هل لمصطلح الإله أي معنى؟

محمود يوسف بكير
2016 / 3 / 3

لازالت التصورات التي تحكمنا عن طبيعة الإله هي وليدة العصور البدائية في حياة الإنسان على الأرض، ولأنها أحيطت بقدر هائل من القدسية بحكم الزمن الطويل لا أكثر فقد أصبحت من التابوهات المحرم التفكير فيها بحرية. وبالرغم من كل ما حققه الإنسان من تقدم في كافة العلوم إلا أنه ما يزال أسير تك التصورات المتناقضة والسطحية عن طبيعة الإله.

ولكن دعونا نتحرر قليلاً من هذه القيود والتابوهات ونفكر بشكل علمي مجرد في مصطلح الإله كما هو وارد في الاعتقاد الديني حيث الإله هو جزء من عالمنا ويتفاعل معنا ويرانا ويسمعنا ومرات ينزل إلينا أو يرفعنا إليه وأحيانا ما يتحدث معنا بشكل مباشر أو عن طريق رسل ينقلون الينا تعاليمه. وحسب هؤلاء الرسل فإن الله هو على شاكلتنا ويحب ويكره ويغضب ويفرح ويعفو وينتقم ويغير رأيه مثلنا تماماً، والمشكلة هنا هي أن الأديان تصوره على أنه محدد في المكان والحجم ولكنه غير محدد في الزمان إذ ليس له بداية أو نهاية وهو بهذا مفارق للوجود الذي نعيش فيه والمحكوم بالزمان والمكان والحجم وهذا تناقض أصيل في كل الأديان.

أضف إلى ما سبق أن مصطلح الإله ليس له دلالة محددة حتى داخل الدين الواحد فهو في المسيحية يسمى بالأب والابن والسيد lord” “ والمسيح والروح القدس. وفي اليهودية فإن الإله يبلغ درجة عالية من القدسية بحيث يحرم ذكر اسمه أو كتابته بشكل محدد. وفي الإسلام فإن الإله له 99 اسماَ تتباين معانيها بشكل كبير، والسؤال هل يتعين أن يعرف الآله بها جميعاَ أم أنه يمكن الاكتفاء بواحد منها فقط ؟ وبالطبع فإن هذا غير ممكن إذ لا يتصور أن يسمى الإله بالمنتقم أو المذل.

والأكثر من هذا أن الأديان أضفت على الإله صفات بائسة فجعلته يبدو متهافتا ومتناقضاً في أقواله ويتسول الطاعة من عباده ويهتم بصغائر الأمور ويتغاضى عن أمور أكثر جللاَ في حياة الإنسان.

وبالطبع فلدي مئات الأمثلة على ذلك من مختلف الأديان ولكنني لن أذكر أي منها لأنني لا أهدف بأي حال إلى إيذاء مشاعر المؤمنين بأي دين أو شخصنة القضية فكل ما أصبو إليه هو فتح باب التفكير والحوار العلمي المحايد كمحاولة لفهم هذا المصطلح بشكل عصري وعلمي وذلك للفكاك من قيود الغابرين الذين شوهوا مصطلح الإله دون قصد مما دعى أحد الفلاسفة إلى القول " إنني لا أعرف ما إذا كان الإله موجوداَ ولكن من الأفضل لسمعته ـ كما ورد في الأديان ـ ألا يكون موجوداَ" .

كما عبر أحد الفلاسفة الآخرين عن إحباطه إزاء عملية تشويه الإله بالقول "هل هو ثلاثة في واحد أم واحد في ثلاثة ؟
إنني لا أراه كذلك ولذلك دعوني أذهب إلى إلهي الذي يجعل حياتي أسهل"

والفلاسفة بشكل عام يرون أن مصطلح الإله مضلل ولا معني له ولا يوجد دليل علي وجوده أصلاَ. ولكن بعضهم يقر بوجوده ولكنهم يرونه أعظم بكثير من الشكل الذي قدمته الأديان به .

أما علماء الطبيعة فهم أيضاَ مختلفون ولكن معظمهم في الغرب يحاولون إثبات أن الإنسان والأكوان ما هم إلا نتاج تفاعل العناصر الكيميائية وعملية طويلة ومعقدة من التطور التدريجي لعبت فيه الصدفة دورا كبيرا.

وبعضهم يقول ما معناه أنه " حتى لو كان الإله غير موجود فإن الضرورة حتمت ضرورة اختراعه " ، بمعنى أن الإنسان الأول في صراعه مع الطبيعة ومع أخيه الإنسان كان بحاجة إلى قوة خارقة يلتمس منها العون المعنوي في لحظات ضعفه وقل حيلته. ولازلنا جميعاَ بحاجة إلى هذا الدعم الروحي عندما يختفي كل من حولنا في لحظة احتياجنا لهم.

ويمكننا القول أن مصطلح الإله استخدم في بداية حياة الإنسان بشكل جيد ولكن البعض استغله بشكل سيء في مرحلة لاحقة من حياة الإنسان لتحقيق منافع شخصية والاحتيال على الآخرين واستعبادهم.

وعودة الى مصطلح الإله وهل هو مصطلح حقيقي أم وهمي بمعنى هل يوجد إله هو خالق لهذا الكون ومسيطر عليه وهو الوحيد الذي بيده الأمر ؟
بالطبع لا أحد يعرف الإجابة على هذه الاسئلة والمؤيدون لوجود الإله كما المعارضون لا يملكون أي دلائل على وجوده من عدمه تستند إلى المنهج العلمي التجريبي .

وفي هذا فإن هناك قول لألبير كامي " إنني أفضل أن أعيش حياتي كما لو أنه هناك إله وأن أموت ولا أجده عما أن أعيش حياتي كما لو أنه غير موجود ثم أموت فأجده هناك "
ورغم إعجاب الكثيرين بهذا القول إلا إنني أراه قول يعبر عمن يؤثرون سكة السلامة على شجاعة البحث عن الحقيقة وإعمال العقل .

ولو أننا طبقنا منهجية كامي في التفكير على مختلف العلوم لما تقدمت البشرية خطوة ولظللنا دائماَ في منطقة الأمان مفضلين عدم المغامرة ورافضين لأي ابتكار وهذا بالضبط هو منهج رجال الدين في كل الشرائع حيث كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

الأرجح أن مفهوم الإله سيظل شيئا خاصا يختلف من شخص لآخر كل بحسب نشأته وثقافته ومستوى علمه ووضعه الاقتصادي ومزاجه العام. ولذلك ستجد الشخص ضيق الأفق ومحدود العلم يحكمه إله بنفس هذه الصفات وستجد الشخص الطيب واسع الأفق والعلم يرى الإله كذلك وهكذا ، وأعتقد وربما أكون مخطئاَ في هذا أن العلم سينتصر على الدين في نهاية المطاف ليس لأن الدين سيئاَ ولكن لأن العلم يقوم على المنطق والاستدلال العقلي والمنهج التجريبي ولذلك فهو في تقدم دائم عكس الدين الذي عرقل رجاله مسيرة تقدمه وتطوره وحوله المتطرفون أخيراَ إلى أداة هدم وشقاق وقتل وخراب.

ولن تؤدي هزيمة الدين ومنطقه ومنهجيته إلى انهيار الأخلاق والفضيلة كما يعتقد الكثيرون لأن أكثر المجتمعات المنهارة أخلاقياَ وحضارياَ واقتصادياَ الآن هي المجتمعات التي تقدم نفسها على انها مجتمعات متدينة بينما ينخر الفساد والاستبداد في بنيانها من كل جانب. وعلى سبيل المثال فإن دول شمال أوروبا لا يوجد بها وزارات للأوقاف والشئون الدينية ولا محطات فضائية دينية ولا دور للإفتاء وآلاف المفتيين والمعاهد الدينية ونادراَ ما تجد أفراد هذه المجتمعات يتحدثون في الأمور الدينية ومع هذا فهي أقل بما لا يدع مجالاَ للمقارنة في معدلات الفساد من دولنا العربية التي تحتوي على ألاف المساجد وملايين الشيوخ والفقهاء والمفتيين والمنظرين في المسائل الدينية ومع هذا فهي تنازع بعضها البعض على احتلال المراكز الأولى على مستوى العالم في معدلات الفساد وانتهاك حقوق الإنسان.

الفارق بيننا وبينهم هو الضمير الإنساني الذي يحكم حياة الناس هناك وهو أعلى صوتاً داخل الفرد من كل أصوات الأديان وصراخات الفقهاء.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي مصري