العلمانيّة والإصلاح ومقتدى الصدر

شاكر الناصري
2016 / 3 / 6

شيءٌ مفرحٌ أن يعاد الحديث عن العلمانيّة في العراق وأن تتحول إلى قضية للنقاش والحوارات الفكريّة والسياسية، لكن ما يمكن ملاحظته إن هذا الحديث الذي ظهر في العراق منذ بدايات الحراك الجماهيري، المُطالَب بالإصلاح والخدمات، في أواخر تموز من العام الماضي بصيغ متعددة وتبني المدنية وليس العلمانية!!، لم يظهر للعلن ولم يصل إلى هذا المستوى إلا بعد خروج، زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر لقيادة التظاهرات ورفع مستويات تحدياتها وتهديداتها وتأهبها، حضور السلاح، الاقتحام، الفرهود...الخ، في مواجهة السلطة القائمة في العراق وحيث يشكل التيار الصدري بنوابه ووزرائه جزء منها!! وبعد أن أعلن العديد من العلمانيين والمدنيين في العراق دعمهم لمشروع مقتدى الصدر!!

حديث العلمانيّة في العراق ليس بالجديد ولكنه يخضع لمؤثرات كثيرة، الصراعات السياسية، الحرب، داعش، سطوة المليشيات، الانقسام الطائفي والقومي، الاحتلال، سلطة الإسلام السياسي...الخ، ما يمكن ملاحظته الآن هو محاولة البعض ممن يتماهون مع مقتدى الصدر ومبادرته الإصلاحية ودعواته لحكومة التكنوقراط، لإعادة تعريف العلمانيّة وتطويعها وإسقاط الكثير من قيمها الجوهرية الأساسية " فصل الدين عن الدولة" من أجل الترويج لمشروعهم والذهاب بعيداً في البناء على وقع خطوات مقتدى الصدر، والوصول إلى " الكتلة التاريخية" ولا ندري كيف تفهم هذه القضية، هل تفهم كما طرحها، في حينها، الماركسي والشيوعي الايطالي انطونيو غرامشي، أي تحالف القوى السياسية والمدنية والنقابات والتجمعات من أجل إسقاط الفاشية، أم هناك فهماً آخر لها، لأننا إزاء قوى سياسية حاكمة في العراق، تنتمي للإسلام السياسي والفكر القومي المتطرف، تستند للفكر الشمولي وتنتهج العنف والقمع وتسعى لفرض رؤية أحادية، بالإكراه والاستبداد، على الدولة والمجتمع وإخضاعهما لسطوتها، أي إننا ازاء قوى تحمل بذور وجذور الفكر الفاشي، في جوهرها وفكرها والتيار الصدري أحد هذه القوى وأكثرها تطرفاً، فعن أي كتلة تاريخية يتحدثون؟؟!!

وما دام مقتدى الصدر، رجل دين وزعيم تيار ديني وسياسي واسع في العراق وصاحب مشروع يتعلق بالدولة والسلطة، فلابد من استذكار المحاولات السابقة لرجال الدين، محمد عبده، علي عبد الرازق...على سبيل المثال لا الحصر التي تنصب على تقديم النصح وتخليص السلطة الحاكمة من التشدد الديني ورفع القداسة عن الحاكم. لكن من يستحضر هذه الأمثلة تغيب عنه قضية أساسية ألا وهي مسألة السلطة، مشروع مقتدى الصدر لايستهدف بناء دولة علمانيّة أو حتّى مدنية كما يشاع، بل يستهدف السلطة التي يريد منها تصفية حساباته مع خصومه والخروج براية المدافع عن الفقراء ومحارب الفساد والمفسدين، فالتيار الصدري متهم حاله حال قوى السلطة بالفساد ونهب ثروات الدولة والإستئثار بالسلطة وإضعاف الدولة لحساب سلطة ونفوذ المليشيات، وان زعيم التيار نفسه متهم بقضية تصفية أحد خصومه، مجيد الخوئي !! أو ان محاولات مقتدى الصدر تصب في صالح إنقاذ النظام الحالي من المأزق والأزمة الخانقة التي يواجهها وأصبح من المتعذر حلها والخروج منها دون حدوث تحول كبير، حرب بين اقطاب السلطة، عصيان مدني يؤدي إلى اسقاط السلطة، انقلاب، تدخل الجيش...!!!

من يتماهون مع مقتدى الصدر ويدافعون عن مشروعه، خصوصا من العلمانيين أو المدنيين، ينسون التصريحات والمواقف المعلنة السابقة لمقتدى الصدر بخصوص العلمانية والمدنية والتي تنسجم تماما مع فكره ومنهجه كرجل دين يريد تطبيق الشريعة الإسلامية بحدودها وضوابطها المعروفة، فالعلمانيّة من وجهة نظره هي بدعة غربية ولا تنسجم مع المجتمع الإسلاميّ!!

العالم الذي نعيش فيه، ورغم كلّ الأزمات الكارثية التي تعصف بنا وبالعراق خصوصاً، ترك لنا وبحكم تطوراته وتقنياته ومدارسه الفكرية والنقدية الحديثة، إمكانية فهم أكبر لكلّ ما يحدث بشكل عقلانيّ ومتحضر والتخلص من أوهام التعلق بقوى لا تمت للدولة وللمجتمع المعاصر بصلة، إلا بقدر ما تمتلكه من قمع وبطش وكراهية للإنسان وآماله ومصيره، الإنسان الذي يريد الخروج من دوامة العبودية والإكراه وامتهان الكرامة.

وعلى الرغم من إن قوى السلطة الحاكمة قد تمكنت من فرض سطوتها وتحكمها الذي ترك آثاره على حياة العراقيين وتطلعاتهم وحقوقهم وحرياتهم بشكل مدمر وتعجيزي يُصَعب من مهمة مواجهة هذه السلطة بشكل جذري، لكن ثمة قوى أخرى، اجتماعية ومهنية وسياسية لم تتوهم بما يسمى العملية السياسية ولم تتخذها كسقف لمشروعها، يمكن البناء عليها والتعاطي معها من أجل بناء كتلة تاريخية في العراق وإنقاذه من براثن سلطة فاشلة وفاسدة ولا تمت للحقوق والحريات والكرامة الإنسانية بصلة.