم المستشفيات والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية بكل وحشية وهمجية، ومن المؤسف ان بعض دول الخليج ودول أخرى تساهم في هذه العمليات، وتقدم الدعم العسكري والمادي للحكام السعوديين في تنفيذ مخططاتهم الاجرامية بحق اليمن.
ومن التحليل الأولي لما يجري من أحداث يشير بوضوح الى بداية النهاية لزوال حكم آل سعود المتخلف والذي يمارس في نفس الوقت سياسة القمع والإرهاب ليس فقط ضد الشعب السعودي، بل يمارس ويساعد قوى التخلف في العالمين العربي والإسلامي، بل يدعم ويشجع الارهابيين في كافة أنحاء العالم بالسلاح والمال تحت شعارات الدفاع عن الإسلام ونشر مفاهيمه.
ان السعودية لا تستطيع الى ما لا نهاية ممارسة سياستها المعادية للبشرية وحقوق الإنسان بهدف القضاء على الأفكار الوطنية والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
للأسف انها استطاعت تحويل اليمن خلال الأشهر الماضية الى أنقاض، وتدمير كل البنية التحتية والاقتصاد الوطني، وأصبح اليمنيون شعبا مشردا في أراضيه، بسبب صعوبة الهروب للخارج، وكون البلد محاط بالدول المعادية. كما ان المنظمات الدولية ولجان حقوق الإنسان تقف عاجزة عن تحقيق أي نجاح لوقف عمليات القتل والتدمير التي تمارسها الآلة الحربية السعودية ضد اليمن وشعبه.
نستطيع القول بكل ثقة بأن الإجرام السعودي وحربه المدمرة هي البداية الحقيقية لزوال نظام التخلف والطائفية والعشائرية لهذه الدولة التي تسمى المملكة العربية السعودية.
- بعد هذا الحوار مع الدكتور خليل عبد العزيز، يا ترى هل ستتحقق رؤيته للأحداث...؟ لننتظر والى ذلك الحين نتمنى له الصحة والعافية.