غياب الديمقراطية والشمولية

محسن ابو رمضان
2016 / 3 / 3



عندما تأسس النظام السياسي الفلسطيني على خلفية توقيع اتفاقات اوسلو ، وذلك عبر انشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 94 ، ورغم التحفظات العديدة على الاتفاق، إلا أن البعض تفاءل بامكانية تحقيق اسس ومرتكزات لنظام سياسي ديمقراطي يساهم في تمكين الحالة الوطنية وتعزيزها ، ويعمل على تجاوز الثغرات السلبية باتفاق اوسلو لصالح بعض الضامين الايجابية التي من الممكن ان تعمل على ترسيخ وحدة النسيج الاجتماعي ، على قاعدة تضمن سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء واحترام الحريات العامة ومبادئ حقوق الانسان.
تعززت القناعة بامكانية الدخول بالمرحلة الديمقراطية من خلال الانتخابات الأولى للمجلس التشريعي والتي جرت عام 96 حيث استطاع سن العديد من التشريعات والقوانين إلى جانب اعتماد القانون الاساسي " الدستور المؤقت " الذي ارتكز في ديباجته على مبادئ حقوق الانسان وقيم المواطنة وسن سلسلة من الحقوق منها الحق بالتجمع السلمي والرأي والتعبير وتشكيل الجمعيات، وذلك رغم ما اعترى المجلس التشريعي الأول من ثغرات ابرزها عدم القدرة على معالجة ملف الفساد، وابقاء القديم على قدمه بسبب عدم تفعيل آليات المسائلة والمحاسبة الأمر الذي دفع القائد الوطني الكبير د. حيدر عبد الشافي للاستقالة من منصبه في حينه احتجاجاً على عدم قيام المجلس بدوره .
إن انتخاب مجلس تشريعي مصحوباً بتشكيل هيئات قضائية إلى جانب السلطة التنفيذية وضع معالم لنظام سياسي فلسطيني ممكن إذا ما استحسن استخدامه في حينه ان يشكل أرضية مناسبة لنظام ديمقراطي تعددي ، خاصة إذا ادركنا ان هذا التشكيل قد تزامن مع دور منظمات المجتمع المدني برفع صوتها باتجاه مقاومة التجاوزات الخاصة بالحريات وحقوق الانسان مثل محكمة امن الدولة ، الاعتقالات السياسية ،والمضايقات الخاصة بالحق بالرأي والتعبير والقيود على عمل الجمعيات الاهلية، والنقابات إلى جانب اثارتها لملف الفساد وهدر المال العام وعدم وضع الانسان المناسب بالمكان المناسب وتبهيت وعدم استقلالية القضاء.
فقد استطاعت هذه المنظمات إلى جانب اصوات بعض القوى السياسية من التأثير بالحيز العام باتجاه يساهم في تصويب الاختلالات المالية والادارية ويدفع باتجاه نظام ديمقراطي يستند إلى مبادئ الحكم الرشيد ويضمن صيانة الحريات العامة وتمكين الفئات الفقيرة والمهمشة حيث لعبت المنظمات الأهلية المتخصصة دوراً هاماً في الدفع باتجاه اعتماد تشريعات وقوانين وسياسات تخدم مصالح الفقراء والضعفاء والمتضررين وترمي لتحقيق دور فاعل للسلطة باتجاه الحماية الاجتماعية .
كان يؤمل بالانتخابات التشريعية الثانية التي جرت في يناير 2006 ان تشكل مدخلاً لاعادة بناء النظام السياسية على ارضية تضمن مشاركة معظم القوى والفاعليات السياسية في بنيتها، إلا أنه وبسبب حالة الاحتقان ، ووضعية ازدواجية السلطة التي سادت وعدم الاتفاق على مرجعية النظام السياسي بين كل من فتح وحماس وباقي المكونات السياسية والمتغيرات في النظام الأساسي بين صلاحيات كل من الرئيس ورئيس الوزراء ، فقد فشلت الانتخابات في تحقيق أهدافها وخاصة بسبب غياب الفهم المشترك للنظام السياسي والاتفاق على القواعد الناظمة له"العقد الاجتماعي ".
وبسبب كل ما تقدم فقد تعمقت حالة الاحتقان وصولاً للانقسام الذي تم في 14/ حزيران /2007 حيث سيطرت حركة حماس على قطاع غزة وسيطرة حركة فتح والرئيس محمود عباس على الضفة الغربية.
أدى الانقسام إلى تعطل عمل المؤسسات الفلسطينية الموحدة ، فقد تم تعطيل عمل المجلس التشريعي والذي اصبح يستخدم فقط عبر كتلة الاصلاح والتغيير التابعة لحركة حماس ، والتي اصدرت حتى الآن اكثر من 50 قانوناً دون مشاركة الكتل البرلمانية الاخرى ودون مصادقة الرئيس عليها ، كما اصدر الرئيس عباس أكثر من 130 قراراً بقوة القانون دون مصادقة المجلس التشريعي عليها، كما اصبح الرئيس عباس يستخدم مؤسسات م.ت.ف وخاصة اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي لتشريع سياساته وتوجيهاته .
إن النتيجة الطبيعية لتراجع آليات العمل الديمقراطي من خلال تعطيل عمل المؤسسات الجمعية ، وخاصة التنفيذية والقضائية التشريعية واستمرار السيطرة على م.ت.ف واستخدام مؤسساتها لتشريع سياسات وتوجهات السلطة قد ادى إلى سيادة وسيطرة الادوات التنفيذية في كل من الضفة والقطاع، الامر الذي اضعف من المشاركة وآليات المسائلة والمحاسبة ، وأدى إلى تسيس القضاء، كما ادى إلى تراجع وتدهور في حالة الحريات العامة ومبادئ حقوق الانسان .
يتضح من قرارات الرئيس محمود عباس باتجاه التعاطي الايجابي مع المبادرة الفرنسية الرامية إلى تجديد المفاوضات وتأكيده على التنسيق الامني رغم الرفض الشعبي له ، كما رفضته قرارات المجلس المركزي الأخيرة التي طالبت بالتراجع عنه هو وبروتوكول باريس الاقتصادي ، إنه لا يوجد اكتراث إلى الاصوات الفلسطينية المطالبة بعدم تجديد المفاوضات التي جرت لأكثر من 22 عاماً دون نتائج سوى استخدام اسرائيل لها لفرض الوقائع على الارض عبر الاستيطان ، واقامة منظومة من المعازل والبانتوستانات ، كما يتضح من سلسلة القرارات التي اتخذها مؤخراً سواءً بحق اعضاء من حركة فتح والتي كان آخرها الاصرار على اعتقال النائبة نجاة ابو بكر بحجة انتقادها لأحد الوزراء واتهامه بالفساد ، والمماطلة في عقد المؤتمر السابع لحركة فتح والتغيرات الادارية بمؤسسة السلطة على قاعدة ضمان الولاء وليس الكفاءة ،اننا اصبحنا امام نظام يتسم بالأبوية وبالسيطرة الفردية والشمولية.
كما يتضح من تراجع حالة الحريات العامة و القيود على حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي والحق في تكوين الجمعيات والشركات غير الربحية والسياسات الضريبية وغيرها من الإجراءات التي تقوم بها حركة حماس في غزة ، إلى جانب عدم وجود حالة من الوضوح والشفافية تجاه مفاوضات الميناء التي ترعاها تركيا ، إن الحالة بالقطاع متجهة أيضاً إلى الابتعاد عن المشاركة والتفرد .
إن تراجع الديمقراطية وتقويض مؤسساتها كان اخطر ما افرزه الانقسام الأمر الذي يجب ان يدفع كافة المخلصين للعمل الجاد باتجاه انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية وذلك عبر الدفع باتجاه تشكيل حكومة وفاق وطني وتفعيل الاطار القيادي المؤقت للمنظمة والاتفاق على استراتيجية عمل وطني بما يضمن استمرارية العمل باتجاه تحقيق اهداف شعبنا بالحرية والاستقلال والعودة ، وبما يساهم في اعادة بناء النظام السياسي على اسس قائمة على الديمقراطية والتعددية في اطار القانون لأن بديل ذلك يعنى مزيداً من التحكم والسيطرة بعيداً عن آليات العمل الديمقراطي الجمعي الذي يعتبر أحد مكتسبات شعبنا واحد أدواتها الهامة بالصمود والبناء والاستمرار .