أمة تضحك الأمم - عدت يا يوم مولدي

ماجد الحيدر
2016 / 3 / 3

أمة تضحك الأمم
عُدتَ يا يوم مولدي
ماجد الحيدر

من بين سكان الكرة الأرضية هناك واحد من كل 1461 شخصاً ينتظر في كل مرة أربعة أعوام كي يشهد يوم ميلاده! أنا واحد من هؤلاء! أهو امتياز؟ صدفة سعيدة؟ أم سوء طالع؟ أم مجرد رقم في التقويم الغريغوري الذي ألحق بشباط المصاب بفقر الدم المزمن يوماً إضافيا كاملا في كل أربعة أعوام تعويضا عن ربع اليوم الفلكي الذي يفشل في احتوائه؟
صحيح أن يوم ميلادي المدوَّن في وثائقي الرسمية هو التاسع والعشرون من شباط، لكن المؤرخين الذين سينشغلون بتدوين كل شاردة وواردة من حياة "عّزَمَتونا" سيضطرون الى كتابة السطر لأول من سيرتي المباركة قائلين: ولِد (قُدس سره) في التاسع والعشرين من شباط-فبراير عام 1960 على الأرجح!
في الأمر شكٌّ إذن! ومرَدُّ هذا الشك هو الملاحظة المكتوبة بخط الرقعة الأنيق على الجهة الداخلية من الغلاف الجلدي الأسود في قرآن عمي - يمكنكم رؤية تلك النسخة في الصالة الصغيرة الخاصة بي والواقعة في الطابق الثالث عشر من متحف العُزَماء الى اليمين من قاعة نعيم عبعوب وقد خُطَّ فيها: رُزق أخي الكبير في ليلة الأول من آذار 1960 بمولود ذكر سموه ماجد تيمنا بـ (ثمة كلمات ممسوحة عمدا عرفت لاحقا أنها اسم العقيد ماجد محمد أمين مدعي عام محكمة الثورة الذي كان في أوج شعبيته في ذلك الوقت)
ربما كنت أكثر سروراً لو أنهم سجلوني في دفتر النفوس بيوم 1 آذار، فشباط أسوأ الشهور قاطبة في الذاكرة العراقية، يكفيه أن فيه يوم الثامن من شباط الأسود! وأكاد أجزم أن طيّب الذكر "أليوت" لو كان أحد مواطني هذه البلاد لغيّر مفتتح "أرض الخراب": نيسان أقسى الشهور، هاتفا بلوعة لا تطفئها الدموع: شباط أقسى الشهور!
لكن حسنا. ربما كان هذا أفضل للخزينة العامة؛ فلو تحققت أحلامي الطفولية بأن أكون رئيسا للجمهورية عندما أكبر(لا سمح الله) وصرت قائدَ ضرورةٍ كالمعتاد لاضطرَّ الشعبُ المسكين الى تحمل نفقات أعياد ميلادي المباركة كل عام!
كنت أحفظ تاريخ ميلادي الغريب منذ زمن مبكر من طفولتي، لكنني لم اتعود أن أعره اهتماماً، فما عيد الميلاد على أية حال!؟ نحن الفقراء لم نكن نعرف شيئا اسمه عيد الميلاد. كنا نشاهد أبطال الأفلام المصرية وهم يلبسون الطراطير وينفخون الزمارات العجيبة التي تخرج منها ألسنة ورقية ثم يطفئون شموعاً موقدة في "تورتات" شهية يسيل لها اللعاب من أفواهنا التي لم تجرب غير "السمسمية" و "شعر البنات" و "العسلية" و "الحلقوم مع البسكت" وغيرها من الحلويات الشعبية التي أعترف بأنني ما زلت أفضلها على كل ما عداها من تسميات شرقية وغربية! لكننا كنا نسخر منهم، أعني أبطال وبطلات الأفلام وأطفالهم المنتفخي الخدود، أو نحسدهم، أو نفعل الأمرين معاً.
حين كبرنا بعض الشيء وصرنا نسمع المصطلحات السياسية ونرطن بها بدأنا نقنع أنفسنا بأن هذه "ممارسات برجوازية" لا تليق بأبناء الفقراء من أمثالنا. رغم هذا اكتشفت يوماً أن من حقي أنا أيضا أن أستذكر على الأقل شيئا اسمه "عيد الميلاد"، خصوصاً بعد عرفت (حين رأيت صحيفتي اليسارية المفضلة آنذاك تفرد عدداً خاصاً للاحتفال بميلاد القائد الثوري ولسيل رسائل التهنئة من كل أنحاء العالم) بأن الاحتفال بأعياد الميلاد (لمن استطاع اليه سبيلا) ليس عيباً أو امتيازاً لأناس دون آخرين! بل إنه يكتسب طعماً خاصاً عندما تتذكره وتهنئك به الحبيبة-الزوجة-الأبناء-الأصدقاء حين تكون أنت قد نسيته في زحمة الحياة وهمومها!
منذ سنوات الدراسة الابتدائية اكتشفت انه لا يأتي إلا كل أربع سنوات، وعرفت أن السنة التي "أحتفل" بها تسمى سنة كبيسة (هل يوحي فعل الكبس بشيء؟) ولأنني صرت، منذ ذلك الوقت، مدمناً على نشرات الأخبار التلفزيونية (واسمها الرسمي آنذاك هو عرض الأنباء لهذا اليوم) وقراءة كل ما يتيسر من أخبار الصحف والمجلات (وهو إدمان تعافيت منه لاحقا) فقد تعلمت أن أزامن سنوات قدومه مع سنوات إقامة الدورات الأولمبية الصيفية والانتخابات الرئاسية الأمريكية!
عندما صار لي اسرة وأطفال كانوا يصرون على الاحتفال بعيد ميلادي وكنت أقول: يا معودين آني مال عيد ميلاد؟ شنو شايفيني زغيرون؟! رغم أنني ظللت حريصاً، ربما كنوع من التعويض عن خسائر الطفولة، على بذل كل ما بوسعي كي تكون أعياد ميلادهم أياماً سعيدة حافلة بالفرح.
عدد تلك السنوات منذ تشريفي للكرة الأرضية ليس كبيرا: 14 سنة فقط! لا بأس إذن في أن أمرَّ عليها في عجالة عسى أن يشاركني بعض أبناء جيلي في استذكار "أفراحها وأيامها المجيدة"
في سنة عيد ميلادي الأولى كانت نساء البلاد مازلن متشحات بالسواد على ضحايا المذبحة الكبرى التي وقعت قبل عام (أيام كنت أرتجف هلعا من أصوات رصاصات الحرس القومي وهي تنهمر على سطوحنا الفقيرة). كان عبد السلام عارف قد تخلص من رفاقه البعثيين وراح يجوب البلاد وهو يضحك ضحكته السفيهة ويلقي خطبه الكاريكاتورية فيما كانت المحظوظات من أمهات وزوجات من نجا من المذبحة يجبن سجون البلاد التي يقبع فيها أبناؤهن وأزواجهن أو يطفئن نيران الحرائق في قرى كردستان المقصوفة بالنابالم!
في عيد ميلادي الثاني كان عبد السلام قد احترق في طائرته ونصبوا أخاه الضعيف رئيسا والسجون مكتظة كالمعتاد والمتظاهرون الحانقون المذهولون من الهزيمة غير المتوقعة في حرب العام الفائت يجوبون الشوارع ويهددون بزلزلة الأرض ويهتفون: أمريكا ضد العرب شيلوا سفارتها!
في كبيستي الثالثة كنا نسمع ونحن نرتجف هلعا أخبار ناظم كزار وهو يلف ضحاياه بالبطانيات ويلقيها في دجلة أو يرمي جثث المغدورين على الأرصفة الترابية لشارع القناة!
في الرابعة بدأت أموال النفط بالتدفق. إعلام السلطة يحتفل بالقضاء على "الجيب العميل الخائن" ويبشر بـ "حل القضية الكردية حلا كاملا وعادلاً ونهائيا". أجواء ما سمي بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية والانتعاش الاقتصادي المفاجئ والانفتاح النسبي في الحياة الثقافية والسياسية منحت الناس بعض الأمل الخدّاع، بل راح البعض يبشر بكاسترو جديد اسمه صدام حسين! على الصعيد الشخصي كان مرض القراءة قد تمكن مني مرةً والى الأبد. ولم يكن ينافسه غير أمرين: الحب وأحلام اليقظة السياسية!
في سنة ميلادي الخامسة كان صدام حسين قد قبض بيده الزرقاء على مقاليد كل شيء وجعل ذلك الربيع الوهمي القصير شيئاً من التاريخ: ذبح "رفاق العقيدة والدرب" من حزبه ثم دق أخر مسمار في نعش الجبهة الوطنية التي لم تكن غير فخ محكم وقع فيه اليساريون ليعملَ فيهم تقتيلا وتشريداً، ثم التفت الى خصومه الجدد من الإسلاميين الذين كان قد أرخى لهم الحبل قليلاً قبل أعوام ليقتل المئات منهم ثم يرتكب المذبحة الكبرى بحق الكرد الفيليين ويهيئ الأرض والموارد والإعلام لقادسيته المشؤومة. في خريف ذلك العام فقدت أخي. جاءت سيارة تكسي يركبها ثلاثة أشخاص سألوه عن اسمه ثم أجلسوه في المقعد الخلفي وأحاطوه من الجانبين وانطلقوا به.. لم نره ولم نعرف قبره بعدها!
في السادسة كانت الحرب ما زالت مستعرة. المطربة المراهقة السمراء التي ترتدي الزي العسكري تصيح في التلفزيون: تانيني يا خويه، تانيني يا بويه. والملالي على الجانب الآخر من الحدود يزجون بآلاف الشباب الى المحارق وهم يصيحون بدورهم: لن نتوقف إلا في كربلاء! أكملت دراستي الجامعية لكن كل أحلامي في حياة مهنية وردية تبخرت بالطبع!
في السابعة كنت جندياً في الحرب التي انتهت على الجبهة الشرقية بعد أن اقتنع "القائد الملهم" على الجانب الثاني بشرب "كأس السم" وإيقاف القتال! القائد الملهم في هذا الجانب من الحدود (مثل كل القادة العرب) اعتبر أن مجرد خروجه من الحرب سالماً هو النصر العظيم ويوم الأيام. تجول قليلاً في بغداد بعقاله وزيه العربي على أنغام "سيدي اشكد انته رائع" ثم قاد جنوده صوب الجبهة الشمالية، الى كردستان، ليحرق ويبيد ويدفن مئات الآلاف في أنفال العصر الحديث على خطى حلبجة وأنفال الأجداد من السلف الصالح! في هذا العام خسرت أخي الثاني: أخذته الحرب. ومات أبي بعد أن فقد حنجرته!
في الثامنة كانت حرب غبية أخرى قد انتهت بالهزيمة والخراب والجوع. وأخذنا نتعود على مفردة جديدة هي الحصار الاقتصادي الذي أكل الأخضر واليابس وخرب الروح والجسد ودمر البنية التحتية والبنية الفوقية وكل ما بينهما! وكان صدام يضحك ويحتفل بعيد ميلاده!
في التاسعة كان الحصار أشد وأقسى: وصل الجوع الى درجة بيع الجسد من أجل حفنة طحين. هذا ما شهدته بعيني عندما أعلن عن التوصل الى برنامج النفط مقابل الغذاء وانهارت أسعار الأغذية بشكل مؤقت: وقفت امرأة متوسطة العمر على بائع طحين في شهربان وسألته عن سعره، وحين سمعت إجابته بكت وبصقت على كيس الطحين: أيها الـ.. الرخيص.. أمن أجلك بعت عرضي لأطعم أطفالي!؟ وكان صدام يضحك ويحتفل بعيد ميلاده في عربة من الذهب الخالص! أما أنا فقد بدأ جسدي يدفع ثمن "الحياة الحرة الكريمة" التي عاشها: فتح الأطباء ظهري وأخرجوا حفنة من الغضاريف المتفحمة. قال لي الجرّاح العجوز ذو الابتسامة الودودة: لا تتعب نفسك بعد الآن. لا تحمل الأثقال. حاول أن تجد مهنة أكثر راحة. قلت له: عرضوا عليَّ منصب سفير في البحرين لكنني رفضت! ابتسم من جديد وغادرني بين مصدّق ومكذّب!
في العاشرة كان قائد الأمة مستمراً في الضحك. وكان أهل أرض السواد مستمرين في البكاء والموت جوعاً وإعداماً وبرداً في المنافي.. أما أنا فقد كنت مندهشاً لأنني بقيت حيا حتى شهدت السنة ذات الرقم الغريب المحاط بهالة التوقعات!
في الحادية عشرة كانت أمريكا قد حررتنا واحتلتنا! بابا صدام في السجن أخيرا! أفواج من الحكام الجدد تعود من أقطار الجهات الأربع أو تنبت مثل الفطر المسموم من شقوق الأرض لتبدأ أكبر عمل نهب منظم في التاريخ البشري. ذهب الزيتوني وجاءت العمائم من كل الألوان! ذهب الجراد وجاءت الخفافيش! تبخرت فرحتنا بتحقيق الحلم الذي انتظرناه طويلاً. احتلت كلمات جديدة ومتجددة قواميس أحاديثنا: المسلحون، الإرهابيون، جيش المهدي، جيش عمر، القاعدة، الأمريكان، المقاومة الشريفة، المقاومة نصف الشريفة، المرجعية الرشيدة، المرجعية الصامتة، العبوات، الانتحاريون، السيارات المفخخة، المصالحة الوطنية، الفدية، الدفاتر، الخمط. الخ.. الخ! على الصعيد الشخصي رفضت عرضاً لتولي منصب قائمقام مدينتي تمهيداً لجعلي محافظا! لو كنت وافقت حينها لصرت اليوم حوت فسادٍ معتبر!
في الثانية عشرة كنت أتنفس هواءً نظيفا للمرة الأولى في حياتي، وللمرة الأولى كنت أذرع الشوارع ليلاً دون أن أخشى بضع إطلاقات في الرأس أو رجل أمن يوقفني بفظاظة ويقول لي: هويتك أخي! للمرة الأولى أيضاً كنت أمشي بعد المطر دون أن ألطخ بنطلوني بالطين الذي كنت أعاركه كل شتاء وأقول: لو أمطرت الدنيا في جلولاء لتلطخ طرف بنطلوني بالطين وأنا في بغداد! للمرة الأولى لم يكن قلبي وقلب زوجتي يتوقفان هلعاً إذا تأخر الأولاد خارج البيت الى ساعة العصر! نعم، كنت عائدا الى كردستان من بابها "الدهوكي" بعد أن فرَّ الأجداد منها الى بغداد قبل عقود وعقود عبر بابها "الزرباطي" هرباً من اضطهاد الولاة! هنا قررت أن أبداً وأسرتي منذ الصفر (لم يكن معنا غير حقائب السفر).. كنت رغم فقر الحال، سعيداً بكل هذا الجمال والأمن والنظافة. لكن قلبي بدأ يرسل إشارات الخطر.. ما رأيك يا عزيزي بجلطة صغيرة؟ قال لي الملعون وفعلها!
في الثالثة عشرة ثمة كلمة جديدة بدأت تطرق أسماعنا: داعش! غير أن اللصوص في أرجاء بلادي كانوا في شغلٍ فاكهين: ينهبون وينهبون دول كلل!
يوم أمس حل أخيرا عيد ميلادي الرابع عشر: جلبوا لي كيكة جميلة غريبة تشبه قلعة مسورة وفوقها شمعتان على شكل رقم 56 (أحقاً بلغتُ هذا العمر؟!) أطفأتهما وأنا أشعر بالامتنان والحب لشريكة حياتي ولأسرتي، لكنني تسللت بعدها الى الثلاجة وسرقت قضمة من الحلاوة النجفية الدهينة التي أعشقها منذ الطفولة وصرت الآن أصنعها بنفسي! هذا أول عيد ميلاد لي بعد تفسبكي. تفاجأت بعدد كبير من رسائل المحبة التي غمرتني بشعور من الغبطة والعرفان ، وأهداني صديق عزيز قنينة من المارتيني سأنتظر أول جلسة للأصدقاء لتجربة مذاقها!
لكن غصة موجعة ظلت تقضم القلب وأنا أقرأ على شاشة التلفزيون الارقام التي تتزايد مثل مؤشر العداد في كل بضع لحظات لضحايا هذا التفجير الارهابي وذاك والأعمار التي تنطفئ فجأة بكل قسوة وهمجية ورعونة لأن اسلاميا ما اشتهى أن يتغدى مع نبيه وينكح الحوريات!
بعيداً عن مغزى مثل هذا اليوم، عن أهميته، عن حسابات الربح والخسارة، عن كل ما فعلتُ وما لم أفعل، عن كل الأجوبة المحتملة على السؤال التقليدي التعجيزي: ماذا ستفعل إذا عدت طفلا من جديد؟ سأقول إنه لا شيء سوى مناسبة لتفقد القلب والعقل ، للتأكد من نظافتهما والاطمئنان على ما فيهما من وقود حتى نهاية الطريق، أعني خزين المحبة والوعي!
لا أعرف إن كنت سأظل حيا حتى العيد الخامس عشر لكنني أتمنى أن يكون العالم مكاناً أصلحَ للعيش لأصحاب القلوب الهشة من أمثالي! أتمنى أن يكف الناس عن كراهية بعضهم البعض. أتمنى ألا تسيل الدماء إلا خلال العمليات الجراحية (الناجحة حصراً) وعمليات الولادة وقلع الأسنان!
أما لنفسي فلا أتمنى شيئاً كثيراً.. أتمنى أن أحتفظ بكرامتي وألا أكتب كلمات رثاءٍ لصديقٍ أو قريبٍ أو حبيب. أتمنى ألا أضبط نفسي متلبساً بحسرات و"صفنات" ليس لها أول ولا آخر! أتمنى أن تنعم أسرتي بالصحة والأمان واللقمة الشريفة النظيفة. ولا أتمنى، حين يأتي اليوم الموعود، أن يمسك بي حفنة من القراصنة الأوباش ليقطعوني إربا وهم يكبّرون ثم يلقون لحمي الى أسماك القرش الجائعات، بل أن يدنو مني ربان السفينة بأدب ولطف ويقول لي: تهيأ للنزول أيها السيد. رحلتك ستنتهي في الميناء القادم.. أعذرنا على التقصير!
1-3-2016