مستحضر سياسي لإذابة قضية فلسطين

توفيق أبو شومر
2016 / 3 / 6

نجحتْ إسرائيل في إزالة جوهر أيدلوجية العرب التقليدية، وهي (القضية الفلسطينية) ونجحتْ في تحويل هذا الجوهر بالتدريج منذ بضعة سنوات، من قضية عربية مقدسة، تحكم مصيرَ هذا العالم وتُوجِّهه، إلى قضية ثانوية، وهامشية،لها ارتباط بالماضي البائد أكثر من ارتباطها بالحاضر، وهاهي إسرائيل اليومَ تنقلُ بقايا العرب إلى المرحلة الثالثة والأخيرة، المتمثلة في الإجهاز التام على القضية الفلسطينية، وهذه المرحلة بدأتْ تظهر على شكل موجات، بين الحين والآخر، وخلاصة المرحلة الثالثة؛ أنَّ القضية الفلسطينية اليوم هي العائق الأكبر الذي يمنع العربَ من مواكبة حضارة العالم ورفاهيته، لأن قضية فلسطين هي سبب نكبات العرب وفقرهم وبؤسهم.!!
لكي تُحقِّق إسرائيلُ هدفها الأخير بكامل تفصيلاته، فإنها لجأت لاستخدام أخر أسلحتها، وأمضاها، وأكثرها فعالية، وهو سلاح (العدو المشترك)!!
سياسة العدو المشترك، هي سياسة قديمة، وفعَّالة في إزالة الأحقاد والضغائن والعداوات التقليدية المتوارثة، خلال الأجيال والسنوات.
فالأعداء، مهما بلغتْ حَدَّةُ عداواتهم، يتوحدون فجأة إذا تعرضوا لكارثة طبيعية، أو لحربٍ ضروس، وهذا ما حاولت إسرائيل أن تفعله، ولكنها اليوم توشك أن تنجح، فهي إن لم تجد عدوا مشتركا بينها وبين بقية العرب، فإنها ستخترعه، فقد أصبحت دولٌ عربيةٌ عديدة أقرب إلى إسرائيل من الإخوَّة في اللغة، والعقيدة، وليكن هذا العدوُّ المشتركُ، إيرانَ تارةً، وداعش، وحزب الله، وسوريا، والإخوان المسلمين، طورا آخر، كما حاولوا أن يجعلوا من الشيوعية واليسارية عدوا مشتركا، ومن العهد الناصري السابق عدوا مشتركا، وكذلك النظام العراقي السالف، بزعامة الرئيس صدام حسين، عدوا مشتركا لدولٍ عربية عديدة، فهم اليوم يسعون لنحت عدوٍ مشترك جديد، يُهدد أمن المنطقة كلها، وهو القضية الفلسطينية نفسها، وليس داعش، وحزب الله، وإيران فقط!
هذا بالضبط ما صرح به، حايم كورن سفير إسرائيل في مصر، وهو خريج الدفيئة العسكرية الإسرائيلية، والضليع في لغة العرب، والموظف الكبير في وزارة الخارجية الإسرائيلية، الذي رفضتْ دولة تركمانستان تعيينه سفيرا لأنه يمثل جهاز المخابرات الموساد، فقد قال:
" إننا اليوم أقرب إلى الدول العربية من أي وقتٍ مضى، لأننا نحاربُ عدوا مشتركا"!!
شخصيتان إسرائيليتان تقودان عربة السياسة الخارجية في إسرائيل، من وراء الستار، في كواليس العرب، وهدفهما النهائي، إزالة كل متعلقات قضية فلسطين من مائدة العالم، باستخدام مسحوق، العدو المشترك.
أما الشخصية الثانية، فهي أيضا مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية، ومستشار نتنياهو، دوري غولد، فهو ليس عرابا لاتفاقيات السلام مع الفلسطينيين، وليس مستشارا لشارون، وليس رئيس مركز الشرق الأوسط للأبحاث في القدس فقط، بل هو أيضا خبير في شؤون العرب، وبخاصة المملكة السعودية، فقد حصل على شهادة الدكتوراه في هذا المبحث، نشر كتابا بعنوان: (المملكة المكروهة) 2003 ، وهذا الكتاب ترجم إلى عدة لغات أجنبية.
دوري غولد سفير إسرائيلي سابق في الأمم المتحدة، يستخدم أيضا المسحوق الكيميائي السياسي الجديد، لإذابة بقايا قضية فلسطين، وهي (العدو المشترك) الجديدة التي ستجمع العربَ وإسرائيل في احتفالية أخيرة!!
بقايا عرب اليوم سيتولون بأنفسهم إنهاء ملف القضية الفلسطينية، إما بالضغط على الفلسطينيين، وإن لم ينجحوا فبالإكراه، باستخدام سلاح الإغراءات المالية والانتعاش الاقتصادي، ومبادلة القضية بكاملها بالحياة البيولوجية الرغيدة، التي تخلو من الأيدولوجيا الوطنية البائدة!!